Tafsir for this Ayah

Surah 2 : Ayah 75

Surah 2 : Ayah 75

أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا۟ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

Do you [O believers] hope that they would respond to your call to believe, while a party of them used to hear the word of Allah[35] then distort it knowingly after understanding it?

No Tafsir is available in the selected language for this Ayah. Showing an available text.

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ}.
يعنى بقولِه جل ثناؤُه: {أَفَتَطْمَعُونَ}. أصحابَ ¬في م: "يا أصحاب".¥ محمدٍ. [يقولُ: {أَفَتَطْمَعُونَ}] ¬سقط من: م.¥ أي: أفتَرْجُونَ يا معشرَ المؤمنين بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، والمُصَدِّقِين ما جاءكم به مِن عندِ اللهِ، أن يُؤْمِنَ لكم يهودُ بني إسرائيل.
ويعنى بقولِه: {أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ}: أن يُصَدِّقوكم بما جاءكم به نبيُّكم -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- محمدٌ مِن عندِ ربِّكم.
كما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، عن ابنِ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ}: يعنى أصحابَ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يُؤْمِنوا لكم، يقولُ: أفتَطْمَعونَ أن يُؤْمِنَ لكم اليهودُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 148 (769) من طريق ابن أبى جعفر به.¥؟
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ} الآية. قال: هم اليهودُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 81 إلى عبد بن حميد.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ}.
قال أبو جعفرٍ: أما "الفريقُ" فَجَمْعٌ، كالطائفةِ، لا واحدَ له مِن لفظِه، وهو "فَعيلٌ" مِن "التَّفَرُّقِ"، سُمِّىَ به الجِماعُ كما سُمِّيَت الجماعةُ بـ "الحِزْبِ" مِن "التَّحزُّبِ"، وما أشْبَهَ ذلك، ومنه قولُ أعْشَى بنى ثَعْلبةَ ¬ديوان الأعشى ص 201.¥:
أجَدُّوا ¬في م: "أخذوا". وأجد في السير: أسرع فيه. اللسان (ج د د).¥ فلمَّا خِفْتُ أنْ يَتَفَرَّقُوا ... فَرِيقَيْن مِنْهُمْ مُصْعِدٌ وَمُصَوِّبُ ¬التصويب: الانحدار وهو خلاف التصعيد. اللسان (ص و ب).¥
يعنى بقولِه: {مِنْهُمْ}: مِن بني إسرائيل. وإنما جعَل اللهُ الذين كانوا على عهدِ موسى ومَن بعدَهم مِن بني إسرائيل، مِن اليهودِ الذين قال اللهُ لأصحابِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ}. لأنهم كانوا آباءَهم وأسْلافَهم، فجعَلهم منهم إذ كانوا عَشائرَهم وفَرَطَهم وأسْلافَهم، كما يَذْكُرُ الرجلُ اليومَ الرجلَ، وقد مضَى على مِنهاجِ الذاكرِ وطريقتِه، وكان مِن قومِه وعَشيرتِه، فيقولُ: كان منا فلانٌ. يعنى أنه كان مِن أهلِ طريقتِه ومذهبِه، أو مِن قومِه وعَشيرتِه، فكذلك قولُه {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ}.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)}.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذين عَنَى اللهُ بقولِه: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}؛ فقال بعضُهم بما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}: فالذين يُحَرِّفونَه والذين يَكْتُمونَه هم العلماءُ منهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 149 (773) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 81 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ بنحوِه.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ}. قال: هي التوراةُ حرَّفوها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 149 (774) عن أبى زرعة، عن عمرو به.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ}. قال: التوراةُ التي أنْزَلها عليهم يُحَرِّفونها، يَجْعَلون الحلالَ فيها حرامًا، والحرامَ فيها حلالًا، والحقَّ فيها باطلًا، والباطلَ فيها حقًّا؛ إذا جاءَهم المُحِقُّ برِشْوةٍ أخْرَجوا له كتابَ اللهِ، وإذا جاءَهم المُبْطِلُ برِشْوةٍ أخرجوا له ذلك الكتابَ فهو فيه مُحِقٌّ، وإن جاء أحدٌ يَسْأَلُهم شيئًا ليس فيه حقٌّ ولا رِشوةٌ ولا شيء أَمَروه بالحقِّ، فقال لهم: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 165 عن ابن وهب به.¥.
وقال آخرون في ذلك بما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: أخْبَرَنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}: فكانوا يَسْمَعون مِن ذلك كما يَسْمَعُ أهلُ النُّبوةِ، ثم يُحَرِّفونه مِن بعدِ ما عقَلوه وهم يَعْلَمون ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 148 (771) من طريق ابن أبى جعفر به.¥.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ في قولِه: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ} الآية. قال: ليس قولُه: {يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ}: يَسْمَعون التوراةَ، كلُّهم قد سمِعها، ولكنَّهم الذين سألوا موسى رؤيةَ ربِّهم فأخَذَتْهم الصاعقةُ فيها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 148 (770) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبى محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس.¥.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: بلَغنى عن بعضِ أهلِ العلمِ أنهم قالوا لموسى: يا موسى، قد حِيلَ بيننا وبينَ رؤيةِ اللهِ عز وجل، فأَسْمِعْنا كلامَه حين يُكَلِّمُك. فطلَب ذلك موسى إلى ربِّه، فقال: نعم، فَمُرْهم فليتَطَهَّروا، ولْيُطَهِّروا ثيابَهم، ويَصُوموا. ففعَلوا، ثم خرَج بهم حتى أتَى الطُّورَ، فلما غَشِيهم الغَمامُ أمرَهم موسى عليه السلامُ فوقَعوا سجودًا، وكلَّمه ربُّه، فسمِعوا كلامَه يَأْمُرُهم ويَنْهاهم، حتى عَقَلوا ما سمِعوا، ثم انْصَرف بهم إلى بني إسرائيل، فلما جاءوهم حرَّف فريقٌ منهم ما أمَرهم به، وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل: إن اللهَ قد أمرَكم بكذا وكذا. قال ذلك الفريقُ الذي ذكَرهم اللهُ: إنما قال كذا وكذا. خلافًا لِما قال اللهُ عز وجل لهم، فهم الذين عَنَى اللهُ لرسولِه محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 148 (772) من طريق سلمة به، إلى قوله: ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل. وذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 164 عن ابن إسحاق به، مطولا.¥.
وأَوْلى التأويلين اللذين ذكرتُ بالآيةِ وأَشْبَهُهما بما دلَّ عليه ظاهرُ التلاوةِ، ما قاله الربيعُ بنُ أنسٍ، والذي حكاه ابنُ إسحاقَ عن بعضِ أهلِ العلمِ، مِن أن اللهَ تعالى ذِكْرُه إنما عَنَى بذلك مَن سمِع كلامَه مِن بني إسرائيل سماعَ موسى إياه منه، ثم حرَّف ذلك وبدَّل مِن بعدِ سماعِه وعلمِه به وفهمِه إياه. وذلك أن اللهَ جل ثناؤُه إنما أخْبَر أن التحريفَ كان مِن فريقٍ منهم كانوا يَسْمَعون كلامَ اللهِ عز وجل، اسْتِعْظامًا مِن اللهِ لِما كانوا يَأْتون مِن البهتانِ بعد توكيدِ الحجةِ عليهم والبرهانِ، وإيذانًا منه تعالى ذِكْرُه عبادَه المؤمنين، وقطَع أطماعَهم مِن إيمانِ بقايا نسلِهم بما أتاهم به محمدٌ مِن الحقِّ والنورِ والهُدَى، فقال لهم: كيف تَطْمَعون في تصديقِ هؤلاء اليهودِ إياكم، وإنما تُخْبِرونهم -بالذي تُخْبِرونهم مِن الأنْباءِ عن اللهِ عز وجل- عن غيبٍ لم يُشاهِدوه ولم يُعاينِوه، وقد كان بعضُهم يَسْمَعُ مِن اللهِ كلامَه وأمْرَه ونهيَه، ثم يُبَدِّلُه ويُحَرِّفُه ويَجْحَدُه، فهؤلاء الذين بينَ أَظْهُرِكم مِن بقايا نسلِهم أحْرَى أن يَجْحَدوا ما أَتَيْتُموهم به مِن الحقِّ وهم لا يَسْمَعونه مِن اللهِ، وإنما يَسْمَعو
نه منكم -وأقربُ إلى أن يُحَرِّفوا ما في كُتُبِهم مِن صفةِ نبيِّكم محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ونعتِه، ويُبَدِّلوه وهم به عالمون، فيَجْحَدوه ويُكَذِّبوا- مِن أوائلِهم الذين باشَروا كلامَ اللهِ مِن اللهِ جل ثناؤُه ثم حرَّفوه مِن بعدِ ما عقَلوه وعلِموه، مُتَعمِّدين التحريفَ.
ولو كان تأويلُ الآيةِ على ما قاله الذين زعَموا أنه عَنَى بقولِه: {يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ}: يَسْمَعون التوراةَ. لم يَكُنْ لِذِكْرِ قولِه: {يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ}. مَعْنًى مَفْهومٌ؛ لأن ذلك قد سمِعه المُحرِّفُ منهم وغيرُ المُحرِّفِ، فخصوصُ المحرِّفِ منهم بأنه كان يَسْمَعُ كلامَ اللهِ -إن كان التأويلُ على ما قاله الذين ذكَرنا قولَهم دونَ غيرِهم ممن كان يَسْمَعُ ذلك سماعَهم- لا مَعْنَى له.
فإن ظنَّ ظانٌّ إنما صَلَح أن يُقالَ ذلك لقولِه: {يُحَرِّفُونَهُ}. فقد أغْفَل وجهَ الصوابِ في ذلك، وذلك أن ذلك لو كان كذلك لقِيلَ: أفتَطْمَعون أن يُؤْمِنوا لكم وقد كان فريقٌ منهم يُحَرِّفون كلامَ اللهِ مِن بعدِ ما عقَلوه وهم يَعْلَمون. ولكنه جل ثناؤُه أخْبَر عن خاصٍّ من اليهودِ كانوا أُعْطوا، مِن مُباشَرَتِهم سَماعَ كلامِ اللهِ تعالى، ما لم يُعْطَه أحدٌ غيرُ الأنبياءِ والرُّسُلِ، ثم بدَّلوا وحرَّفوا ما سمِعوا مِن ذلك، فلذلك وصَفهم بما وصَفهم به للخصوصِ الذي كان خَصَّ به هؤلاء الفريقَ الذي ذكَرهم في كتابِه تعالى ذِكْرُه.
ويعنى بقولِه: {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ}: ثم يُبَدِّلون مَعْناه وتأويلَه ويُغَيرونه. وأصلُه مِن انحرافِ الشيء عن جهتِه، وهو ميلُه عنها إلى غيرِها، فكذلك قولُه: {يُحَرِّفُونَهُ}. أي: يُمِيلونه عن وجهِه ومَعْناه الذي هو مَعْناه إلى غيرِه. فأخْبَر اللهُ جل ثناؤُه أنهم فعَلوا ما فعَلوا مِن ذلك على علمٍ منهم بتأويلِ ما حرَّفوا، وأنه بخلافِ ما حرَّفوه إليه، فقال: {يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ}. يعنى: مِن بعدِ ما عقَلوا تأويلَه {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. أي: يَعْلَمون أنهم في تحرِيفِهم ما حرَّفوا مِن ذلك مُبْطِلون كاذِبون. وذلك إخْبارٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عن إقدامِهم على البُهتِ، ومُناصَبتِهم العداوةَ له ولرسولِه موسى -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأن بقاياهم -مِن مُناصَبتِهم العداوةَ للهِ ولرسولِه محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بغيًا وحسدًا- على مثلِ الذي كان عليه أوائلُهم مِن ذلك في عصرِ موسى عليه الصلاةُ والسلامُ.

Tafsir in other languages · 6