Tafsir for this Ayah

Surah 2 : Ayah 90

Surah 2 : Ayah 90

بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ

How miserable is the price for which they sold their souls – disbelieving in Allah’s revelation out of jealous hatred that Allah would send down His grace to whom He wills of His slaves! Thus they have incurred wrath upon wrath[41], and for the disbelievers, there will be a disgracing punishment.

No Tafsir is available in the selected language for this Ayah. Showing an available text.

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ بَغْيًا}.
ومعنى قولِه جل ثناؤه: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ}: ساء ما اشْتَرَوْا به أنفسَهم.
وأصلُ "بِئْس" "بَئِسَ" من البُؤْسِ، سُكِّنَتْ همزتُها ثم نُقِلت حركتُها إلى الباءِ، كما قيل في: ظَلِلْتُ: ظِلْتُ. وكما قيل للكَبِدِ: كِبْدٌ. فنُقِلَتْ حركةُ الباءِ إلى الكافِ لما سُكِّنتِ الباءُ. وقد يَحْتَمِلُ أن تكونَ "بِئْسَ" -وإن كان أصلُها "بَئِسَ"- من لغةِ الذين ينقُلُون حركةَ العينِ من "فَعِل" إلى الفاءِ، إذا كانت عينُ الفعلِ أحدَ حروفِ الحلقِ الستةِ، كما قالوا من: لَعِبَ، لِعْبَ. ومن: سَئم، سِئْمَ. وذلك فيما يقالُ لغةٌ فاشِيَةٌ في تميمٍ، ثم جُعِلَتْ دَلالةً ¬في م: "دالة".¥ على الذمِّ والتوبيخِ ووُصِلَتْ بـ "ما".
ثم اختلَف أهلُ العربيةِ في معنى "ما" التي مع {بِئْسَمَا}؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: هي وحدَها - اسمٌ، و {أَنْ يَكْفُرُوا} تفسيرٌ له، نحوَ: نِعْمَ رجلًا زيدٌ. و {أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ} بدلٌ مِن {أَنْزَلَ اللهُ}.
وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: معنى ذلك: بئس الشيء اشتَرَوْا به أنفسَهم أن يَكْفُروا، فـ "ما" اسمُ "بِئْسَ"، و {أَنْ يَكْفُرُوا} الاسمُ الثانى. وزعَم أنَّ قولَه ¬سقط من: م.¥: {أَنْ يَكْفُرُوا} ¬في النسخ: "ينزل الله من فضله"، والمثبت من معانى القرآن للفراء 1/ 56، وينظر تفسير القرطبى 2/ 28.¥ إن شيءتَ جعلْتَ: {أَنْ} في موضِعِ رفعٍ، وإن شيءتَ في موضعِ خفضٍ؛ أما الرفعُ: فبِئْسَ الشيء هذا أن يَفْعلوا. وأما الخفضُ: فبِئْسَ الشيء اشتَرَوْا به أنفسَهم بأن ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "أن".¥ يَكْفُروا بما أنزَل اللهُ بَغْيًا. قال: وقولُه: {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 80] كمثلِ ذلك. قال ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥: والعربُ تَجْعَلُ "ما" وحدَها في هذا البابِ بمنزلةِ الاسمِ التامِّ، كقولِه: {فَنِعِمَّا هِيَ} [البقرة: 271]. وبئسما أنت. واسْتَشْهد لقولِه ذلك برَجَزٍ لبعضِ ¬في م: "بعض".¥ الرُّجّازِ ¬هو زفر بن الخيار المحاربي، والرجز في التكملة والذيل والصلة، واللسان، والتاج (ن ب ل)، واللسان (د ل و) باختلاف عما هنا.¥:
لا تَعْجَلا في السَّيْرِ وادْلُواها ¬دلوت الناقة والإبل دلوا: سقتها سوقا رفيقا رويدا.¥
لَبِئْسما بُطْءٌ ولا نَرْعاها ¬في الأصل، ت 1، ت 2، ت 3: "انزعاها"، وفي الموضع الأول من اللسان والتاج: "ترعاها".¥
والعربُ تقولُ: لبِئْسَما تزويجٌ ولا مَهْرٌ. فيَجْعَلون "ما" وحدَها اسمًا بغيرِ صلةٍ.
قال أبو جعفرٍ: وقائلُ هذه المقالةِ لا يُجيزُ أن يكونَ الذي يَلِى "بئْسَ" معرفةً مُوَقَّتةً، وخبرُه معرفةً موقتةً. قد زعَم أن "بئسما" بمعنى ¬في م: "بمنزلة".¥: بِئْسَ الشيء اشتَرَوْا به أنفسَهم. فقد صارتْ "ما" بصِفتِها اسمًا موقَّتًا؛ لأنَّ "اشتَرَوْا" فعلٌ ماضٍ من صلةِ "ما"، في قولِ قائلِ هذه المقالةِ، وإذا وُصِلَتْ بماضٍ من الفعلِ كانت معرفةً موقَّتةً معلومةً، فيصيرُ تأويلُ الكلامِ حينئذٍ: بئس شراؤُهم كفرُهم. وذلك عنده غيرُ جائزٍ، فقد تبيَّنَ فسادُ هذا القولِ.
وكان آخرُ منهم ¬هو الفراء في معانى القرآن 1/ 56.¥ يزعُمُ أنَّ {أَن} في موضعِ خفضٍ إن شيءتَ، ورفعٍ إن شيءتَ. فأما الخفضُ فأن تَرُدَّه على الهاءِ التي في {بِهِ}. على التكريرِ على كلامَيْن، كأنك قُلْتَ: اشتَرَوْا أنفسَهم بالكفرِ. وأما الرفعُ فأن يكونَ مُكَرَّرًا ¬في معانى القرآن: "مكرورا".¥ على موضعِ "ما" التي تَلِى "بِئْسَ". قال: ولا يجوزُ أن يكونَ رفعًا على قولِك: بئْس الرجلُ عبدُ اللهِ.
وقال بعضُهم: {بِئْسَمَا} شيء واحدٌ [يُعْرَبُ بما] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "يعرف ما".¥ بعدَه، كما حُكِى عن العربِ: بئسما تَزويجٌ ولا مَهْرٌ. فرفَع "تَزويجٌ" بـ "بئسما"، كما يقالُ: بئسما زيدٌ. ونعمّا ¬في م، ت 1، ت، 2، ت 3: "بئسما".¥ عمرٌو. فيكونُ "بئسما" رفعًا بما عادَ عليها من الهاءِ، كأنك قُلْتَ: [شيء بِئْس] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "بئس شيء".¥ الشيء اشتَرَوْا به أنفسَهم. وتكونُ "أنْ" مترجِمةً ¬الترجمة هي تسمية الكوفيين لما يسميه البصريون عطف البيان. همع الهوامع 1/ 121.¥ عن "بئسما".
وأولى هذه الأقوالِ عندي بالصوابِ قولُ من جعَل: {بِئْسَمَا} مرفوعًا بالراجعِ من الهاءِ في قولِه: {اشْتَرَوْا بِهِ} كما رَفَعوا ذلك بـ "عبدِ اللهِ"، إذ قالوا: بئسما عبدُ اللهِ. وجَعَل {أَنْ يَكْفُرُوا} مترجِمةً عن {بِئْسَمَا}. فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: بئس الشيء باع اليهودُ به أنفسَهم كفرُهم بما أنزَلَ اللهُ بغيًا وحسدًا أن يُنَزِّلَ اللهُ من فضلِه. وتكونُ {أَنْ} التي في قولِه: {أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ}. في موضعِ نصبٍ؛ لأنه يَعْنِى به: أن يَكْفُروا بما أنزَل اللهُ من أجلِ أن يُنَزِّلَ اللهُ من فضلِه على مَن يشاءُ من عبادِه. وموضعُ {أَنْ} جَزاءٌ ¬في م: "جر". وينظر معانى القرآن 1/ 58.¥. وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من الكوفيِّين ¬هو الكسائي. ينظر معانى القرآن الموضع السابق.¥ يزعُمُ أنَّ {أَنْ} في موضِعِ خفضٍ بنيةِ الباءِ. وإنما اختَرْنا ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "أجزنا".¥ فيها النصبَ لتمامِ الخبرِ قبلَها، ولا خافضَ معها يَخْفِضُها، والحرفُ الخافضُ لا يُخفَضُ به مُضْمَرًا.
وأما قولُه: {اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} فإنه يَعْنِى به: باعُوا به أنفسَهم. كما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ}. يقولُ: باعُوا به ¬سقط من: م.¥ أنفسَهم {أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 172، 195 (908، 1030) من طريق عمرو به.¥.
وحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ ¬في م: "الحسن".¥، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ}: يهودُ، شَرَوُا الحقَّ بالباطلِ، وكتمانَ ما جاء به محمدٌ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بأن يُبَيِّنوه ¬في م: "بينوه".
والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 172 (909) من طريق حجاج به.¥.
والعربُ تقولُ: [شَرَيْتُ الشيء] ¬في م: "شريته".¥. بمعنى: بِعْتُه. و {اشْتَرَوْا} في هذا الموضِعِ " افتَعلوا" مِن "شَرَيت". وأكثرُ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ كلامِ العربِ -فيما بلَغنا- أن يقولوا: شَرَيتُ. بمعنى: بِعْتُ، و: اشْتَريتُ. بمعنى: ابْتَعتُ. وقِيلَ: إنما سُمِّىَ الشارى ¬الشارى واحد الشراة: وهم الخوارج. التاج (ش ر ى).¥ شاريًا؛ لأنه باع نفسَه ودنياه بآخرتِه. ومن ذلك قولُ يزيدَ بنِ مُفرِّغٍ الحِمْيرىِّ ¬طبقات فحول الشعراء 2/ 689، وأمالي الزجاجى ص 42، والأضداد ص 73.¥:
وشَرَيْتُ بُرْدًا ليتنى ... من قبلِ ¬في مصادر التخريج: "بعد".¥ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهْ ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "كهامة". يقال: هذا هامة اليوم أو غد. أي يموت اليوم أو غدا. اللسان (هـ و م).¥
ومنه قولُ المُسيَّبِ بنِ عَلَسٍ ¬الأضداد ص 74، وهو في الخزانة 3/ 237 ضمن أبيات للأعشى.¥:
يُعْطَى بِها ثَمَنًا فَيَمْنَعُها ... ويقولُ صاحِبُها ¬كذا في النسخ، وفي مصدري التخريج: "صاحبه"، وهو الصواب، راجع الخزانة.¥ ألا تَشْرِى ¬في ت 2، ت 3: "تشترى".¥
يعنى به: بِعْتُ بُرْدًا. وربما اسْتُعْمِلَ "اشْتَريتُ" [فى معنى] ¬في م: "بمعنى".¥: بِعْتُ، و"شَرَيتُ" في معنى: ابْتَعتُ. والكلامُ المُسْتَفيضُ ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فيهم".¥ هو ما وصَفتُ.
وأما معنى قولِه: {بَغْيًا} فإنه يعنى به: تعدِّيًا وحسدًا.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قأل: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {بَغْيًا}. قال: أي حسدًا، وهم اليهودُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 88 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
وحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {بَغْيًا}. قال: بَغَوْا على محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وحسَدوه، وقالوا: إنما كانت الرسلُ مِن بني إسرائيل، فما بالُ هذا مِن بنى إسماعيلَ؟ فحسَدوه أن يُنَزِّلَ اللهُ من فضلِه على مَن يشاءُ مِن عبادِه.
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العالية: {بَغْيًا} يعنى: حسدًا {أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} وهم اليهودُ، كفروا بما أُنْزِل على محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 173 (910، 911) من طريق آدم به.¥.
وحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.
فمعنى الآيةِ: بئس الشيء باعوا به أنفسَهم، الكفرُ بالذي أنْزَله اللهُ في كتابِه على موسى، مِن نبوَّةِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والأمرِ بتصديقِه واتباعِه، من أجلِ أن أنْزَل اللهُ مِن فضلِه -وفضلُه حكمتُه وآياتُه ونبوَّتُه- {عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} يعنى به: على محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بغيًا وحسدًا لمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِن أجل أنه كان مِن ولدِ إسماعيلَ، ولم يكنْ مِن بني إسرائيل.
فإن قال قائلٌ: وكيف باعت اليهودُ أنفسَها بالكفرِ، فقِيل: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ}. وهل يُشْتَرى بالكفرِ شيء؟
قيل: إن معنى الشراءِ والبيعِ عندَ العربِ هو إزالةُ مالكٍ مِلْكَه إلى غيرِه بعِوَضٍ يَعْتَاضُه منه، ثم تَسْتَعملُ العربُ، ذلك في كلِّ مُعْتاضٍ مِن عملِه عِوَضًا، شرًّا أو خيرًا، فتقولُ: نِعْمَ ما باع به فلانٌ نفسَه، وبئس ما باع به فلانٌ نفسَه. بمعنى: نِعْمَ الكَسْبُ أكْسَبها، وبئس الكَسْبُ أكْسَبها. إذا أوْرَثها بسَعْيِه عليها خيرًا أو شرًّا. فكذلك معنى قولِه جل ثناؤه: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ}. لمّا أوْبقوا أنفسَهم بكفرِهم بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فأهْلَكوها، خاطَبهم اللهُ والعربَ بالذي يَعْرِفونه في كلامِهم، فقال: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} يَعْني بذلك: بئس ما أكْسَبوا أنفسَهم بسعيِهم، وبئس العِوَض اعْتَاضُوا مِن كفرِهم باللهِ في تكذيبِهم محمدًا؛ إذ كانوا قد رَضُوا عِوضًا مِن ثوابِ اللهِ وما أعدَّ لهم -لو كانوا آمَنُوا باللهِ وما أنْزَل على أنبيائِه- بالنارِ وما أعدَّ لهم بكفرِهم بذلك.
وهذه الآيةُ -وما أخْبَر اللهُ فيها عن حسدِ اليهودِ محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقومَه مِن العربِ، مِن أجلِ أن اللهَ جعَل النبوةَ والحِكمةَ فيهم دونَ اليهودِ مِن بني إسرائيل، حتى دعَاهم ذلك إلى الكفرِ به مع علمِهم بصدقِه، وأنه للهِ نبىٌّ مبعوثٌ ورسولٌ مُرْسَلٌ- نَظِيرةُ الآيةِ الأُخْرى في سورةِ النساءِ، وذلك قولُه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء: 51 - 54].

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}.
قد ذَكَرْنا تأويلَ ذلك وبَينَّا معناه، ولكنا نذكرُ الرِّوايةَ بتَصْحيحِ ما قلنا فيه:
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: حدَّثني ابنُ إسحاقَ، عن عاصمِ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ الأنْصارىِّ، عن أشْياخٍ منهم قولَه: {بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}. أي: أن اللهَ تعالى جعلَه في غيرِهم ¬تقدم تخريجه في ص 236.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: هم اليهودُ، لما بعَث اللهُ نبيَّه محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فرأَوا أنه بُعِث من غيرِهم، كفَروا به حسدًا للعربِ، وهم يَعْلمون أنه رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَجِدونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ ¬تقدم تخريجه في ص 238.¥.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العالية مثلَه.
وحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.
وحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: قالوا: إنما كانت الرسلُ مِن بني إسرائيل، فما بالُ هذا مِن بنى إسماعيلَ؟
وحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيح، عن علىٍّ الأَزْدَىِّ، قال: نزَلت في اليهودِ ¬تقدم تخريجه في ص 237.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ}.
يعنى بقولِه جل ثناؤُه: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ}: فرجَعت اليهودُ من بني إسرائيل -بعدَ الذي كانوا عليه مِن الاسْتِنصارِ بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والاستفتاحِ به، وبعدَ الذي كانوا يُخْبِرون ¬بعده في م: "به".¥ الناسَ مِن قبلِ مَبْعثِه أنه نبىٌّ مَبْعوثٌ- مُرْتَدين على أعقابِهم حين بعَثه اللهُ نبيًّا مرسلًا، [وانصرَفَت] ¬في م: "فباءوا".¥ بغضبٍ من اللهِ، اسْتَحقوه منه بكفرِهم بمحمدٍ حينَ بعَثه ¬في م: "بعث".¥، وجُحودِهم بنبوَّتِه، وإنكارِهم إياه أن يكونَ هو الذي يَجِدون صفتَه في كتابِهم، عِنادًا منهم له، وبغيًا وحسدًا له وللعربِ، عَلى غَضَبٍ سالفٍ كان مِن اللهِ عليهم قبلَ ذلك، سابقٍ غضبَه الثانىَ؛ لكفرِهم ¬بعده في م: "الذى".¥ كان قبلَ ذلك، بعيسى ابنِ مريمَ، أو لعبادتِهم العجلَ، أو لغيرِ ذلك مِن ذنوبٍ كانت لهم سَلَفت، اسْتحقُّوا ¬في م: "يستحقون".¥ بها الغضبَ مِن اللهِ.
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني ابنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ -فيما [يرَى أبو جعفرٍ الطبرىُّ] ¬في م: "أروى"، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "أرى".¥ - عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ}: فالغضبُ على الغضبِ، غضبُه عليهم فيما كانوا ضَيَّعوا مِن التوراةِ وهي معهم، وغضبٌ بكفرِهم بهذا النَّبيّ الذي أحْدَث اللهُ إليهم ¬سيرة ابن هشام 1/ 542، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 173 (915) من طريق سلمة به.¥.
وحدَّثنا ابنُ بشارٍ ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "يسار".¥، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن أبى بكرٍ ¬في الأصل، م، ت 1: "بكير". وينظر تهذيب الكمال 33/ 159.¥، عن عكرمةَ: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ}. قال: كُفْرٌ بعيسى وكفرٌ بمحمدٍ صلَّى اللهُ عليهما وسلَّم.
وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى بكرٍ ¬في الأصل: "نحوه".
والأثر في تفسير عبد الرزاق 1/ 51. وأبو بكر هو الهذلى، ضعيف.¥، عن عكرمةَ: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ}. قال: كفرُهم بعيسى ومحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا الثورىُّ، عن أبى بكرٍ ¬ذكره البغوى في تفسيره 1/ 121 عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 88 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥، عن عكرمةَ مثلَه ¬¥.
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبىِّ، قال: الناسُ يومَ القيامةِ على أربعةِ مَنازلَ: رجلٌ كان مؤمنًا بعيسى فآمَن بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فله أجْران، ورجلٌ كان كافرًا بعيسى فآمَن بمحمدٍ صلَّى اللهُ عليهما وسلَّم، فله أجرٌ، ورجلٌ كان كافرًا بعيسى فكَفَر بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فباءَ بغضبٍ على غضبٍ، ورجلٌ كان كافرًا بعيسى مِن مُشرِكى العربِ، فمات بكُفرِه قبلَ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فباءَ بغضبٍ.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ}: غَضِب اللهُ عليهم بكفرِهم بالإنجيلِ وبعيسى صلى الله عليه، وغَضِب عليهم بكفرِهم بالقرآنِ وبمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ¬¥.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ}: اليهودُ، غضَبٌ ¬سقط من: م.¥ بما كان مِن تبديلِهم التوراةَ قبلَ خروج النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، {عَلَى غَضَبٍ} جُحودُهم النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وكفرُهم بما جاء به ¬ذكره البغوى في تفسيره 1/ 121 عن مجاهد.¥.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العالية {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} يقولُ: غَضِب اللهُ عليهم بكفرِهم بالإنجيلِ وعيسى، ثم غضِب ¬في م: "غضبه".¥ عليهم بكفرِهم بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبالقرآنِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 173 (914) من طريق آدم به.¥.
وحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ}: أما الغضبُ الأولُ، فهو حين غَضِب اللهُ عليهم في العجلِ، وأما الغضبُ الثانى، فغَضِب عليهم حين كفَروا بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 174 (917) عن أبى زرعة، عن عمرو به.¥.
وحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "و".¥ عطاءٍ وعبيدِ بنِ عميرٍ في قولِه: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ}. قال: غَضِب اللهُ عليهم فيما كانوا فيه مِن قبلِ خروجِ النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من تبديلِهم وكفرِهم، ثم غَضِب عليهم في محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إذ خرَج فكَفَروا به.
وقد بيّنّا معنى الغضَبِ من اللهِ على مَن غَضِب ¬بعده في م: "عليه".¥ من خلقِه، واختلافَ المختلِفِين في صفتِه فيما مضَى من كتابِنا هذا بما أغْنَى عن إعادتِه ¬ينظر ما تقدم في 1/ 189، 190.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90)}.
يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ}: وللجاحدِين نبوّةَ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من الناسِ كلِّهم عذابٌ من اللهِ، إمَّا في الآخرةِ وإمّا في الدنيا والآخرةِ، {مُهِينٌ}: وهو المُذِلُّ صاحبَه المُخْزِى، المُلْبِسُه هوانًا وذِلّةً.
فإن قال قائلٌ: وأيُّ عذابٍ هو غيرُ مُهِينٍ صاحبَه، فيكونَ للكافرين المُهِينُ منه؟
قيل: إن المُهِينَ هو الذي قد بَيّنّا أنه المُورِثُ صاحبَه ذِلَّةً وهوانًا، الذي يَخْلُدُ فيه صاحبُه فلا ينتقلُ من هوانِه إلى عزٍّ وكرامةٍ أبدًا، وهو الذي خصَّ اللهُ به أهلَ الكفرِ به وبرسلِه، وأما الذي هو غيرُ مُهِينٍ لصاحبِه، فهو ما كان تمحيصًا لصاحبِه، وذلك ¬بعده في م: ت 1، ت 2، ت 3: "هو".¥ كالسارقِ من أهلِ الإسلامِ، يَسْرِقُ ما يجِبُ عليه به القطعُ فتُقْطَعُ يدُه، والزانى منهم يَزْنِى فيقامُ عليه الحدُّ، وما أشبهَ ذلك من العذابِ والنَّكالِ الذي جعَله اللهُ كفاراتٍ للذنوبِ التي عَذَّبَ بها أهلَها، وكأهلِ الكبائر ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "الكتاب".¥ من أهلِ الإسلامِ الذين يُعَذَّبُون في الآخرةِ بمقاديرِ أجرامِهم التي ارتكَبُوها ليُمَحَّصُوا من ذنوبهم، ثم يَدخُلون الجنةَ، فإن كلَّ ذلك وإن كان عذابًا، فغيرُ مُهِينٍ مَن عُذِّبَ به، إذ كان تعذيبُ اللهِ له ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "إياه".¥ به ليُمَحِّصَه به ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ من آثامِه، ثم يُورِدُه مَعْدِنَ العزِّ والكرامةِ، ويُخَلِّدُه في نعيمِ الجِنانِ.

Tafsir in other languages · 6