تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ}.
ومعنى ذلك: قال قومُ موسى لموسى: ادعُ لنا ربَّك يُبَيِّنْ لنا لونَ البقرةِ التي أمَرْتَنا بذبحِها. وهذا أيضًا تعنُّتٌ آخرُ منهم بعدَ الأولِ، وتكلُّفُ طلبِ ما قد كانوا كُفوه في المرةِ الثانيةِ والمسألةِ الآخِرةِ، وذلك أنهم لم يكونوا حُصِروا في المرةِ الثانيةِ، إذ قيل لهم بعد مسألتِهم عن حِلْيةِ البقرةِ التي كانوا أُمِروا بذبحِها، فأبَوْا إلا تكلُّفَ ما قد كُفُوه مِن المسألةِ عن صفتِها، فحُصِروا على نوعٍ دونَ سائرِ الأنواعِ؛ عقوبةً مِن اللهِ لهم على مَسألتِهم التي سأَلوها نبيَّهم -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تعنُّتًا منهم له، ثمَّ لم يَحْصُرْهم على لونٍ منها دونَ لونٍ، فأبَوْا إلا تَكَلُّفَ ما كانوا عن تَكَلُّفِه أغْنِياءَ، فقالوا -تعنُّتًا منهم لنبيِّهم -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كما ذكَر ابنُ عباسٍ-: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا} فقيل لهم عقوبةً لهم: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} فحُصِروا على لونٍ منها دونَ لونٍ، ومعنى ذلك: أن البقرةَ التي أمَرْتُكم بذبحِها صفراءُ فاقعٌ لونُها.
قال ومعنى قولِه: {يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا}: أي شيءٍ لونُها؟ فلذلك كان اللونُ مرفوعًا؛ لأنه مُرافَعُ "ما"، وإنما لم يُنْصَبْ "ما" بقولِه: {يُبَيِّنْ لَنَا} لأنَّ أصلَ "أي" و"ما" جمعُ مُتَفَرِّقِ الاستفهامِ. يقولُ ¬في النسخ: "كقول". والمثبت يقتضيه السياق.¥ القائلُ: بَيِّنْ لنا أسوداءُ هذه البقرةُ أم صفراءُ؟ فلما لم يَكُنْ [لقولِه: بيِّنْ لنا. أن يقعَ على الاستفهامِ متفرِّقًا، لم يكنْ له أن يقعَ] ¬في النسخ: "كقوله بين لنا ارتفع على الاستفهام منصرفا لم يكن له ارتفع". والمثبت هو الصواب. وينظر معانى القرآن للفراء 1/ 46 - 48.¥ على "أي"؛ لأنه جمعُ ذلك المتفرِّقِ، وكذلك كلُّ ما كان مِن نظائرِه، فالعملُ فيه واحدٌ في "ما" و"أي".
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: {صَفْرَاءُ}؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: سوداءُ شديدةُ السَّوادِ.
ذكرُ مَن قال ذلك منهم
حدَّثني أبو مسعودٍ إسماعيلُ بنُ مسعودٍ الجَحْدرىُّ، قال: ثنا نوحُ بنُ قيسٍ، عن محمدِ بنِ سيفٍ، عن الحسنِ: {صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا} قال: سوداءُ شديدةُ السَّوادِ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (192 - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 139 (709) من طريق نوح بن قيس به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 78 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني أبو زائدةَ زكريا بنُ يحيى بنِ أبى زائدةَ والمثنى بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا نوحُ بنُ قيسٍ، عن محمدِ بنِ سيفٍ، عن أبى رَجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 140 (715) من طريق مسلم بن إبراهيم به. وقال ابن كثير في تفسيره 1/ 158: وهذا غريب.¥.
وقال آخَرون: معنى ذلك: صفراءُ القَرْنِ والظِّلْفِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني هشامُ بنُ يونُسَ النَّهْشَلىُّ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن أشْعثَ، عن الحسنِ في قولِه: {صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا}. قال: صفراءُ القَرنِ والظِّلْفِ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثني هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن كَثيرِ بنِ زيادٍ، عن الحسنِ في قولِه: {صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا}. قال: كانت وَحْشِيَّةً ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 138 (704) من طريق هشيم به.¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن إبراهيمَ، عن أبى حفصٍ، عن مَغْراءَ، أو عن رجلٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: {بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا}. قال: صفراءُ القَرْنِ والظِّلْفِ ¬إبراهيم هو ابن يزيد الخوزى متروك. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 139 (708) من طريق ليث بن أبى سليم، عن مغراء، عن سعيد بن جبير. وأخرجه ابن أبي حاتم أيضًا 1/ 139 (707) من طريق شريك، عن الأعمش، عن مغراء، عن ابن عمر في قوله: {صَفْرَاءُ}. قال صفراء الظلف.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: هي صَفْراءُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا الضَّحَّاكُ بنُ مَخْلَدٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيح، عن مُجاهِدٍ: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا} قال: لو أخَذُوا بقرةً صَفراءَ لأَجْزَأَت عنهم ¬تفسير مجاهد ص 205، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 139 (706).¥.
قال أبو جعفرٍ: وأَحْسَبُ أن الذي قال في قولِه: {صَفْرَاءُ}: يَعْنى به سوداءَ. ذهَب إلى قولِه ¬كذا في النسخ، ولعل صوابها: "قولهم".¥ في نعتِ الإبلِ السودِ: هذه إبلٌ صُفْرٌ، وهذه ناقةٌ صفراءُ. يعْنى بها سوداءَ، وإنما قيل ذلك في الإبلِ لأن سوادَها يَضْرِبُ إلى الصُّفْرةِ، ومنه قولُ الشاعرِ ¬هو الأعشى الكبير، والبيت في ديوانه ص 68.¥:
تلك خَيْلِى منه ¬في م: "منها".¥ وتلك رِكابِى ¬الركاب: الإبل التي يسار عليها، واحدتها راحلة، ولا واحد لها من لفظها. التاج (ر ك ب).¥ ... هن صُفْرٌ أولادُها كالزَّبِيبِ
يعنى بقولِه: عن صُفْرٌ: هن سُودٌ، وذلك إن وُصِفَت الإبلُ به فليس مما تُوصَفُ به البقرُ، مع أن العربَ لا تَصِفُ السَّوادَ بالفُقوعِ، وإنما تَصِفُ السوادَ -إذا وصَفَتْه بالشِّدةِ- بالحُلوكةِ ونحوِها، فتقولُ: هو أسودُ حالكٌ وحانِكٌ وحُلْكُوكٌ، وأسودُ غِرْبيبٌ ودَجُوجىٌّ. ولا تقولُ: هو أسودُ فاقعٌ. وإنما تقولُ: هو أصفرُ فاقعٌ. فوصْفُه إياه بالفُقوعِ مِن الدليل البينِ على خلافِ التأويلِ الذي تأوَّل قولَه: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا} المتأوِّلُ بأن معناه سوداءُ شديدةُ السوادِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَاقِعٌ لَوْنُهَا}.
يعنى: خالصٌ لونُها. والفُقوعُ في الصُّفْرةِ نظيرُ النُّصُوعِ في البَياضِ، وهو شِدَّتُه وصَفاؤُه.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، قال: قال قَتادةُ: {فَاقِعٌ لَوْنُهَا}: هي الصافى لونُها ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 49.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العالية: {فَاقِعٌ لَوْنُهَا}. أي: صافٍ لونُها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 139 عقب الأثر (711) من طريق آدم به.¥.
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بمثلِه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 139 عقب الأثر (711) من طريق ابن أبى جعفر به.¥.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {فَاقِعٌ}. قال: نَقِىٌّ لونُها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 139 عقب الأثر (711) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبى، قال: حدَّثني عمى، قال: حدَّثني أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: {فَاقِعٌ لَوْنُهَا}: شديدةُ الصُّفْرةِ، تَكادُ مِن صُفرتِها تَبْيَضُّ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 140 (714) عن محمد بن سعد به.¥. قال أبو جعفرٍ: أُراه أبيضَ.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَاقِعٌ لَوْنُهَا}. قال: شديدةٌ صفرتُها.
يقالُ منه: فقَع لونُه يَفْقَعُ، ويَفْقُعُ، فَقْعًا وفُقوعًا فهو فاقعٌ. كما قال الشاعرُ:
حمَلْتُ عليه الوَرْدَ ¬الورد من الخيل: بين الكميت والأشعر.¥ حتى ترَكْتُه ... ذَليلًا يَسُفُّ التُّرْبَ واللَّوْنُ فاقعُ
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ}.
يعنى بقولِه: {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ}: تُعْجِبُ هذه البقرةُ، في حُسنِ خَلْقِها ومَنظرِها وهَيئتِها، الناظرَ إليها.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} أي: تُعْجِبُ الناظِرِين ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 140 عقب الأثر (716) معلقًا.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: حدَّثني عبدُ الصَّمَدِ بنُ مَعْقلٍ، أنه سمِع وهبًا: {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ}: إذا نظَرْتَ إليها يُخَيَّلُ إليك أن شُعاعَ الشمسِ يَخْرُجُ مِن جلدِها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 140 (717) من طريق إسماعيل بن عبد الكريم به.¥.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} قال: تُعْجِبُ الناظِرِين ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 140 (716) من طريق عمرو بن حماد به.¥.