Tafsir for this Ayah

Surah 2 : Ayah 76

Surah 2 : Ayah 76

وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوٓا۟ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

And when they meet the believers they say, “We believe.” But when they[36] meet one another in private they say, “Are you telling them what Allah has revealed to you [about Mohammad], so that they may argue against you before your Lord? Have you no sense?”

No Tafsir is available in the selected language for this Ayah. Showing an available text.

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا}
أما قولُه: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا}. فإنه خبرٌ مِن اللهِ جل ذِكْرُه عن الذين أيْأَس أصحابَ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِن إيمانهم -مِن يهودِ بني إسرائيل الذين كان فريقٌ منهم يَسْمَعون كلامَ اللهِ ثم يُحرِّفونه مِن بعدِ ما عَقَلوه وهم يَعْلَمون- وهم الذين إذا لقُوا الذين آمنوا باللهِ ورسولِه محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قالوا: آمنّا. يَعْني بذلك أنهم إذا لقُوا الذين صَدَّقوا باللهِ وبمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رسولِه ¬سقط من: م.¥، وبما جاء به مِن عندِ اللهِ قالوا: آمنا. أي: صدَّقنا بمحمدٍ وبما صَدَّقتُم به، وأقْرَرنا بذلك. أَخْبر اللهُ عز وجل عنهم أنهم تَخَلقوا بأخلاق المنافقين وسلَكوا مِنهاجَهم.
كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبى، قال: حدَّثني عَمِّى، قال: حدَّثني أبى، عن أبيه، عن جدِّه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ}: وذلك أن نفرًا مِن اليهودِ كانوا إذا لَقُوا محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قالوا: آمنا. وإذا خلا بعضُهم إلى بعضٍ قالوا: أتُحدِّثونهم بما فتَح اللهُ عليكم.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا}: يعنى المنافقين مِن اليهودِ كانوا إذا لَقُوا أصحابَ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قالوا: آمنا ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 165 عن الضحاك به.¥.
وقد رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ في تأويلِ ذلك قولٌ آخرُ، وهو ما حدَّثنا به ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفَضْلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ، عن عِكْرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا}. أي: بصاحبِكم ¬في ت 2، ت 3: "صاحبكم".¥ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ولكنه إليكم خاصةً ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 165 عن ابن إسحاق به.¥.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا} الآية. قال: هؤلاء ناسٌ مِن اليهودِ آمنوا ثم نافقوا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 149 (779) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ}.
يعنى بقولِه: {وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ}. أي: إذا خلا بعضُ هؤلاء اليهودِ الذين وصَف اللهُ صفتَهم - إلى بعضٍ منهم، فصاروا في خَلاءٍ مِن الناسِ غيرِهم، وذلك هو الموضعُ الذي ليس فيه غيرُهم، {قَالُوا} يعنى قال بعضُهم لبعضٍ: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ}.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ}؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: {وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ}. يعنى: بما أمَركم اللهُ به. فيقولُ الآخَرون: إنما نَسْتَهْزِئُ بهم ونَضْحَكُ.
وقال آخَرون بما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا}. أي: بصاحبِكم ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "صاحبكم".¥ رسولِ اللهِ، ولكنَّه إليكم خاصَّةً. وإذا خلا بعضُهم إلى بعضٍ قالوا: لا تُحَدِّثوا العربَ بهذا، فإنكم قد كنتُم تَسْتَفْتِحون به عليهم فكان منهم. فأنْزَل اللهُ: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ}. أي: تُقِرُّون بأنه نبىٌّ، وقد علِمْتُم أنه قد أُخِذ له الميثاقُ عليكم باتِّباعِه، وهو يُخْبِرُهم أنه النَّبيّ ¬بعده في النسخ: "-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-". ولا موضع لها هنا.¥ الذي كُنَّا نَنْتَظِرُ ونَجِدُه في كتابِنا، اجْحَدُوه ولا تُقِرُّوا لهم به. يقولُ اللهُ: {أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} ¬تقدم طرف منه في ص 145.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العالية في قولِه: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ}. أي: بما أنْزَل اللهُ عليكم في كتابِكم، مِن نَعْتِ ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "بعث".¥ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 150 (781) من طريق آدم به.¥.
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: {قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ}. أي: بما مَنَّ اللهُ عليكم في كتابِكم من نَعْتِ ¬في ت 3: "بعث".¥ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فإنكم إذا فَعَلْتُم ذلك احْتَجُّوا به عليكم، {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 81 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ} لِيَحْتَجُّوا به عليكم ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 50، بزيادة في أوله.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، قال: قال قتادةُ: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ}. يعنى: بما أَنْزَلَ اللهُ عليكم من أمرِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ونَعْتِه ¬في ت 2، ت 3: "بعثه".¥.
وقال آخَرون في ذلك بما حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيح، عن مُجاهدٍ: {بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ}. قال: قولُ يهودَ من قُرَيظةَ حين سَبَّهُم النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بأنهم إخوةُ القِردةِ والخنازيرِ، قالوا: مَن حَدَّثك؟ هذا حين أرسل إليهم عليًّا فآذَوْا محمدًا، فقال: يا إخوةَ القردةِ والخنازيرِ ¬تفسير مجاهد ص 207، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 150 (782)، وعزأه السيوطي في الدر المنثور 1/ 81 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مُجاهدٍ مثلَه، إلَّا أنه قال: هذا حينَ أَرْسَلَ إليهم علىَّ بنَ أبى طالبٍ، رضِى اللهُ عنه، وآذَوُا النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال: "اخْسَئُوا يا إخْوَةَ القِرَدَةِ والخنَازِيرِ".
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثني الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: أخبرني القاسمُ بنُ أبى بَزَّةَ، عن مُجاهدٍ في قولِه: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ}. قال: قام النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يومَ قُرَيْظَةَ تحتَ حُصونِهم، فقال: "يا إخْوانَ القِردَةِ، ويا إخْوانَ الخنَازيرِ، ويا عَبَدَةَ الطّاغُوتِ". فقالوا: مَن أخبر هذا محمدًا؟ ما خرَج هذا إلَّا منكم، {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ}: بما حَكَمَ اللهُ للفتحِ ليكون لهم حُجَّةً عليكم. قال ابنُ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ: هذا حينَ أرسلَ إليهم عليًّا فآذَوْا محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 166 عن ابن جريج به.¥.
وقال آخَرون بما حدَّثني موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السديِّ: {قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ} -من العذابِ- {لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ}: هؤلاء ناسٌ من اليهودِ آمنوا ثم نافَقُوا، فكانوا يُحَدِّثُون المؤمنينَ من العربِ بما عُذِّبُوا به، فقال بعضُهم لبعضٍ: أَتُحدِّثونهم بما فتَح اللهُ عليكم مِن العذابِ ليقولوا نحن أحبُّ إلى اللهِ منكم، وأكرمُ على اللهِ منكم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 150 (783) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد به.¥.
وقال آخرون بما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ}. قال: كانوا إذا سُئِلُوا عن الشيء قالوا: أَمَا تَعْلَمُونَ في التوراةِ كذا وكذا؟ قالوا: بَلَى. قال: وهم يهودُ. فيقولُ لهم رُؤَساؤُهم الذين يرجِعون إليهم: ما لَكم تُخْبِرُونهم بالذي أَنزل اللهُ عليكم فيُحاجُّوكم به عندَ ربِّكم، أَفَلا تعقِلون؟ قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لا يَدْخُلَنَّ علينا قصَبَةَ المَدِينَةِ إلَّا مُؤْمِنٌ". فقال رُؤَساؤُهم مِن أهلِ الكفرِ والنفاقِ: اذْهَبُوا فقولوا: آمنَّا. واكْفُرُوا إذا رَجَعْتُم. قال: فكانوا يأتون المدينةَ بالبُكَرِ ويَرجِعون إليهم بعدَ العصرِ. وقرأ قولَ اللهِ: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72]. وكانوا يقولون إذا دخَلوا المدينةَ: نحنُ مسلمون. ليعلموا خَبَرَ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ- وأَمْرَه، وإذا رجَعوا رجَعوا إلى الكفرِ. فلمَّا أَخْبَرَ اللهُ نبيَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بهم، قطَع ذلك عنهم فلم يكونوا يَدْخُلُون، وكان المؤمنون الذين مع رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَظُنُّون أنهم مؤمنونَ، فيقولون لهم: أليس قد قال اللهُ لكم كذا وكذا؟ فيقولون: بلى. فإذا رجَعوا إلى قومِهم قالوا: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ} الآية ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 165، 166.¥.
وأصلُ الفتحِ في كلامِ العربِ النصرُ والقضاءُ والحُكْمُ، يقالُ منه: اللهمَّ افتحْ بينى وبينَ فلانٍ: أي احْكُمْ بينى وبينَه. ومنه قولُ الشاعرِ ¬نسب هذا البيت -على اختلاف في روايته- إلى الأسعر الجعفى، ومحمد بن حمران، والأعشى، وهو في جمهرة اللغة 2/ 4، وأمالي القالي 2/ 281.¥:
أَلَا أبْلِغْ بنى عُصْمٍ رَسُولًا ... بأنِّى عن فُتاحَتِكُمْ غنِيُّ
قال: ويُقال للقاضى: الفتَّاح. ومنه قولُ اللهِ عز وجل: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89]. أي: احْكُمْ بينَنا وبينَهم.
فإذا كان معنى الفتحِ ما وَصَفْنا، تَبَيَّنَ أن معنى قولِه: {قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ}. إنما هو: أَتُحدِّثونَهم بما حكَم اللهُ به عليكم وقَضَاه فيكم. ومِن حُكْمِه جلَّ ثناؤُه عليهم ما أخَذ به ميثاقَهم من الإيمانِ بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبما جاء به في التوراةِ، ومن قضائِه فيهم أنْ جعل منهم القردةَ والخنازيرَ. وغيرُ ذلك من أحكامِه وقضائِه فيهم، وكلُّ ذلك كان لرسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وللمؤمنين به حُجَّةً على المكذِّبينَ به ¬سقط من: م.¥ من اليهودِ المُقِرِّينَ بحُكْمِ التوراةِ وغيرِ ذلك.
فإن كان كذلك، فالذي هو أَوْلَى عندي بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: أتُحدِّثونهم بما فتَح اللهُ عليكم مِن بَعْثِ ¬في ت 1، ت 3: "نعت".¥ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى خَلْقِه؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤه إنما قَصَّ في أولِ هذه الآيةِ الخبرَ عن قولِهم لرسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولأصحابِه: آمنَّا بما جاء به محمدٌ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. فالذي هو أَوْلَى بآخِرِها أن يكونَ نظيرَ الخبرِ عمَّا ابْتُدِئَ به أوَّلُها.
وإذا كان ذلك كذلك، فالواجبُ أن يكونَ تلاوُمُهم كان فيما يينَهم فيما كانوا أظهَروه لرسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولأصحابِه من قولِهم لهم: آمنَّا بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبما جاء به. وكان قِيلُهم ذلك مِن أجْلِ أنهم كانوا (1) يجِدون ذلك في كُتُبِهم، وكانوا يُخْبِرون أصحابَ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بذلك، فكان تلاوُمُهم فيما بينهم إذا خَلَوْا على ما كانوا يُخْبِرونَهم بما هو حُجَّةٌ للمسلمينَ عليهم عندَ ربِّهم، وذلك أنهم كانوا يُخبرونهم عن وجودِ نَعْتِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في كُتبِهم ويَكفرون به، وكان فتحُ اللهِ الذي فَتَحه للمسلمين على اليهودِ، وحُكمُه عليهم لهم في كتابِهم، أن يُؤمنوا بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إذا بُعِث، فلما بُعث كفَروا به مع عِلْمِهم بنُبُوّتِه.
وقولُه: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ}. خبرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه عن اليهودِ اللائمينَ إخوانَهم على ما أخبَروا أصحابَ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بما فتَح اللهُ لهم عليهم، أنهم قالوا لهم: أفلا تَفْقَهون أيُّها القومُ وتَعْقِلُون أن إخبارَكم أصحابَ محمدٍ ¬في م: "النَّبيّ".¥ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بما في كُتُبِكم أنه نبىٌّ مبعوثٌ، حجةٌ لهم عليكم عندَ ربِّكم يحتجُّون بها عليكم؟! أي: فلا تفعلوا ذلك، ولا تقولوا لهم مثلَ ما قلتُم، ولا تُخبروهم بمثلِ ما أخبرتُموهم به من ذلك. فقال جلَّ ثناؤُه: {أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}.

Tafsir in other languages · 6