تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ}.
يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ}: ولمَّا جاء اليهودَ مِن بني إسرائيلَ الذين وصَف جلّ ثناؤُه صفتَهم {كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ} يعنى بـ "الكتابِ" القرآنَ الذي أنزَله على محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- {مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} يعنى: مصدِّقٌ للذي معَهم مِن الكتبِ التي أنزلها الله مِن قبلِ القرآنِ.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ}: وهو القرآنُ الذي أنْزَله على محمدٍ {مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} [أي: للتوراةِ] ¬في م: "من التوراة".¥ والإنجيلِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 171 (901) من طريق شيبان، عن قتادة.¥.
وحدِّثتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ}: وهو القرآنُ الذي أُنْزِل على محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مصدِّقٌ لما معَهم مِن التوراةِ والإنجيلِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 171 عقب الأثر (901، 902) من طريق ابن أبى جعفر به.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ}.
يعنى بقولِه جل ثناؤُه: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} أي: وكان هؤلاءِ اليهودُ -الذين لمَّا جاءهم كتابٌ مِن عندِ اللهِ مصدِّقٌ لما معهم من الكتبِ التي أنزلها اللهُ قبلَ الفُرقانِ، كفَروا به -يَسْتَفْتِحون بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-- ومعنى الاسْتِفْتاحِ: الاسْتِنْصارُ- ويَسْتَنْصِرون اللهَ به على مُشْرِكى العربِ مِن قبلِ مَبْعَثِه. [وذلك قولُه: {مِنْ قَبْلُ}] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ أي: مِن قبلِ أن يُبْعَثَ.
كما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، قال: حدَّثني ابنُ إسحاقَ، عن عاصمِ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ الأنصاريِّ، عن أشياخٍ منهم قالوا: فينا واللهِ وفيهم -يعنى: في الأنصارِ وفي اليهودِ الذين كانوا جيرانَهم- نزَلت هذه القصةُ -يعنى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} - قالوا: كُنَّا قد علَوْناهم دهرًا في الجاهليةِ، ونحن أهلُ شركٍ، وهم أهلُ كتابٍ، فكانوا يقولون: إن نبيًّا [يُبعَثُ الآنَ نتَّبِعُه] ¬في م: "الآن مبعثه".¥ قد أظلَّ ¬في الأصل: "أطل".¥ زمانُه، [نَقْتُلكم معه] ¬في م: "يقتلكم".¥ قتلَ عادٍ وإرمَ، فلمَّا بعَث اللهُ تعالى ذكرُه رسولَه مِن قريشٍ واتَّبَعْناه، كفَروا به، يقولُ اللهُ: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} ¬أخرجه ابن إسحاق في سيرته ص 63 (62)، ومن طريقه البيهقي في الدلائل 2/ 75، 433، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 87 إلى ابن المنذر. وينظر سيرة ابن هشام 1/ 541.¥.
وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، قال: حدَّثني ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى آلِ زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، أو سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن يهودَ كانوا يَسْتَفْتِحون على الأوسِ والخزرج برسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قبلَ مَبْعَثِه، فلمَّا بعَثه اللهُ من العربِ، كفَروا به، وجحَدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذُ بنُ جَبَلٍ، وبشرُ بنُ البَرَاءِ بنِ مَعْرُورٍ أخو بنى سلِمةَ: يا معشرَ يهودَ، اتَّقوا اللهَ وأَسْلِموا، فقد كنتم تَسْتَفْتِحون علينا بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ونحنُ أهلُ شركٍ، وتُخْبِروننا أنه مبعوثٌ، وتَصِفونه لنا بصفتِه. فقال سلَّامُ بنُ مِشْكَمٍ أخو بنى النَّضِيرِ: ما جاءنا بشيءٍ نَعْرِفُه، وما هو بالذي كُنَّا نَذْكُرُ لكم. فأنزَل اللهُ في ذلك مِن قولِهم: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 172 (905)، و
أبو نعيم في الدلائل (43) من طريق ابن إسحاق به.¥.
وحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ بُكَيْرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى آلِ ¬سقط من: الأصل.¥ زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ جُبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (1).
وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبى، قال: حدَّثني عمِّى، قال: حدَّثني أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} يقولُ: يَسْتَنْصِرون بخُرُوجِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على مشركى العربِ. يَعْني بذلك أهلَ الكتابِ، فلمَّا بعَث اللهُ محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ورَأَوْه مِن غيرِهم كفَروا به وحسَدُوه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 88 إلى المصنف.¥.
وحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن عليٍّ الأَزْدَىِّ في قولِ الله {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا}. قال: اليهودُ، كانوا يقولون: اللهمَّ ابعثْ لنا هذا النبيَّ يَحْكُمْ بينَنا وبينَ الناسِ. {يَسْتَفْتِحُونَ}: يَسْتَنْصِرون به على الناسِ ¬تفسير مجاهد (ص 209)، ومن طريقه البيهقي في الدلائل 2/ 76.¥.
وحدَّثني المُثَنَّى قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن عليٍّ الأَزْدِىِّ -وهو البارِقيُّ- في قولِ اللهِ: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ}. فذكَر مثلَه سواءً.
وحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا}: كانت اليهودُ تَسْتَفْتِحُ بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على كفَّارِ العربِ مِن قبلُ، وقالوا: اللهمَّ ابعثْ هذا النبيَّ الذي نَجِدُه مكتوبًا في التوراةِ يُعَذِّبْهم ويَقْتُلْهم. فلمَّا بعَث اللهُ نبيَّه محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فرأَوْا أنه بُعِث مِن غيرِهم، كفَروا به، حَسَدًا للعربِ، وهم يعلَمون أنه رسولٌ، يَجِدُونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 88 إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى نعيم.¥.
[وحدّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} قال: كانوا يقولون: إنه سيأتي نبيٌّ. فلما جاءهم ما عرَفوا كفَروا بهِ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.
والأثر في تفسير عبد الرزاق 1/ 52، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 171 (904) عن الحسن بن يحيى به.¥.
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العالية، قال: كانت اليهودُ تَسْتَنْصِرُ بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على مُشْرِكى العربِ، يقولون: اللهمَّ ابعثْ هذا النبيَّ الذي نَجِدُه مكتوبًا عندَنا حتى يُعَذِّبَ المشركين ويَقْتُلَهم، فلمَّا بعَث اللهُ محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ورَأَوْا أنه مِن غيرِهم كفَروا به، حسدًا للعربِ، وهم يعلمون أنه رسولُ اللهِ، فقال اللهُ: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 172 (906) من طريق آدم به.¥.
وحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمْرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} قال: كانتِ العربُ تَمُرُّ باليهودِ فيُؤْذُونهم، وكانوا يَجِدون محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في التوراةِ، فيَسألون ¬في م: "ويسألون".¥ اللهَ أن يبعثَه فيُقاتِلوا معه العربَ، فلما جاءَهم محمدٌ كفَروا به حين لم يكنْ مِن بني إسرائيل ¬أخرجه البيهقي في الدلائل 2/ 536 من طريق عمرو، عن أسباط، عن السديِّ، بإسناده المعروف.¥.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: قولُه: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا}؟ قال: كانوا يَسْتَفْتِحون على كفارِ العربِ بخروجِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ويَرْجُون أن يكونَ منهم، فلما خرَج ورأَوْه ليس منهم كفَروا، وقد عَرَفوا أنه الحقُّ وأنه نبىُّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال اللهُ: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ}.
[قال ابنُ جريجٍ: وقال مجاهدٌ] ¬في م، ت 2، ت 3: "قال حدثنا ابن جريج وقال مجاهد"، وفي ت 1: "قال حدثنا ابن جريج قال حدثنا مجاهد".¥: يَسْتَفتِحون بمحمدٍ، تقولُ: إنه يخرجُ. {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا} وكان من غيرِهم {كَفَرُوا بِهِ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسير 1/ 172 (907) من طريق حجاج عن ابن جريج، عن مجاهد نحوه.¥.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: وقال ابنُ عباسٍ: كانوا يَسْتَفْتِحون على كفارِ العربِ.
وحدَّثني المثنى، قال: حدَّثني الحِمّانيُّ ¬في الأصل: "الجمانى".¥، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن أبي الجَحَّافِ ¬في النسخ: "الحجاف" وهو داود بن أبى عوف، أبو الجحاف الكوفى. ترجمته في تهذيب الكمال 8/ 434.¥، عن مُسلمٍ البَطِينِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قولَه: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} قال: هم اليهودُ، عَرَفوا محمدًا أنه نبىٌّ وكفَروا به ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 88 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
وحُدِّثت عن المنجابِ، قال: حدثنا بشرٌ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} قال: كانوا يَسْتَظْهِرون، يقولون: نحن نُعِينُ محمدًا عليهم ¬في الأصل: "عليكم".¥. وليسوا كذلك، يَكْذِبون ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 171 (903) عن أبى زرعة، عن منجاب به.¥.
وحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: سألتُ ابنَ زيدٍ عن قولِه: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ}. قال: كانت يهودُ يَسْتَفْتِحون على كفارِ العربِ، يقولون: أما واللهِ لو قد جاء النبيُّ الذي بَشَّر به موسى وعيسى؛ أحمدُ، لكَان لنا عليكم. وكانوا يَظُنون أنه منهم، [وكانوا بالمدينةِ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ والعربُ حولَهم، وكانوا يَسْتَفتِحون عليهم به ويَسْتَنْصِرون به، فلما [كان مِن غيرِهم أَبَوْا أن يُؤمِنوا] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "جاءهم ما عرفوا كفروا".¥ به وحَسَدوه. وقرأ قولَ
اللهِ: {كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109] قال: قد تَبَيَّنَ لهم أنه رسولُ اللهِ، فمِن هنالك نَفَع اللهُ الأوسَ والخزرجَ بما كانوا يَسْمَعون منهم أن نبيًّا خارجٌ.
فإن قال لنا قائلٌ: فأين جوابُ قولِه: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ}؟ قيل: قد اختلف أهلُ العربيةِ في جوابِه؛ فقال بعضُهم: هو مما تُرِك جوابُه استغناءً بمعرفةِ المخاطَبين به بمعناه وبما قد ذُكِر من أمثالِه في سائرِ القرآنِ، وقد تفعَلُ العربُ ذلك إذا طال الكلامُ، فتأتى بأشياءَ لها أجوبةٌ فتَحْذِفُ أجوبتَها لاستغناءِ سامعيها بمعرفتِهم بمعناها عن ذكرِ الأجوبةِ، كما قال جل ثناؤُه: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} [الرعد: 31]. فترَك جوابَه. والمعنى: ولو أن قرآنًا سوى هذا القرآنِ سُيِّرَتْ به الجبالُ لَسُيِّرَتْ بهذا القرآنِ. [فترَك قولَه: لسُيِّرَتْ بهذا القرآنِ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥. استغناءً بعلمِ السامعين بمعناه. قالوا: فكذلك قولُه: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ}.
وقال آخرون: جوابُ قولِه: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ}. في "الفاءِ" التي في قولِه: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ}. وجوابُ الجزاءَيْن في {كَفَرُوا بِهِ}. كقولِك: لما قُمْتَ فلما جِئْتَنا أحسَنْتَ. بمعنى: لما جِئْتَنا إذ قُمْتَ أحسنْتَ.
القولُ في تأويلِ قوله: {فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)}.
قد دلَّلْنا على معنى "اللعنةِ" وعلى معني "الكفرِ" فيما مضَى بما فيه الكفايةُ ¬ينظر معنى "اللعنة" في ص 231، وتقدم معنى الكفر في 1/ 262.¥.
فمعنى الآيةِ: فخِزْىُ اللهِ وإبعادُه على الجاحدِين ما قد عَرَفوا من الحقِّ عليهم للهِ ولأنبيائِه، المنكِرين ما قد ثَبَت عندهم صحَّتُه من نبوةِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وفي إخبارِ اللهِ عز وجل عن اليهودِ بما أخبَر عنهم بقولِه: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ}: البيانُ الواضحُ أنهم تَعَمَّدوا الكفرَ بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد قيامِ الحجةِ بنبوتِه عليهم وقَطْعِ اللهِ عُذْرَهم بأنه رسولُه إليهم.