تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ}.
اختلفت القَرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه بعضُهم: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} مخفَّفةَ اللام ساكنةً، وهي قراءةُ عامَّةِ قرأةِ الأمصارِ في جميعِ الأقطارِ ¬قرأ ذلك نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص 164.¥. وقرأه بعضُهم: (وقالوا قلوبُنا غُلُفٌ). مثقَّلةَ ¬يريد بالتثقيل هنا التحريك لا التشديد.¥ اللامِ مضمومةً ¬وبذلك قرأ أبو عمرو. المصدر السابق.¥.
فأمَّا الذين قرءوها بسكون اللامِ وتخفيفِها، فإنهم تأوَّلوها أنهم قالوا: قلوبُنا في أكِنَّةٍ وأغطيةٍ وغُلْفٍ، فالغُلْفُ -على قراءةِ هؤلاء- جمعُ أغلَفَ، وهو الذي في غِلافٍ وغطاءٍ، كما يقالُ للرجلِ الذي لَمْ يَخْتَتِنْ: أغلَفُ. وللمرأةِ: غَلْفاءُ. وكما يقالُ للسيفِ إذا كان في غلافِه: سيفٌ أغلَفُ، وقوسٌ غَلْفاءُ. وجمعُها غُلْفٌ، وكذلك جمعُ ما كان من النعوتِ ذَكَرُه على "أفعَلَ" وأنثاه على "فَعْلاءَ"، يُجْمَعُ على "فُعْل" مضمومةَ الأولِ ساكنةَ الثاني، مثلَ أحمرَ [وحُمْرٍ، وصَفْراءَ] ¬في م، ت 1، ت 2: "وحمر وأصفر وصفر".¥ وصُفْرٍ، فيكونُ ذلك جماعًا للتأنيثِ والتذكيرِ، ولا يجوزُ تثقيلُ عينِ "فُعْلٍ" منه إلَّا في ضرورةِ شعرٍ، كما قال طَرَفَةُ بنُ العبدِ ¬ديوان طرفة بشرح الأعلم ص 69.¥:
أَيُّها الفِتْيانُ في مَجْلِسِنا ... جَرِّدُوا مِنْها ¬منها: أي الخيل. وجردوا الخيل، يعنى: ألقوا عنها جلالها وأسرجوها استعدادًا للقتال واللقاء. المصدر السابق.¥ وِرَادًا ¬وراد: جمع وَرْد، وهو من الخيل ما كان بين الكميت - الأسمر - والأشقر - الأحمر - التاج (ورد، ش ق ر).¥ وشُقُرْ
يُرِيدُ: شُقْرًا. [إلّا أنَّ الروِىَّ] ¬في م: "لأن الشعر".¥ اضْطَرَّه إلى تحريكِ ثانيه فحرَّكه.
ومنه الخبرُ الذي حَدَّثَنَا به ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ بَشِيرِ بنِ سلمانَ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلائيُّ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ الجَمَليِّ، عن أبي البَخْتَرِيِّ، عن حُذَيْفَةَ، قال: القلوبُ أربعةٌ. ثم ذكَرها، فقال فيما ذكَر: وقلبٌ أغلَفُ مَعْصُوبٌ ¬في الأصل، ت 1: "مغضوب".¥ عليه، فذاك قلبُ الكافرِ ¬أخرجه ابن أبي شيبة 11/ 36، 15/ 108، وأبو نعيم في الحلية 1/ 276 من طريق الأعمش، عن عمرو ابن مرّة به، وأبو البخترى -سعيد بن فيروز- لَمْ يدرك حذيفة.
ورواه شيبان بن عبد الرَّحمن، عن ليث بن أبى سليم -وهو ضعيف- عن عمرو بن مرّة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا. أخرجه أحمد 17/ 208 (11129)، والطبراني في الصغير 2/ 110، وأبو نعيم في الحلية 4/ 385، وأبو البخترى لَمْ يدرك أبا سعيد الخدري. وقال أبو نعيم: غريب من حديث عمرو وتفرد به شيبان، عن ليث.¥.
ذكْرُ مَن تأَوَّل ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "قال".¥ ذلك بمعنى ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "يعنى".¥ أنَّها في أغطيةٍ
حَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حَدَّثَنِي ابنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أي: في أكِنَّةٍ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 176.¥.
وحَدَّثَنِي المُثَنَّي، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ بنُ صالحٍ، عن [عليِّ بنِ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أي: في غطاءٍ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 170 (895)، 4/ 1108 (6221) عن أبيه عن أبى صالح به.¥.
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ}: فهى القلوبُ المطبوعُ عليها (3).
وحَدَّثَنِي عباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: أخبرني عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ}: عليها غِشاوةٌ ¬عزاه السيوطي في الدر 1/ 87 إلى المصنّف.¥.
وحَدَّثَنِي المُثَنَّى قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، قال: حَدَّثَنِي عبدُ اللهِ ابنُ ¬بعده في الأصل، ت 1، ت 2، ت 3: "أبي".¥ كَثِيرٍ، عن مجاهدٍ: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ}: عليها غشاوةٌ.
وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن الأعمشِ قولَه: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} قال: هي في غُلْفٍ.
وحَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أي: لا تَفْقَهُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 170، 4/ 1108 عقب الأثر (897، 6223) من طريق سعيد عن قتادة به.¥.
وحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ}. قال: هو كقولِه: {قُلُوبُنَا فِي أَكنَّةٍ} ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 51.¥ [فصلت: 5].
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ}. قال: عليها طابَعٌ. قال: هو كقولِه: {قُلُوبُنَا فِي أَكنَّةٍ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 170 (897) من طريق آدم به.¥.
وحَدَّثَنِي المُثَنَّي، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العالية: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أي: لا تَفْقَهُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 170 عقب الأثر (895) عن أبي زرعة عن عمرو به.¥.
وحَدَّثَنِي موسي، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} قال: يقولون: عليها غِلافٌ، وهو الغِطاءُ ¬¥.
وحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ}. قال: يقولُ: قلبى في غِلافٍ، فلا يَخْلُصُ إليه ما ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "مما".¥ تقولُ. وقرأ: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 177.¥.
وأمَّا الذين قرَءوها: (غُلُفٌ). بتحريكِ اللامِ وضَمِّها، فإنهم تأوَّلوها أنهم قالوا: قلوبُنا غُلُفٌ للعلمِ. بمعنى أنَّها أوعيةٌ لها ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "قال".¥. والغُلُفُ -على قراءةِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "تأويل".¥ هؤلاء- جمعُ غِلافٍ، كما يُجْمَعُ الكِتابُ كُتُبًا، والحِجَابُ حُجُبًا، والشِّهَابُ شُهُبًا.
فمعنى الكلامِ على تأويلِ مَن قرأه: (غُلُفٌ). بتحريكِ اللامِ وضَمِّها: وقالت اليهودُ: قلوبُنا غُلُفٌ للعلمِ، وأوعيةٌ له أَو ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "و".¥ لغيرِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بنُ أسباطَ بنِ محمدٍ القرشيُّ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، قال: ثنا أبي، عن فُضَيْلِ بنِ مرزوقٍ، عن عطيةَ: (وقالوا قُلُوبنا غُلُفٌ). قال: أوعيةٌ للذِّكرِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 170، 4/ 1108 (898، 6224) من طريق أسباط بن محمد به. وفيه: أوعية للمنكر.¥.
وحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديّ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ موسي، قال: أخبرَنا فُضَيْلٌ، عن عطيةَ في قولِه: (غُلُفٌ). قال: أوعيةٌ للعلْمِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 170، 4/ 1108 (894، 6220) من طريق فضيل به.¥.
وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيّ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا فُضَيْلُ [ابنُ مَرزوقٍ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، عن عطيةَ مثلَه.
وحُدِّثْتُ عن المِنْجَابِ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: (وقالوا قلوبُنا غُلُفٌ). قال: مملوءةٌ عِلمًا لا يُحتاجُ إلى عِلْمِ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ محمدٍ ولا غيرِه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 170، 4/ 1108 (893، 6219) عن أبي زرعة عن منجاب به.¥.
والقراءةُ التي لا يجوزُ غيرُها في قولِه: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} هي قراءةُ مَن قرَأها: {غُلْفٌ}. بتسكينِ اللامِ، بمعنى أنَّها في أغشيةٍ وأغطيةٍ؛ لاجتماعِ الحُجَّةِ مِن القَرَأَةِ وأهلِ التأويلِ على صِحَّتِها، وشذوذِ مَن شَذَّ عنهم بما خالفه مِن قراءةِ ذلك بضمِّ اللامِ. وقد دَلَّلْنا على أنَّ ما جاءت به الحُجَّةُ مُتَّفقةً عليه، حُجَّةٌ على مَن بلَغه، وما جاء به المُنْفَرِدُ فغيرُ جائزٍ الاعتراضُ به على ما جاءت به الجماعةُ التي تقومُ بها الحُجَّةُ نقلًا، [قولًا أو عملًا] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "وقولا وعملا".¥، في غيرِ هذا الموضعِ، فأغنى ذلك عن إعادتِه في هذا المكانِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ}.
يعنى جل ثناؤه بقولِه: {{بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ}: بل أقصاهم اللهُ وأبعَدهم وطرَدهم وأخزَاهم وأهلَكهم بكفرِهم، وهو ¬سقط من: م.¥ جُحودُهم آياتِ اللهِ وبيِّناتِه وما ابْتَعث به رسلَه، وتكذيبُهم أنبياءَه، فأخبَر اللهُ تعالى ذكرُه أنه أبعَدَهم منه ومِن رحمتِه بما كانوا يفْعَلون مِن ذلك.
وأصلُ "اللَّعْنِ" الطردُ والإبعادُ والإقصاءُ، يقال منه: لعَن فُلانٌ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "الله".¥ فلانًا يَلْعَنُه لَعْنًا، وهو ملعونٌ. ثم يُصَرَّفُ "مفْعولٌ" [منه إلى "فَعِيلٍ"] ¬سقط من: م، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "منه".¥، فيقال: هو لَعِينٌ. ومنه قولُ الشَّمَّاخ ¬ديوانه ص 321.¥:
ذَعَرْتُ بهِ القَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ ... مَقَامَ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "مكان".¥ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللَّعِينِ
وفي قولِ اللهِ جلَّ ثناؤه: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ}. تكذيبٌ منه للقائلينَ من اليهودِ: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ}. لأنَّ قولَه: {بَلْ}. دلالةٌ على جَحْدِه جل ذكرُه، وإنكارِه ما ادَّعَوْا مِن ذلك، إذ كانت "بل" لا تدخُلُ في الكلامِ إلَّا نَقْضًا لمجحودٍ.
فإذ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فإذا".¥ كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ أن معنى الآيةِ: وقالت اليهودُ: قلوبُنا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تدعونا إليه يا محمدُ. فقال اللهُ تعالى ذكرُه: ما ذلك كما زعَموا، ولكنّ اللهَ أقصَى اليهودَ وأبعَدَهم من رحمتِه، وطرَدهم عنها وأخزاهم، بجحودِهم [به وبرسلِه] ¬في م: "له ولرسله".¥ فقليلًا ما يؤمنون.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88)}.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه {فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ}؛ فقال بعضُهم: معناه: فقليلٌ منهم مَن يُؤْمِنُ. أي: لا يُؤْمِن منهم إلَّا قليلٌ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ}: وَلَعَمْرِى، لمَن رجَع مِن أهلِ الشركِ أكثرُ مِمَّن رجَع مِن أهل الكتابِ، إنما آمن مِن أهلِ الكتابِ رهطٌ يسيرٌ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: {فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} قال: لا يُؤْمِنُ منهم إلَّا قليلٌ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 51. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 171، 4/ 1109 (900، 6229) عن الحسن بن يحيى به.¥.
وقال آخَرون: بل معنى ذلك: فلا يؤمنون إلَّا بقليلٍ مِمَّا في أيديهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: {فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} قال: لا يُؤْمِنُ منهم إلَّا قليلٌ. قال معمرٌ: وقال غيرُه: لا يؤمِنون إلَّا بقليلٍ ممَّا في أيديهم.
وأَوْلَى التأويلاتِ في قولِه: {فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} بالصوابِ ما نحن مُبَيِّنُوهُ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "متقنوه".¥ إن شاء اللهُ، وهو أن اللهَ جل ثناؤه أخبَر أنه لعَن الذين وصَف صفتَهم في هذه الآية، ثم أخبَر عنهم أنهم قليلو الإيمانِ بما أنزَل الله إلى نبيِّه محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ولذلك نصَب قولَه: {فَقَلِيلًا} لأنه نعتٌ للمصدرِ المتروكِ ذكرُه، ومعناه: بل لعَنهم اللهُ بكفرِهم، فإيمانًا قليلًا ما يؤمنون. فقد تبيَّن إذن -بما بيَّنَّا- فسادُ القولِ الذي رُوِى عن قتادةَ في ذلك؛ لأن معنى ذلك لو كان على ما رُوِي عنه مِن أنه يعنى به: فلا يُؤْمِنُ منهم إلَّا قليلٌ، أو فقليلٌ منهم مَن يُؤْمِنُ. لكان "القليلُ" مرفوعًا لا منصوبًا، لأنه إذا كان ذلك تأويلَه كان "القليلُ" حينئذٍ مُرَافِعًا "ما"، وإن نُصِب "القليلُ" -و"ما" في معنى "مَن" أو "الذى"- بقِيت "ما" لا مُرَافِعَ لها، وذلك غيرُ جائزٍ في لغةِ أحدٍ مِن العربِ.
فأمَّا أهلُ العربيةِ فإنهم اخْتَلَفُوا في معنى {مَا} التي في قولِه: {فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ}؛ فقال بعضُهم: هي زائدةٌ لا معنى لها، وإنما تأويلُ الكلامِ: فقليلًا يؤمنون. كما قال جل ثناؤُه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159] وما أشبهَ ذلك. فزعَم أن "ما" في ذلك زائدةٌ، وأن معنى الكلامِ: فبرحمةٍ مِن اللهِ لِنْتَ لهم. وأنشَد مُحْتَجًّا لقولِه ذلك بيتَ مُهَلْهِلٍ ¬شرح المفصل 1/ 46، والكامل 3/ 91.¥:
لَوْ بِأَبَانَيْنِ ¬أبانٌ جَبَلٌ، وهما أبانان: أبان الأسود وأبان الأبيض. قاله المبرد.¥ [جَاءَ يَخْطُبُهَا] ¬في الأصل، ت 1: "جئت تخطبها".¥ .... خُضِّبَ ¬في المفصل: "رُمِّل"، وفي الكامل: "ضرج". وكل ذلك بمعنى.¥ مَا أَنْفُ خَاطِبٍ بِدَمِ
وزعَم أنه يعنى: خُضِّب أنفُ خاطبٍ بدمٍ. وأن "ما" زائدةٌ.
وأنكَر آخَرون ما قاله قائلُ هذا القولِ في "ما" في الآيةِ، وفي البيتِ الذي أنشَده، وقالوا: إنما ذلك مِن المتكلِّم على ابتداءِ الكلامِ بالخبرِ عن عمومِ جميعِ الأشياءِ؛ إذ كانت "ما" كلمةً تَجْمَعُ كلَّ الأشياءِ، ثم تَخُصُّ [بعضَ ما عمَّته "ما" بما يُذْكَرُ] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "وتعمُّ ما عمَّته بما تذكره".¥ بعدَها.
وهذا القولُ عندَنا هو أولَى بالصَّوَابِ؛ لأن زيادةَ ما لا يُفِيدُ مِن الكلامِ معنًى في الكلامِ غيرُ جائزةٍ ¬في م: "جائز".¥ إضافتُه إلي اللهِ جل ثناؤه.
ولعل قائلًا أن يقولَ: هل كان للذينَ أخبَرَ اللهُ عنهم أنهم قليلًا ما يؤمنون، مِن الإيمانِ قليلٌ أو كثيرٌ، فيقالَ فيهم: {فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ}؟.
قيل: إن معنى الإيمانِ هو التصديقُ، وقد كانت اليهودُ التي أخبَرَ اللهُ عنها هذا الخبرَ تُصَدِّقُ بوَحْدَانِيَّةِ اللهِ وبالبعثِ والثوابِ والعقابِ، وتَكْفُرُ بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبنُبُوَّتِه، وكلُّ ذلك كان فرضًا عليهم الإيمانُ به؛ لأنه في كُتُبِهم وممَّا جاءهم به موسى، فصدَّقوا ببعضٍ، [وذلك هو] ¬في م: "هو ذلك".¥ القليلُ مِن إيمانِهم، وكذَّبوا ببعضٍ، وذلك هو الكثيرُ الذي أخبَرَ اللهُ عنهم أنهم يَكْفُرون به.
وقد قال بعضُهم: إنهم كانوا غيرَ مؤمنين بشيء، وإنما قيل: {فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ}. وهم بالجميعِ كافرون، كما تقولُ العربُ: قلَّما رأيتُ مثلَ هذا قطُّ. [تُريدُ: ما رأيتُ مثلَ هذا قَطُّ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥. ورُوِى عنها سماعًا منها: مرَرْتُ ببلدٍ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "ببلاد".¥ قلَّما يُنْبِتُ إلَّا الكُرَّاثَ والبصلَ. يعنى: ما يُنْبِتُ [شيئًا إلا] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "غير".¥ الكُرَّاثَ والبصلَ. وما أشبهَ ذلك مِن الكلامِ الذي يُنْطَقُ به بوصْفِ الشيء بالقلَّةِ، والمعنى فيه نفيُ جميعِه.