تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ}.
يعنى جلّ ثناؤه بقولِه: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى}: وإذ اسْتَسْقانا موسى لقومِه؛ أي: سأَلَنا ¬بعده في ر، م، ت 1، ت 2، ت 3: "أن".¥ نَسْقِى قومَه ماءً. فترَك ذكرَ المسئولِ ¬بعده في حاشية الأصل: "في الأم: له".¥ ذلك، والمَعْنِىّ الذي سأَل موسى، إذ كان فيما ذكَر مِن الكلامِ الظاهرِ دَلالةٌ على معنى ما ترَك [وحذَف] ¬زيادة من: الأصل.¥.
وكذلك قولُه: {فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا}. مما اسْتُغْنِى بدَلالةِ الظاهرِ على المَتْروكِ منه، وذلك أن معنى الكلامِ: فقلْنا: اضْرِبْ بعصاك الحجرَ. فضرَبه فانْفَجَرَت. فترَك ذكْرَ الخبرِ عن ضَرْبِ موسى الحجرَ؛ إذ كان فيما ذكَر دَلالةٌ على المرادِ منه.
وكذلك قولُه: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ}. إنما معناه: قد علِم كلُّ أناسٍ منهم مَشْرَبَهم. فترَك ذكرَ "منهم" لدَلالةِ الكلامِ عليه.
وقد دلَّلْنا على أن "أناس" ¬في م: "الناس". وهو ما تقدم في 1/ 274.¥ جمعٌ لا واحدَ له مِن لفظِه -فيما مضى- وأن الإنسانَ لو جُمِع على لفظِه لَقيل: أناسينُ ¬في م: "أناسى". وهو جمع صحيح بإبدال الياء من النون.¥ وأَناسِيَةٌ.
وقومُ موسى هم بنو إسرائيلَ الذين قصَّ اللهُ عزَّ وجلَّ قَصَصَهم في هذه الآياتِ. وإنما اسْتَسْقَى لهم ربَّه جلَّ ثناؤُه الماءَ في الحالِ التي تاهوا فيها في التِّيهِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ} الآية. قال: كان هذا إذ هم في البَرِّيَّةِ اشْتَكَوْا إلى نبيِّهم الظَّمأَ، فأُمِروا بحجرٍ طُورانىٍّ ¬في م: "طورى أي"، وفي تفسير ابن حاتم: "طورى".¥ مِن الطُّورِ، أن يَضْرِبَه موسى بعَصاه، فكانوا يَحْمِلونه معهم، فإذا نزَلوا ضرَبه موسى بعصاه، فانْفَجَرَت منه اثنتا عشْرةَ عينًا، لكلِّ سِبْطٍ عينٌ مَعلومةٌ، مُسْتَفيدٌ ¬في م: "مستفيض".¥ ماؤُها لهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 121 (597، 601) من طريق شيبان، عن قتادة، مختصرًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 72 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني تَميمُ بنُ المُنْتَصِرِ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا أصْبَغُ بنُ زيدٍ، عن القاسمِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ذلك في التِّيهِ، ظُلِّل عليهم الغَمامُ، وأُنْزِل عليهم المنُّ والسَّلْوَى، وجُعل لهم ثيابٌ لا تَبْلَى ولا تَتَّسِخُ، وجُعِل بينَ ظَهْرانَيْهِم حجرٌ مُرَبَّعٌ، وأُمِر موسى فضَرب بعصاه الحجرَ، فانفجَرتْ منه اثنتا عشْرةَ عينًا، في كلِّ ناحيةٍ منه ثلاثُ عيونٍ، لكلِّ سبطٍ عينٌ، ولا يَرْتَحِلون مَنْقَلةً ¬المنقلة: المرحلة من مراحل السفر. اللسان (ن ق ل).¥ إلا وجَدوا ذلك الحجرَ منهم ¬في م: "معهم".¥ بالمكانِ الذي كان به منهم ¬¥ في المنزلِ الأولِ.
حدَّثني عبدُ الكريمِ، قال: أخْبَرَنا إبراهيمُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن [أبى سَعْدٍ] ¬في م، ت 3، وتفسير ابن كثير: "أبى سعيد". والصواب المثبت، وهو أبو سعد البقال سعيد بن المرزبان، كما تقدم في 1/ 647.¥، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ذلك في التِّيهِ، ضرَب لهم موسى الحجرَ، فصار فيه اثنتا عشْرةَ عينًا مِن ماءٍ، لكلِّ سِبْطٍ منهم عينٌ يَشْرَبون منها ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 72 إلى المصنف. وذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 143 عن سفيان الثورى، عن أبى سعيد، عن عكرمة به.
وسفيان هو ابن عيينة، كما جاء مصرحًا بذلك في 1/ 647، وإبراهيم بن بشار الرمادى مشهور بالرواية عنه، ولا يعرف له رواية عن الثورى.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيح، عن مُجاهدٍ: {فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ}: [فانْفَجر لهم الحجَرُ بضربةِ موسى اثنتى] ¬في م: "فانفجرت منه اثنتا".¥ عشْرَةَ عينًا، لكلِّ سِبْطٍ منهم عينٌ، كلُّ ذلك كان في تِيهِهم حينَ تاهوا ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 72 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ قولَه: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ}. قال: خافوا الظَّمأَ في تِيهِهم حينَ تاهوا، فانْفَجَر لهم الحجرُ اثنتَىْ عشْرةَ عينًا، ضرَبه موسى. قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال ابنُ عباسٍ: الأسْباطُ بنو يَعقوبَ، كانوا اثْنَى عن عشَرَ رجلًا، كلُّ واحدٍ منهم ولَد سِبْطًا ¬بعده في م: "و".¥؛ أُمَّةً مِن الناسِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 140 إلى المصنف مقتصرًا على آخره.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ: اسْتَسْقَى لهم موسى في التِّيهِ، فسُقُوا في حَجرٍ مثلِ رأسِ الشاةِ. قال: يُلْقُونه في جانبِ ¬في م: "جوانب".¥ الجُوَالِقِ ¬الجوالق: وعاء من الأوعية معروف، فارسى معرب. اللسان (ج ل ق).¥ إذا ارْتَحَلوا، ويَقْرَعُه موسى بالعصا إذا نزَل، فتَنْفَجِرُ منه اثنتا عشْرَةَ عينًا، لكلِّ سبطٍ منهم عينٌ، فكان بنو إسرائيلَ يَشْرَبون منه، حتى إذا كان الرحيلُ اسْتَمْسَكَت العُيونُ، وقيل به ¬قيل به. أي: رُفع وحُمل، والعرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وتطلقه على غير الكلام واللسان، فتقول: قال بيده. أي أخذ، وقال برجله. أي مشى. ينظر النهاية 4/ 124.¥ فأُلْقِى في جانبِ الجُوَالِقِ، فإذا نزَل رمَى به، فقرَعه بالعصا، فتفَجَّرَت عينٌ مِن كلِّ ناحيةٍ مثلَ البحرِ.
وحدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: كان ذلك في التِّيهِ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 430، 431 عن موسى بن هارون به، عن السديِّ بإسناده، مطولًا.¥.
وأما قولُه: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ}. فإنما أخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤُه بذلك عنهم، [فخصَّ بالنَّبأِ عنهم بذلك] ¬سقط من: ر، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥؛ لأن معناهم -في الذي أخْرَج اللهُ لهم مِن الحجرِ الذي وصَف في هذه الآيةِ صفتَه مِن الشربِ- كان مُخالِفًا معانىَ سائرِ الخلقِ فيما أخْرَج اللهُ لهم مِن المياهِ مِن الجبالِ والأرَضِينَ، التي لا مالكَ لها سوى اللهِ جلَّ وعزَّ. وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه كان جعَل لكلِّ سِبْطٍ مِن الأسباطِ الاثنَىْ عشَرَ، عينًا مِن الحجرِ الذي وصَف صفتَه في هذه الآيةِ، يَشْرَبُ منها دونَ سائرِ الأسباطِ غيرِه، لا يَدْخُلُ سِبْطٌ منهم في شِرْبِ سِبْطٍ غيرِه، فكان مع ذلك لكلِّ عينٍ مِن تلك العيونِ الاثنتَىِ العشْرةَ موضعٌ مِن الحجرِ، قد عرَفه السِّبْطُ الذي منه شِرْبُه ¬الشرب، بالكسر: النصيب من الماء والحصة منه. المصباح المنير (ش ر ب).¥، فلذلك خصَّ جلَّ ثناؤُه هؤلاء بالخبرِ عنهم أن كلَّ أناسٍ منهم كانوا عالِمِين بمَشْرَبِهم دونَ غيرِهم مِن الناسِ، إذ كان غيرُهم -فى الماءِ الذي لا يَمْلِكُه أحدٌ- شُركاءَ في مَنابعِه ومَسايلِه، وكان كلُّ سِبْطٍ مِن هؤلاء [كان منفردًا] ¬في ر، م: "مفردا
".¥ بشرْبِ مَنبَعٍ مِن مَنابعِ الحجرِ -دونَ سائرِ مَنابعِه- خاصٍّ لهم دونَ سائرِ الأسْباطِ غيرِهم، فلذلك خصَّ بالخبرِ عنهم أن كلَّ أناسٍ منهم قد علِموا مَشْرَبَهم.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ}.
وهذا أيضًا مما اسْتُغْنى بذكرِ ما هو ظاهرٌ منه عن ذكرِ ما تُرِك ذكرُه. وذلك أن تأويلَ الكلامِ: فقلنا: اضْرِبْ بعصاك الحجرَ. فضرَبه، فانْفَجَرَت منه اثنتا عشْرةَ عينًا، قد علِم كلُّ أناسٍ منهم ¬زيادة من: ر.¥ مَشْرَبَهم، فقيل لهم: كلوا واشْرَبوا مِن رزقِ اللهِ. أخْبَر جلَّ ثناؤُه أنه أمَرَهم بأكلِ ما رزَقهم في التِّيهِ مِن المنِّ والسلوى، وبشربِ ما فجَّر لهم ¬بعده في ر، م، ت 1، ت 2، ت 3: "فيه".¥ مِن الماءِ مِن الحجرِ المُتعاوَرِ ¬اعتوَروا الشيء وتعوَّروه وتعاوَروه: تداولوه فيما بينهم. اللسان (ع و ر).¥ الذي لا قَرارَ له في أرضٍ، ولا سبيلَ إليه [لماءٍ، ولكنَّه] ¬في ر: "لماء لكنه"، وفي م، ت 1، ت 2، ت 3: "لمالكيه".¥ يَتَدَفَّقُ بعيونِ الماءِ، ويَزْخَرُ بيَنابيعِ العَذْبِ الفُراتِ، بقدرةِ ذي الجَلالِ والإكْرامِ.
ثم تقَدَّم جلَّ ثناؤُه إليهم -مع [إباحتِه لهم] ¬في م: "إباحتهم".¥ ما أباح، وإنعامِه عليهم بما أنْعَم ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "به عليهم".¥ مِن العيشِ الهَنِئِ- بالنهىِ عن السعْىِ في الأرضِ فسادًا، والعَثَا فيها استكبارًا، فقال تعالى ذكرُه لهم: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)}.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {وَلَا تَعْثَوْا}: لا تَطْغَوا، ولا تَسْعَوْا في الأرضِ مُفْسِدِين.
كما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبي العالية. {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}. يقولُ: لا تَسْعَوا في الأرضِ فَسادًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 122 (606) من طريق آدم به.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}. [قال: لا تَطْغَوا في الأرضِ مفسدين] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥. لا تَعْثَ: لا تَطْغَ.
حدَّثنا بشرٌ، [قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ] ¬سقط من: الأصل.¥، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}. أي: لا تَسِيروا في الأرضِ مُفْسِدِين ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 122 (607) من طريق شيبان، عن قتادة.¥.
حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرٌ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}: لا تَسْعَوْا في الأرضِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 72 إلى المصنف وابن أبي حاتم.¥.
وأصلُ العَثَا شدةُ الإفسادِ، [بل هو أشدُّ الإفسادِ] ¬سقط من: الأصل.¥، يُقالُ منه: عَثِى فلانٌ في الأرضِ -إذا تَجاوَز في الإفسادِ إلى غايتِه- يَعْثَى عَثًا، مقصورٌ، وللجماعةِ: هم يَعْثَوْن. وفيه لُغَتان أُخْرَيان، إحداهما: عَثَا يَعْثُو عُثُوًّا ¬ضبطت في الأصل هكذا: "عَثْوًا".¥. ومَن قرَأ بهذه اللغةِ، فإنه يَنْبَغِى له أن يَضُمَّ الثاءَ مِن "يعثُو"، ولا أعْلَمُ قارئًا يُقْتَدَى بقراءتِه قرَأ به. ومَن نطَق بهذه اللغةِ مُخْبِرًا عن نفسِه قال: عثَوْتُ أَعْثُو. ومَن نطَق باللغةِ الأولى قال: عَثيتُ أَعْثَى.
والأخرى منهما: عاث يَعِيثُ عَيْثًا وعُيُوثًا وعَيَثانًا، كلُّ ذلك بمعنًى واحدٍ. ومِن العَيْثِ قولُ رُؤْبةَ بنِ العَجَّاجِ ¬ديوانه ص 30.¥:
وعاثَ فِينَا مُسْتَحِلٌّ عَائِثُ
مُصَدِّقٌ أو تاجِرٌ مُقاعِثُ ¬المصدق: الذي يقبض أموال الصدقة والزكاة. والمقاعث: الذي يستأصل المال ويستوعبه. اللسان (ص د ق، ق ع ث).¥
يعنى بقولِه: عاث فينا: أفْسَد فينا.