Tafsir for this Ayah

Surah 2 : Ayah 50

Surah 2 : Ayah 50

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَـٰكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

And [remember] when We parted the sea for you and saved you, while We drowned the people of Pharaoh while you were looking on.

No Tafsir is available in the selected language for this Ayah. Showing an available text.

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ}.
أما تأويلُ قولِه: {وَإِذْ فَرَقْنَا}. فإنه عطفٌ على: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ}، بمعنى: واذْكُروا نِعْمتي التي أنعمتُ عليكم، واذْكُروا إذ نجَّيناكم مِن آلِ فرعونَ، وإذ فرَقْنا بكم البحرَ.
ومعنى قولِه: {فَرَقْنَا بِكُمُ}: فصَلْنا بكم البحرَ؛ لأنهم كانوا اثنَىْ عشَرَ سِبْطًا، ففرَق البحرَ اثنَىْ عشَرَ طريقًا، فسلَك كلُّ سِبْطٍ منهم طريقًا منها، فذلك فَرْقُ اللهِ جلَّ ثناؤُه بهم البحرَ، وفصلُه بهم بتفريقِهم ¬في الأصل، ص: "بتفرقهم".¥ في طرُقِه الاثنَىْ عشَرَ ¬في الأصل: "العشر".¥.
كما حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السديِّ: لما أتَى موسى البحرَ كَنَاه أبا خالدٍ، وضرَبه فانْفَلَق، فكان كلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العظيم، فدخَلَت بنو إسرائيلَ، وكان في البحرِ اثنا عشَرَ طريقًا، في كلِّ طريقٍ سِبْطٌ ¬سيأتي بتمامه في ص 681.¥.
وقد قال بعضُ نحويِّي البصرةِ: معنى قولِه: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ}: فرَقْنا بينَ الماءِ وبينَكم، يريدُ بذلك: فصَلْنا بينَكم وبينَه وحجَزْنا حيث مرَرْتُم فيه.
وذلك خلافُ ما في ظاهرِ التلاوةِ؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه إنما أخْبَر أنه فرَق البحرَ بالقومِ، ولم يُخْبِرْ أنه فرَق بينَ القَوْمِ وبينَ البحرِ فيَكونَ التأويلُ ما قاله قائلُ ¬في ص، ر، م، ت 1، ت 2، ت 3: "قائلو".¥ هذه المَقالةِ. وفرقُه البحرَ بالقومِ إنما هو تفريقه البحرَ بهم على ما وصَفْنا مِن افتراقِ سُبُلِه ¬في ص، م: "سبيله".¥ بهم على ما جاءت به الآثارُ.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)}.
إن قال لنا قائلٌ: كيف غرَّق اللهُ آلَ فرعونَ ونجَّى بني إسرائيل؟
قيل: كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيّ، عن عبدِ اللهِ بنِ شدَّادِ بنِ الهادِ، قال: لقد ذُكِر لي أنه خرَج فرعونُ في طلبِ موسى على سبعين ألفًا مِن دُهْمِ الخيلِ سوى ما في جندِه مِن شِيَةِ ¬الشِّيَة: سواد في بياض أو بياض في سواد. اللسان (و ش ى).¥ الخيلِ، وخرَج موسى حتى إذا قابَله البحرُ فلم يكنْ له عنه مُنْصَرَفٌ، طلَع فرعونُ في جندِه مِن خلفِهم، {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ} موسى {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 61، 62]. أي: للنجاةِ- وقد وعَدَنى ذلك، ولا خُلْفَ لوعدِه ¬في ر، ت 1، ت 2، ت 3: "لموعوده".
والأثر أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 420. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2769 (15655) من طريق سلمة به.¥.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: أوْحَى اللهُ جلَّ وعزَّ -فيما ذُكر لى- إلى البحرِ: إذا ضرَبك موسى بعَصاه فانفلِقْ له. قال: فبات ¬في م: "فثاب".¥ البحرُ يَضْرِبُ بعضُه بعضًا فَرَقًا ¬الفرق: الخوف. اللسان (ف ر ق).¥ مِن اللهِ وانتظارَه ¬في م: "انتظار".¥ أمرَه، فأوْحَى اللهُ إلى موسى: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ}، فضرَبه بها، وفيها سُلطانُ اللهِ الذي أعْطاه، {فَانْفَلَقَ ¬في الأصل، ص: "فانفرق".¥ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63]. أي: كالجبل على نَشَزٍ ¬في م: "يبس". والنشز: المتن المرتفع من الأرض. اللسان (ن ش ز).¥ مِن الأرضِ. يقول اللهُ لموسى: {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} [طه: 77]. فلما اسْتَقَرَّ له ¬في ر، م: "لهم".¥ البحرُ على طريقٍ قائمةٍ يبَسٍ سلَك فيه موسى ببني إسرائيل، وأتْبَعه فرعونُ بجنودِه ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 420. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2772، 2773 (15670، 15677) من طريق سلمة به.¥.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيّ، عن عبدِ اللهِ بنِ شَدَّادِ بنِ الهادِ الليثي، قال: حُدِّثْتُ أنه لما دخَلت بنو إسرائيلَ ¬بعده في ص، م: "البحر".¥، فلم يَبْقَ منهم أحدٌ، أقبلَ فرعونُ وهو على حِصانٍ له مِن الخيلِ حتى وقَف على شَفِيرِ البحرِ، وهو قائمٌ على حالِه، فهاب الحصانُ أن يَنْفُذَ، فعرَض له جبريلُ عليه السلامُ على فرسٍ أنثى وَدِيقٍ ¬الفرس الوديق: هي التي تشتهى الفحل. النهاية 5/ 168.¥، فقرَّبَها منه فشمَّها الفحلُ، فلمَّا شمَّها قدَّمها ¬في م: "تبعها"، وقدَّمها: أي زجرها وأمرها بالتقدم. ينظر اللسان (ق د م).¥، فتقَدَّم معه ¬في م: "معها".¥ الحصانُ عليه فرعونُ، فلما رأي جندُ ¬في الأصل: "جنود"، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "خيل".¥ فرعونَ فرعونَ قد دخَل، دخَلوا معه، وجبريلُ أمامَه، وهم يَتْبَعون فرعونَ، وميكائيلُ على فرسٍ مِن خلفِ القومِ يَشْحَذُهم ¬في م: "يسوقهم". ويشحذهم يسوقهم بمعنى.¥، يقولُ: الْحَقُوا بصاحبِكم. حتى إذا فصَل جبريلُ مِن البحرِ ليس أمامَه أحدٌ، ووقَف مِيكائيلُ على ناحيتِه الأخرى ليس خلفَه أحدٌ، طبَّق عليهم البحرُ، ونادَى فرعونُ حينَ ر
أي مِن سلطانِ اللهِ وقُدرتِه ما رأي، وعرَف ذلَّه ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "زلته".¥، وخَذَلَتْه نفسُه -: {[لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي] ¬في ر، ت 1، ت 2، ت 3: "آمنت بالذى"، وفي م: "آمنت أنه لا إله إلا الذى".¥ آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 420، 421. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2775، 2776 (15687) من طريق سلمة به.¥ [يونس: 90].
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن أبى إسحاقَ الهَمْدانيّ، عن عمرِو بنِ مَيْمونٍ الأوْديّ في قولِه: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}. قال: لمَّا خرَج موسى ببني إسرائيل بلَغ ذلك فرعونَ، فقال: لا تَتْبَعوهم حتى يَصِيحَ الديكُ. قال: فواللهِ ما صاح ليلتَئذٍ ديكٌ حتى أصْبَحوا، فدعا بشاةٍ فذُبِحَت، ثم قال: لا أَفْرُغُ مِن كبدِها حتى يَجْتَمِعَ إلىَّ ستُّمائةِ ألفٍ مِن القِبْطِ. فلم يَفْرُغْ مِن كبدِها حتى اجتمَع إليه ستُّمائة ألفٍ من القبطِ، ثم سار، فلما أتى موسى البحرَ قال له رجل من أصحابِه يُقالُ له: يُوشَعُ بنُ نُونٍ: أين أمَرَك ربُّك يا موسى؟ قال: أمامَك. يُشِيرُ إلى البحرِ، فأقْحَم يُوشَعُ فرسَه في البحرِ حتى بلَغ الغَمْرَ ¬الغمر: معظم البحر. تاج العروس (غ م ر).¥، فذهَب به، ثم رجَع، فقال: أين أمَرَك ربُّك يا موسى؟ فواللهِ ما كذَبْتَ ولا كُذِبْتَ، ففعَل ذلك ثلاثَ مراتٍ، ثم أوْحَى اللهُ إلى موسى: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ}. يقولُ:
مثلَ جبلٍ. ثم سار موسى ومَن معه، وأتْبَعَهم فرعونُ في طريقِهم، حتى إذا تَتامُّوا فيه أطْبَقه اللهُ عليهم، فلذلك قال: {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}. قال مَعْمَرٌ: قال قتادةُ: كان مع موسى ستُّمائةِ ألفٍ، وأتْبَعَه فرعونُ على ألفِ ألفٍ ومائتي ¬في م: "مائة".¥ ألفِ حِصانٍ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 45، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 106، 107 (508) عن الحسن بن يحيى به. وأخرجه أيضا 8/ 2771 (15667) من طريق إسرائيل، عن أبى إسحاق به، ببعضه. وينظر تاريخ المصنف 1/ 414.
وأخرج ابن أبي حاتم أيضا 8/ 2774، 2775 (15682، 15686) من طريق يونس وإسرائيل، عن أبى إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود نحوه.¥.
حدَّثنا عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بَشَّارٍ الرَّمَاديّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: قال [أبو سعدٍ] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "أبو سعيد". وينظر ما تقدم في ص 647.¥، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أوْحَى اللهُ إلى موسى أن أسْرِ بعبادي ليلًا إنكم متبَعون. قال: فسرَى موسى ببني إسرائيل ليلًا، فأتْبَعهم فرعونُ في ألفِ ألفِ حِصانٍ سِوَى الإناثِ، وكان موسى في ستِّمائةِ ألفٍ، فلمَّا عايَنَهم فرعونُ، قال: {إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} [الشعراء: 54 - 56]. فسرَى موسى ببني إسرائيل حتى هجَموا على البحرِ، فالْتَفَتوا، فإذا هم برَهَجِ ¬الرهج: الغبار. اللسان (ر هـ ج).¥ دوابِّ فرعونَ فقالُوا: يا موسى: {أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} [الأعراف: 129]. هذا البحرُ أمامَنا، وهذا فرعونُ قد رَهِقَنا ¬رهق فلان فلانا: تبعه فقارب أن يلحقه. اللسان (ر هـ ق).¥ بمَن معه: {قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 129]. قال: فأ
وْحَى اللهُ جل ثناؤُه إلى موسى {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ}. وأوْحَى إلى البحرِ أنِ اسْمَعْ لموسى، وأَطِعْ إذا ضرَبك. قال: فبات ¬في م: "فثاب".¥ البحرُ له أَفْكَلٌ -يعنى: له رِعْدةٌ- لا يَدْرِى مِن أي جَوانبِه يَضْرِبُه. قال: فقال يُوشَعُ لموسى: بما أُمِرْتَ؟ قال: أُمِرْتُ أن أَضْرِبَ البحرَ. قال: فاضْرِبْه. قال: فضرَب موسى البحرَ بعصاه، فانْفَلَق، فكان فيه اثنا عشَرَ طريقًا، كلُّ طريقٍ كالطَّوْدِ العظيمِ، فكان لكلِّ سِبْطٍ منهم طريقٌ يَأْخُذون فيه، فلمَّا أخَذوا في الطريقِ، قال بعضُهم لبعضٍ: ما لنا لا نَرَى أصحابَنا؟ قالوا لموسى: أين أصحابُنا لا نَرَاهم؟ قال: سِيروا فإنهم على طريقٍ مثلِ طريقِكم. قالوا: لا نَرْضَى حتى نَرَاهم.
قال سفيانُ: قال عمارٌ الدُّهْنىُّ: قال موسى: اللهمَّ أعِنِّى على أخلاقِهم السيئةِ. قال: فأوْحَى اللهُ إليه أن قُلْ بعصاك هكذا. وأوْمَأ إبراهيمُ بيدِه يُدِيرُها على البحرِ، قال موسى بعَصاه على الحِيطانِ هكذا، فصار فيها كِواءٌ ¬في م: كوى. وكِواء وكُوًى: جمع كُوَّة، وهي الخرق في الحائط. اللسان (ك و ى).¥ يَنْظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ.
قال سفيانُ: قال أبو سعدٍ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "سعيد". وينظر ما تقدم في ص 647.¥، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: فساروا حتى خرَجوا مِن البحرِ، فلما جاز آخِرُ قومِ موسى هجَم فرعونُ على البحرِ هو وأصحابُه، وكان على فرسٍ أدهمَ ذَنُوبٍ ¬الذنوب: وافر شعر الذنب. النهاية 2/ 170.¥ حِصانٍ، فلما هجَم على البحرِ هاب الحِصانُ أن يَتَقَحَّمَ ¬في م: "يقتحم".¥ في البحرِ، فمثَل له جبريلُ عليه السلامُ على فرسٍ أنثى وَدِيقٍ، فلما رآها الحِصانُ تَقَحَّم خلفَها، وقيل لموسى: اتْرُكِ البحرَ رَهْوًا -قال: طُرُقًا على حالِه- قال: ودخَل فرعونُ وقومُه البحرَ، فلمَّا دخَل آخِرُ قومِ فرعونَ، وجاز آخرُ قومِ موسى، أَطْبَق البحرُ على فرعونَ وقومِه فأُغرِقوا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2771، 2773 (15665، 15675) من طريق ابن عيينة به، مختصرًا. وينظر ما سيأتي في ص 669 - 671.¥.
وحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السديِّ، أن اللهَ أمَر موسى أن يَخْرُجَ ببني إسرائيل، فقال: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ}. فخرَج موسى وهارونُ في قومِهما، وأُلْقِى على القِبْطِ الموتُ، فمات كلُّ بِكْرِ رَجُلٍ، فأصْبَحوا يَدْفِنونهم، فشُغِلوا عن طلبِهم حتى طلَعَت الشمسُ، فذلك حينَ يقولُ اللهُ جل وعزَّ: {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ}. وكان موسى على سَاقةِ بني إسرائيل، وكان هارونُ أمامَهم يَقْدُمُهم، فقال المؤمنُ لموسى: يا نبىَّ اللهِ، أين أُمِرْتَ؟ قال: البحرَ. فأراد أن يَقْتَحِمَ، فمنَعه موسى، وخرَج موسى في ستِّمائةِ ألفٍ وعشرين ألفَ مُقاتِلٍ - لا يَعُدُّون ابنَ العشرين لصِغَرِه، ولا ابنَ الستين لكِبَرِه، وإنما عَدُّوا ما بينَ ذلك سوى الذريةِ، وتبِعهم فرعونُ على مُقَدِّمتِه هامانُ في ألفِ ألفٍ وسبعِمائةِ ألفِ حِصانٍ، ليس فيها مادِيانةٌ ¬في الأصل: "ماذيانه"، وفي م: "ماذبانه"، وفي ت 1، ت 3: "مادبانه"، وفي ت 2: "ماربانه". وماديانة: فارسية معربة. ينظر المعجم الذهبى ص 532.¥ -يعنى الأنثى- وذلك حينَ يقولُ اللهُ: {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِر
ِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} [الشعراء: 53، 54]. يعنى بني إسرائيل، فتَقدَّم هارونُ فضرَب البحرَ، فأبَى البحرُ أن يَنْفَتِحَ، وقال: مَن هذا الجبارُ الذي يَضْرِبُنى؟ حتى أتاه موسى، فكنَاه أبا خالدٍ وضرَبه، {فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63]. يقولُ: كالجبلِ العظيمِ. فدخَلَت بنو إسرائيلَ، وكان في البحرِ اثنا عشَرَ طريقًا، في كلِّ طريقٍ سِبْطٌ - وكانت الطرقُ انْفَلَقَت بجُدْرانٍ- فقال كلُّ سِبْطٍ: قد قُتِل أصحابُنا. فلمّا رأي ذلك موسى، دعا اللهَ، فجعَلها ¬في الأصل: "فجعله"¥ لهم قَناطرَ كهيئةِ الطِّيقانِ، فنظَر آخرُهم إلى أولِهم، حتى خرَجوا جميعًا، ثم دنا فرعونُ وأصحابُه، فلما نظَر فرعونُ إلى البحرِ مُنْفَلِقًا، قال: ألا تَرَوْنَ البحرَ فَرِق منى؟ قد انْفَتَح لي حتى أُدْرِكَ أعْدائى فأَقْتُلَهم. فذلك قولُ اللهِ جلَّ ثناؤُه: {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ} [الشعراء: 64]. يقولُ: قرَّبنا ثمَّ الآخَرين. يعنى آلَ فرعونَ. فلما قام فرعونُ على أفْواهِ الطُّرُقِ أبَتْ خيلُه أن تَقْتَحِمَ ¬في الأصل: "تتقحم".¥، فنَزل جبريلُ عليه السلامُ على ماديانةٍ ¬في الأصل، ص،
ر: "ماذيانه"، في م: "ماذبانة"، وفي ت 2: "ماربانه".¥، فشامَّت ¬في الأصل: "فشمت".¥ الحُصُنُ ¬في م: "الحصان".¥ رِيحَ الماديانةِ ¬في الأصل: "المازيانه"، وفي ت 2: "الماربانه".¥، فاقْتَحَمت ¬في م: "فاقتحم".¥ في أَثَرِها، حتى إذا همَّ أوَّلُهم أن يَخْرُجَ ودخَل آخرُهم، أُمِر البحرُ أن يَأْخُذَهم، فالْتَطَم عليهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2770، 2772، 2773 - 2775 (15661، 15669، 15676، 15679، 15684) مفرقًا عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به.

وأخرجه المصنف في تاريخه 1/ 413 - 415 عن موسى بن هارون به عن السديِّ بإسناده المعروف. وتقدم أوله في ص 649.¥.
وحدَّثني يُونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: لما أخَذ عليهم فرعونُ الأرضَ إلى البحرِ قال لهم فرعونُ: قُولوا لهم يَدْخُلوا البحرَ إن كانوا صادِقِين. فلما رآهم أصحابُ موسى قالوا: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 61، 62]. فقال موسى للبحرِ: أَلسْتَ تَعْلَمُ أنِّى رسولُ اللهِ؟ قال: بَلَى. قال: وتَعْلَمُ أن هؤلاء عبادٌ مِن عبادِ اللهِ، أمَرَنى أن آتِىَ بهم؟ قال: بلى. قال: وتَعْلَمُ أن هذا عدوُّ اللهِ؟ قال: بلى. قال: فافرُقْ ¬في م: "انفرق".¥ لي طريقًا ولمَن معى. قال: يا موسى، إنما أنا عبدٌ مملوكٌ، ليس لي أمْرٌ إلا أن يَأْمُرَنى اللهُ. فأوْحَى اللهُ إلى البحرِ إذا ضرَبك موسى بعصاه فانْفَرِقْ، وأوْحَى إلى موسى أن اضْرِبِ البحرَ. وقرَأ قولَ اللهِ جلَّ وعزَّ: {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} [طه: 77]. وقرَأ قولَه: {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا} [الدخان: 24]: سهلًا ليس فيه تَعَدٍّ، فانْفَرَق اثنتى عشْرةَ فِرْقةً، فسلَك كلُّ سِبْطٍ في طريقٍ. قال: فقالوا لفرعونَ: إنهم قد دخَلوا البحرَ. قا
ل: ادْخُلوا عليهم. قال: وجبريلُ في آخرِ بني إسرائيلَ يقولُ لهم: لِيَلْحَقْ آخرُكم أولَكم. وفي أولِ آلِ فرعونَ يقولُ لهم: رُوَيْدًا يَلْحَقْ آخرُكم أولكم. فجعَل كلُّ سِبْطٍ في البحرِ يقولون للسِّبْطِ الذين دخَلوا قبلَهم: قد هلكوا. فلما دخَل ذلك قُلُوبَهم أوحى اللهُ إلى البحرِ فجعَل لهم قَناطرَ يَنْظُرُ هؤلاء إلى هؤلاء، حتى إذا خرَج آخِرُ هؤلاء، ودخَل آخرُ هؤلاء، أمَر اللهُ البحرَ فأطْبَقَ على هؤلاء.
ويعنى بقولِه: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}. أي: تَنْظُرون إلى فَرْقِ اللهِ بكم البحرَ، وإهلاكِه آلَ فرعونَ في الموضعِ الذي نجّاكم فيه، وإلى عظيمِ سُلطانِه في الذي أراكم مِن طاعةِ البحرِ إياه، مِن مَصيرِه رُكامًا فِرَقًا كهيئةِ الأطْوادِ الشامخةِ، غيرَ زائلٍ عن حَدِّه؛ انقيادًا لأمرِه، وإذْعانًا لطاعتِه، وهو سائلٌ ذائبٌ قبلَ ذلك.
يُوقِفُهم بذلك جلَّ ذكرُه على موضعِ حُجَجِه عليهم، ويُذَكِّرُهم آلاءَه عندَ أوائلِهم، ويُحَذِّرُهم -[بتكذيبِهم] ¬في م، ت 1: "في تكذيبهم".¥ نبيَّنا محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-- أن يَحِلَّ بهم ما حلَّ بفرعونَ وآلِهِ في تكذيبِهم موسى صلواتُ اللهِ عليه.
وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن معنى قولِه: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}. كمعنى قولِ القائلِ: ضُرِبْتَ وأهلُك يَنْظُرون، فما أتَوْك ولا أغاثوك ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "أعانوك".¥. يعنى: وهم قريبٌ بِمَرْأي ومَسْمَعٍ. وكقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} [الفرقان: 45]. وليس هناك رؤيةٌ، إنما هو علمٌ.
والذي دعاه إلى هذا التأويلِ أنه وجَّه قولَه: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}. إلى غَرَقِ آلِ فرعونَ، فقال: قد كانوا في شُغُلٍ مِن أن يَنْظُروا مما اكْتَنَفَهم مِن البحرِ من أن يَرَوْا فرعونَ وغَرَقَه.
وليس الذي تأوَّله تأويلَ الكلامِ، إنما التأويلُ: وأنتم تنظرون إلى فَرْقِ اللهِ عزَّ وجلَّ البحرَ لكم -ممَّا قد وصَفتُ آنِفًا- والْتِطامِ أمْواجِ البحرِ بآلِ فرعونَ في الموضعِ الذي صيَّر لكم من البحرِ طريقًا يَبَسًا. وذلك لا شكَّ كان نظرَ عِيانٍ لا نظرَ علمٍ، على ما ظنَّه قائلُ هذا القولِ الذي حكَيْنا.

Tafsir in other languages · 6