تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ}.
قال أبو جعفرٍ: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ}. عطفٌ على قولِه: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ}. فتأويلُ الآيةِ: ثم بعَثْناكم مِن بعدِ موتِكم، وظلَّلنا عليكم الغَمامَ -وعدَّد عليهم سائرَ ما أنْعَم به عليهم- لعلكم تَشْكُرون.
والغَمامُ جماعُ غَمامةٍ، كما السَّحابُ جماعُ سَحابةٍ، والغَمامُ هو ما غَمَّ السماءَ فألْبَسَها، مِن سَحابٍ وقَتَامٍ، وغيرِ ذلك مما يَسْتُرُها عن أعينِ الناظرين، وكلُّ مغطًّى [فإن العربَ] ¬في ص: "فالعرب".¥ تُسَمِّيه مَغْمومًا.
وقد قيل: إن الغَمامَ التي ظلّلها اللهُ على بني إسرائيلَ لم تَكنْ ¬في الأصل، ر: "يكن".¥ سَحابًا.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ قولَه: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ}. قال: ليس بالسَّحابِ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 134 عن الثوري به.¥.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ قولَه: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ}. قال: ليس بالسَّحابِ ¬بعده في ص: "وبإسناده عن مجاهد قال ليس بالسحاب".¥، هو الغَمامُ الذي يَأْتى اللهُ فيه يومَ القيامةِ، لم يكنْ إلا لهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 113 (549) من طريق أبي حذيفة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 70 إلى وكيع وعبد بن حميد.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيح، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ}. قال: هو بمنزلةِ السَّحابِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسين، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ}. قال: غَمامٌ أبْرَدُ مِن هذا وأطيبُ، وهو الذي يَأْتى اللهُ جلَّ وعزَّ فيه يومَ القيامةِ. في قولِه: {فِي ظُلَلٍ ¬في الأصل: "ظل".¥ مِنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 210]. وهو الذي جاءَت فيه الملائكةُ يومَ بدرٍ. قال ابنُ عباسٍ: وكان معهم في التِّيهِ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 134 عن الحسين به. وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 113 (550) بإسناده عن ابن جريج، قال: قال آخرون: هو غمام أبرد من هذا وأطيب.¥.
وإذ كان معنى الغَمامِ ما وصَفْنا، مما غمَّ السماءَ مِن شيء فغطَّى وجهَها عن الناظرِ إليها، فليس الذي ظلَّله اللهُ على بني إسرائيلَ فوصَفه بأنَّه كان غَمامًا، بأوْلَى بوصفِه إياه بذلك أن يكونَ سَحابًا، منه بأن يكونَ غيرَ ذلك مما ألْبَس وجهَ السماءِ مِن شيء.
وقد قيل: إنه ما ابيضَّ مِن السَّحابِ ¬بعده في الأصل طمس مقداره ست كلمات.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ}.
اختلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ المنِّ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ}. قال؛ المَنُّ صَمْغةٌ ¬تفسير مجاهد ص 203، ومن طريقه عبد بن حميد والفريابى، كما في تغليق التعليق 4/ 173.
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 114 (553) من طريق سفيان، عن ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 70 إلى وكيع.¥.
وحدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ}. يقولُ: كان المنُّ يَنْزِلُ عليهم مثلَ الثلجِ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 46. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 114 (556) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، مطولا.¥.
وقال آخَرون: هو شَرابٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، قال: المنُّ شرابٌ كان يَنْزِلُ عليهم مثل العسلِ، فيَمْزُجونه بالماءِ ثم يَشْرَبونه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 115 (558) من طريق ابن أبى جعفر به.¥.
وقال آخَرون: المنُّ عسلٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: المنُّ عسلٌ كان يَنْزِلُ لهم مِن السماءِ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 135. عن ابن زيد.¥.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: عَسلُكم هذا جزءٌ مِن سبعين جزءًا مِن المنِّ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 135. عن المصنف.¥.
وقال آخَرون: المنُّ الخبزُ ¬في م: "خبز".¥ الرُّقَاقُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: حدَّثني عبدُ الصمدِ، قال: سمِعْتُ وهبًا، وسُئِل ما المَنُّ؟ قال: خبزُ الرُّقاقِ، مثلُ الذُّرَةِ، أو ¬في م، ت 2: "و".¥ مثلُ النَّقِىِّ ¬النقى: هو الدقيق الحُوَّارى، وهو الذي يُنَقَّى من لُباب البُرّ. ينظر تاج العروس (ح و ر).
والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 115 (557) من طريق إسماعيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 70 إلى عبد بن حميد. وسيأتي بتمامه في ص 709.¥.
وقال آخَرون: المنُّ الزَّنْجبيلُ ¬في م: "الترنجبين". وسيأتي التعليق عليها.¥.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السديِّ: المنُّ كان يَسْقُطُ على [الشجرِ الزنْجبيلِ] ¬في م: "شجر الترنجبين"، وفي تاريخ المصنف: "الشجر الترنجبين"، والمثبت موافق لما في تفسير ابن أبي حاتم، وتفسير ابن كثير 1/ 134.
والأثر أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 430 عن موسى بن هارون به عن السديِّ بإسناده، مطولا.
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 114 (555) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد به. وسيأتي مطولا في ص 707، 708.¥.
وقال آخَرون: المنُّ هو الذي يَسْقُطُ على الشجرِ الذي يَأْكُلُه الناسُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا الحِمَّانىُّ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن مُجالِدٍ، عن عامرٍ في قولِه: {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ}. قال: المنُّ الذي يَقَعُ على الشجرِ.
حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرىُّ، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن مُجالدٍ، عن عامرٍ، قال: المنُّ هذا الذي يَقَعُ على الشجرِ.
وحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {الْمَنَّ}. قال: المنُّ الذي يَسْقُطُ مِن السماءِ على الشجرِ فيأْكُلُه الناسُ.
حدَّثني القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: كان المنُّ يَنْزِلُ على شْجرِهم، فيَغْدُون إليه ¬في ص، م: "عليه".¥ فيَأْكُلون منه ما شاءوا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 114 (552) من طريق على بن أبى طلحة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 70 إلى ابن المنذر.¥.
[وقد قيل: إن المنَّ التَّرنْجَبينُ] ¬في ر: "وقيل: المن عسل".
والترنجبين: طل يقع من السماء، ندى شبيه بالعسل، جامد متحبب، وتأويله عسل الندى. الجامع لمفردات الأدوية والأغذية 1/ 137.¥.
وقال بعضُهم: المنُّ: الذي يَسْقُطُ على الثُّمامِ ¬الثمام: نبت معروف في البادية، ولا تجهده النعم إلا في الجدوبة. اللسان (ث م م).¥ والعُشَرِ ¬العشر: شجر له صمغ وفيه حراق مثل القطن يقتدح به. اللسان (ع ش ر).¥، وهو حُلْوٌ كالعسلِ، وإياه عَنَى الأعْشَى ميمونُ بنُ قيسٍ بقولِه ¬زيادة من: م، ت 1، ت 2، ت 3. والبيت في ديوان الأعشى ص 109.¥:
لو أُطعِموا المنَّ والسَّلْوَى مكانَهمُ ... ما أبْصَرَ الناسُ طعْمًا فيهمُ نَجَعَا
وتَظاهَرَت الأخبارُ عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: "الكَمْأةُ مِنَ المَنِّ، وماؤُها شِفاءٌ للعينِ" ¬أخرجه البخاريّ (5708)، ومسلم (2049)، وغيرهما من حديث سعيد بن زيد. وينظر مسند الطيالسيّ (2519)، وتفسير ابن كثير، تحقيق أبى إسحاق الحويني 2/ 405 - 416.¥.
وقال بعضُهم: المنُّ شرابٌ حُلْوٌ كانوا يَطْبُخونه فيَشْرَبونه.
وأما أُميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ الثقفىُّ فإنه جعَله في شِعْرِه عسلًا، فقال يَصِفُ أمرَهم في التِّيهِ وما رُزِقوا فيه ¬ديوان أمية ص 44.¥:
فرَأي اللهُ أنهم بمَضِيعٍ ... لا بذي مَزْرَعٍ ولا مَثْمُورا ¬المضيع والمِضيعَة: الاطراح والهوان. اللسان (ض ى ع).¥
فسَنَاها ¬في م: "فعناها"، وهي رواية، وفي الديوان: "فعفاها". وسناها: سقاها. اللسان (س ن و).¥ عليهمُ غادياتٍ ... ومرَى مُزْنَهم خَلايَا وخُورَا ¬غاديات جمع غادية: وهي السحابة التي تنشأ غدوة، ومرى الناقة مريا: مسح ضرعها للدرة. والخلايا: جمع خلية، وهي الناقة التي خليت للحلب. والخور: الإبل الحمر إلى الغبرة، رقيقات الجلود طوال الأدبار، ولها شعر ينفذ، ووبرها أطول من سائر الوبر. ينظر اللسان (غ د و، م ر ى، خ ل ى، خ و ر).¥
عسلًا ناطفًا وماءً فُرَاتًا ... وحَلِيبًا ذا بَهْجةٍ مُرْمُورَا ¬في ص: "مزمورا"، وفي م، ت 1، ت 2، ت 3، والديوان: "ممرورا". وبعده في م: "الممرور الصافى من اللبن". وبعده في ت 1، ت 2، ت 3: "المرمور الصافى من اللبن"، وفي حاشية ص: "المرمور الصافى من اللبن". وفي القاموس مادة (مرمر): المُرمورة بالضم الجارية الناعمة الرِّجراجة.¥
فجعَل المنَّ الذي كان يَنْزِلُ عليهم عسلًا ناطِفًا، والناطفُ هو القاطرُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: {وَالسَّلْوَى}.
و"السَّلْوى" اسمُ طائرٍ يُشْبِهُ السُّمَانَى، واحدُه ¬في الأصل، م: "واحدة".¥ وجِماعُه بلفظٍ واحدٍ، وكذلك السُّمَانَى لفظُ جِماعِها وواحدِها سَواءٌ. وقد قيل: إن واحدَ السَّلْوَى سَلْواةٌ.
ذكرُ مَن قال ما قلنا في ذلك
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: أخبرنا أسْباطُ، عن السديِّ، [فى خبرٍ ذكَره عن أبى مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مرةَ الهَمْدانيّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-] ¬سقط من الأصل، ص.¥: السَّلْوَى طيرٌ يُشْبِهُ السُّمَانَى ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 138 عن المصنف به. وسيأتي مطولا في ص 707، 708.¥
وحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: كان طيرًا أكبرَ مِن السُّمانَى.
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ، قال: السَّلْوَى طيرٌ ¬في ص، م، ت 1، ت 3: "طائر".¥ كانت تَحْشُرُها عليهم الريحُ الجَنوبُ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 46. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 115 (562) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، مطولا.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيح، عن مُجاهِدٍ، قال: السَّلْوَى طائرٌ ¬تفسير مجاهد ص 203.¥.
حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: السَّلْوَى طائرٌ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "طير".¥.
وحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: السَّلْوَى هو السُّمَانَى ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 115 (560) من طريق على بن أبى طلحة، عن ابن عباس.
وأخرجه ابن أبي حاتم أيضا (559) من طريق جهضم، عن ابن عباس. وينظر تفسير ابن كثير، تحقيق أبى إسحاق الحويني 2/ 416، 417.¥.
حدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: أخْبَرَنا أبو أحمدَ، قال: أخبرنا شَريكٌ، عن مُجالِدٍ، عن عامرٍ، قال: السَّلْوَى السُّمانَى.
[حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن مُجالِدٍ، عن عامرٍ، قال: السلوى السُّمانَى] ¬سقط من: الأصل، ص.
والأثر ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 115 عقب الأثر (561) معلقا.¥.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ ابنِ أنسٍ: السلوى كان طيرًا يَأْتِيهم مثلَ السُّمانَى ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 115 عقب الأثر (561) من طريق ابن أبى جعفر به.¥.
وحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: السَّلْوَى طيرٌ.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: حدَّثني عبدُ الصمدِ، قال: سمِعْتُ وهبًا وسُئِل: ما السَّلْوَى؟ فقال: طيرٌ سَمِينٌ مثلُ الحَمامِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 116 (563) من طريق إسماعيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 71 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الضحاكِ، قال: السُّمانَى هو السلوى ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 71 إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.¥.
قال أبو جعفرٍ: فإن قال قائلٌ: وما كان سببُ تَظْليلِ اللهِ الغَمامَ وإنزالِه المنَّ والسلوى على هؤلاء القومِ؟
قيل: قد اخْتَلَف أهلُ العلمِ في ذلك، ونحن ذاكِرون ما حضَرَنا منه.
فحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: لمّا تاب اللهُ على قومِ ¬سقط من: ص.¥ موسى وأحْيَا السبعين الذين اخْتارَهم موسى بعدَ ما أماتهم، أمَرهم اللهُ بالسيرِ ¬في م: "بالمسير".¥ إلى أَرِيحا، وهي أرضُ بيتِ المقدسِ، فساروا حتى إذا كانوا قريبًا منها ¬في ص، ونسخة من تاريخ المصنف: "منهم".¥ بعَث موسى اثنَىْ عشَرَ نَقيبًا، فكان مِن أمرِهم وأمرِ الجبَّارِين وأمْرِ قومِ موسى ما قد قصَّ اللهُ في كتابِه، فقال قومُ موسى لموسى: {اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}. فغضِب موسى فدعا عليهم، فقال: {رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}، فكانت عَجْلةً من موسى عجِلَها، فقال اللهُ: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ} [المائدة: 25، 26]. فلما ضُرِب عليهم التيهُ ندِم موسى، وأتاه قومُه الذين كانوا معه يُطيعونه فقالوا له: ما صنَعْتَ بنا يا موسى؟ فلما ندِم أوْحَى اللهُ إليه: [لا تَأْسَ] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "أن لا تأس".¥ على القومِ الفاسِقِين -أي: لا تَحْزَنْ على القومِ الذين سمَّي
ْتُهم فاسِقِين- فلم يَحْزَنْ. فقالوا: يا موسى، فكيف لنا بماءٍ ههنا؟ أين الطعامُ؟ فأنْزَل اللهُ عليهم المنَّ، فكان يَسْقُطُ على [الشجرِ الزَّنْجبيلِ] ¬في م، وتاريخ المصنف: "شجر الترنجبين". وينظر ما تقدم في ص 702.¥، والسَّلْوى وهو طيرٌ يُشْبِهُ السُّمانَى، فكان يَأْتى أحدُهم فيَنْظُرُ إلى الطيرِ فإن كان سَمينًا ذبَحه وإلا أرْسَله، فإذا سمِن أتاه. فقالوا: هذا الطعامُ، فأين الشرابُ؟ فأُمِر موسى، فضرَب بعصاه الحجرَ فانْفَجَرت منه اثنتا عشْرةَ عينًا، فشرِب كلُّ سِبْطٍ مِن عينٍ. فقالوا: هذا الطعامُ والشرابُ، فأين الظلُّ؟ فظلَّل عليهم الغَمامَ. فقلوا: هذا الظلُّ، فأين اللِّباسُ؟ فكانت ثيابُهم تَطولُ معهم كما تَطولُ الصِّبْيانُ، ولا يَتَخَرَّقُ لهم ثوبٌ، فذلك قولُه: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى}. وقولُه: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 429، 430 عن موسى بن هارون به عن السديِّ بإسناده.¥.
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لما تاب اللهُ على بني إسرائيل وأمَر موسى أن يَرْفعَ عنهم السيفَ مِن عبادةِ العجلِ، أمَر موسى أن يَسِيرَ ¬في ص: "يسبق".¥ بهم إلى الأرضِ المقدسةِ، وقال: إنى قد كتَبْتُها لكم دارًا وقَرارًا ومَنْزِلًا، فاخْرُجْ إليها وجاهِدْ مَن فيها مِن العدوِّ، فإني ناصرُكم عليهم. فسار بهم موسى إلى الأرضِ المقدَّسةِ بأمرِ اللهِ، حتى إذا نزَل التِّيهَ بينَ مصرَ والشامِ، وهي بلادٌ ليس فيها خَمَرٌ ¬الخمر بالتحريك: ما واراك من شجر وغيره، كالجبل وغيره. التاج (خ م ر).¥ ولا ظلٌّ، دعا موسى ربَّه حين آذاهم الحرُّ، فظلَّل عليهم بالغَمامِ، ودعا لهم بالرزقِ، فأنْزَل عليهم المنَّ والسَّلْوَى.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع [بنِ أنسٍ، وحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع] ¬سقط من: الأصل، ص.¥ قولَه: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ}. قال. ظلَّل عليهم الغَمامَ في التِّيهِ، [ما هو في قدرِ] ¬في ص: "فإذا هو في قدر"، وفي م، ت 1، ت 2، ت 3: "تاهوا في".¥ خمسةِ فَراسِخَ أو ستةٍ، كلما أصْبَحوا ساروا غادِين، فأمْسَوا فإذا هم في مكانِهم الذي ارْتَحَلوا منه، فكانوا كذلك حتى مرَّت أربعون سنةً. قال: وهم في ذلك يَنْزِلُ عليهم المنُّ والسلوى، ولا تَبْلَى ثيابُهم، ومعهم حجرٌ مِن حجارةِ الطُّورِ يَحْمِلونه معهم، فإذا نزَلوا ضرَبه موسى بعصاه، فانْفَجَرَتْ منه اثنتا عشْرةَ عينًا.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: حدَّثني عبدُ الصمدِ، قال: سمِعْتُ وهبًا يقولُ: إن بني إسرائيل لما حرَّم اللهُ عليهم أن يَدْخُلوا الأرضَ المُقَدَّسةَ أربعين سنةً يَتيهون في الأرضِ، شكَوْا إلى موسى فقالوا: ما نَأْكُلُ؟ فقال: إن اللهَ سيَأْتِيكم بما تَأْكُلون. قالوا: مِن أين لنا إلا أن يمْطِرَ علينا خُبزًا! قال: إن اللهَ عزَّ وجلَّ سيُنْزِلُ عليكم خُبزًا مَخْبوزًا. فكان يُنْزِلُ عليهم المنَّ -سُئِل وهبٌ: ما المنُّ؟ قال: خُبزُ الرُّقاقِ مثلُ الذرةِ أو مثلُ النَّقيِّ- قالوا: وما نَأْتدِمُ؟ وهل بُدٌّ لنا مِن لحمٍ؟ قال: فإن اللهَ يَأْتِيكم به. فقالوا: مِن أين لنا إلا أن تَأتِيَنا به الريحُ! قال: فإن [اللهَ يأتيكم] ¬غير واضحة في الأصل، وفي م، ت 1، ت 2، ت 3: "الريح تأتيكم".¥ به. فكانت الريحُ تَأْتِيهم بالسَّلْوَى -فسُئِل وهبٌ: ما السلوى؟ قال: طيرٌ سَمِينٌ مثلُ الحَمامِ، كان يَأْتِيهم فيَأْخُذون منه مِن سبتٍ إلى سبتٍ- قالوا: فما نَلْبَسُ؟ قال: لا يَخْلَقُ لأحدِكم ثوبٌ أربعين سنةً. قالوا: فما نَحْتَذِى؟ قال: لا يَنْقَطِعُ لأحدِكم شِسْعٌ ¬الشسع: سير يمسك النعل بأصابع القدم. ا
لوسيط (ش س ع).¥ أربعين سنةً. قالوا: فإنه يُولدُ فينا أولادٌ، فما نَكْسُوهم؟ قال: ثوبُ ¬في ص، ر، ت 1، ت 2: "الثوب".¥ الصغيرِ يَشِبُّ معه. قالوا: فمِن أين لنا الماءُ؟ قال: يَأْتِيكم به اللهُ. قالوا: فمِن أين إلا أن يَخْرُجَ لنا مِن الحجرِ! فأمَر اللهُ موسى أن يَضْرِبَ بعصاه الحجرَ. قالوا: فبمَ نُبْصِرُ إذ تَغْشانا الظُّلْمةُ؟ فضرَب لهم عمودًا ¬في م: "عمود".¥ مِن نورٍ في وسَطِ عسكرِهم أضاء عسكرَهم كلَّه. قالوا: فبمَ نَسْتَظِلُّ، فإن الشمسَ ¬بعده في ص: "قال".¥ علينا شديدهٌّ؟ قال: يُظِلُّكم اللهُ بالغَمامِ ¬تقدم طرف منه في ص 701، 706.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ. فذكَر نحوَ حديثِ موسى، عن عمرِو بنِ حمادٍ ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "عن أسباط عن السديِّ".¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال ابنُ عباسٍ: خُلِق لهم في التِّيهِ ثيابٌ لا تَخْلَقُ ولا تَدْرَنُ.
قال: وقال ابنُ جُرَيْجٍ: إن أخَذ الرجلُ مِن المَنِّ والسَّلْوَى فوقَ طعامِ يومٍ فسَد، إلا أنهم كانوا يَأْخُذُون في يومِ الجمعةِ طعامَ يومِ السبتِ فلا يُصْبِحُ فاسدًا ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 139 عن الحسين به.
وبعده في الأصل: "تم الجزء الثانى والحمد لله حمدًا كثيرًا [. . .] وصلى الله على [. . . .] وأهله الطيبين وسلم تسليما. يتلوه الجزء الثالث القول في تأويل قول الله جلَّ ثناؤه كلوا من طيبات ما رزقناكم. قال أبو جعفر".¥.
القولُ في تأويلِ قولِ اللهِ جلّ ثناؤُه: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}.
قال أبو جعفرٍ: وهذا مما اسْتُغْنِى بدَلالةِ ظاهرِه [عن ذكرِ] ¬في م: "على".¥ ما تُرِك منه، وذلك أن تأويلَ الآيةِ: وظلَّلْنا عليكم الغَمامَ وأنْزَلْنا عليكم المنَّ والسَّلْوى، وقلْنا لكم: كلوا مِن طيباتِ ما رزَقْناكم. فتُرِك ذكرُ قولِه: وقلنا لكم. لِما بيَّنّا مِن دَلالةِ الظاهرِ في الخطابِ عليه.
وعنَى جلَّ ذكرُه بقولِه: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ}: كلوا مِن شَهِيّاتِ ¬في م: "مشتهيات".¥ رِزْقِنا الذي رزَقْناكموه.
وقد قيل: عنَى بقولِه: {مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}: مِن حلالِه الذي أبَحْناه لكم فجعَلْناه لكم رزقًا.
والأولُ مِن القولَيْن أولَى بالتأويلِ؛ لأنه وصْفُ ما كان القومُ فيه مِن هَنِئَ العيشِ الذي أعْطاهم، فوصْفُ ذلك بالطَّيِّب الذي هو بمعنى اللَّذَّةِ أحْرَى مِن وصفِه بأنه حلالٌ مُباحٌ.
و {مَا} التي ¬في الأصل: "الذى".¥ مع: {رَزَقْنَاكُمْ} بمعنى الذى، كأنه قال ¬في ص، م: "قيل".¥: كلوا مِن طيباتِ الرزقِ الذي رزَقْناكموه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)}.
وهذا أيضًا مِن الذي اسْتُغْنى بدَلالةِ ظاهرِه على ما تُرِك منه، وذلك أن معنى الكلامِ: كلوا مِن طيباتِ ما رزَقْناكم، فخالَفوا ما أمَرْناهم به، وعصَوا ربَّهم، ثم رسولَنا إليهم، وما ظلَمونا. فاكْتُفِى بما أُظهِر عما تُرِك.
وقولُه: {وَمَا ظَلَمُونَا}. يقولُ: وما ظلَمونا بفعلِهم ذلك ومعصيتِهم، {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.
ويعنى بقولِه: {وَمَا ظَلَمُونَا}. وما وضَعوا فعلَهم ذلك وعِصْيانَهم إيانا موضعَ مَضَرَّةٍ علينا، ومَنْقَصةٍ لنا، [ولكنهم وضَعوه مِن أنفسِهم موضعَ مَضَرَّةٍ عليها ومَنْقَصةٍ لها] ¬سقط من: الأصل.¥.
كما حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بشرٌ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. قال: يَضُرُّون ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 116 (567) عن أبى زرعة، عن المنجاب به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 71 إلى أبى الشيخ.¥.
وقد دلَّلْنا فيما مضَى على أن أصلَ الظلمِ وضعُ الشيء في غيرِ موضعِه، بما فيه الكِفايةُ، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه ¬ينظر ما تقدم في ص 559، 560.¥.
وكذلك ربُّنا جلَّ ثناؤُه لا تَضُرُّه معصيةُ عاصٍ، ولا يَتَحَيَّفُ خَزائنَه ظلمُ ظالمٍ، ولا تَنْفَعُه طاعةُ مُطيعٍ، ولا يَزِيدُ في مُلْكِه عدلُ عادلٍ، بل نفسَه يَظْلِمُ الظالمُ، وحظَّها يَبْخَسُ العاصى، وإياها يَنْفَعُ الطائعُ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "المطيع".¥، وحظَّها يُصِيبُ العادلُ.