تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95)}.
وهذا خبرٌ مِن اللهِ جل ثناؤُه عن اليهودِ وكراهتِهم الموتَ، وامتناعِهم من الإجابةِ إلى ما دُعُوا إليه مِن تَمنِّى الموتِ؛ لعلمِهم بأنهم إن فعَلوا ذلك فالوعيدُ بهم نازلٌ، والموتُ بهم حالٌّ، ولمعرفتِهم بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه رسولٌ مِن اللهِ إليهم مرسلٌ، وهم به مُكذِّبون، وأنَّه لن يُخْبرَهم خبرًا إلا كان حقًّا كما أخْبَر، فهم يَحذَرُون أن يتَمنَّوا الموتَ، خوفًا أن يَحِلَّ بهم عقابُ اللهِ بما كسَبت أيديهم مِن الذنوبِ.
كالذي حدَّثني محمدُ بنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ -فيما يرَى أبو جعفرٍ- عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ} الآية. أي: ادْعُوا بالموتِ على أي الفريقين أكذبُ، فأبَوا ¬في م: "قالوا".¥ ذلك على رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. يقولُ اللهُ لنبيِّه محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي: لعلمِهم بما عندَهم مِن العلمِ بك والكفرِ بذلك ¬سيرة ابن هشام 1/ 542، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 177 (937، 940) من طريق سلمة به.¥.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا} يقولُ: يا محمدُ، ولن يتَمنَّوه أبدًا؛ لأنهم يَعْلَمون أنهم كاذبون، ولو كانوا صادقين لتَمنَّوه، ورَغِبوا في التعجيلِ إلى كَرامتى، فليس يتَمنَّونه أبدًا بما قدَّمت أيديهم ¬تقدم أول هذا الأثر في ص 271.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ قوله: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}: وكانت اليهودُ أشدَّ الناسِ ¬سقط من: م، ت 1، ت 3.¥ فرارًا مِن الموتِ، ولم يكونوا ليتَمنَّوه أبدًا.
وأما قولُه: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}. فإنه يَعْنى به: بما أسْلَفَتْه أيديهم. وإنما ذلك مَثَلٌ، على نحوِ ما تتَمَثَّلُ به العربُ في كلامِها، فتقولُ للرجلِ يُؤْخَذُ بجَرِيرةٍ جرَّها، أو جنايةٍ جَناها فيعاقبُ عليها: نالك هذا بما جَنَتْ يداك، وبما كَسبت يداك، وبما قَدَّمت يداك. فتُضِيفُ ذلك إلى اليدِ، ولعلَّ الجنايةَ التي جَناها فاستحقَّ عليها العقوبةَ كانت باللسانِ أو بالفَرْجِ أو بغيرِ ذلك مِن أعضاءِ جسدِه سِوَى اليدِ. وإنَّما قِيلَ ذلك بإضافتِه إلى اليدِ؛ لأن عُظْمَ جِناياتِ الناسِ بأيديهم، فجَرَى الكلامُ باستعمالِ إضافةِ الجناياتِ التي يجنيها النَّاسُ إلى أيديهم، حتى أُضِيفَ كلُّ ما عُوقِبَ عليه الإنسانُ مما جَناه بسائرِ أعضاءِ جسدِه إلى أنها عقوبةٌ على ما جَنَتْه يَداه ¬في م: "يده".¥، فلذلك قال جل ثناؤُه للعربِ: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} يعني به: ولن يَتَمنَّى اليهودُ الموتَ بما قدَّموا أمامَهم في حياتِهم مِن كفرِهم باللهِ، في مخالفتِهم أمرَه وطاعتَه في اتباعِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وما جاءهم ¬في م: "جاء".¥ به مِن عندِ اللهِ، وهم يَجِدونه مكتوبًا عندَهم
في التوراةِ، ويَعْلمون أنه نبىٌّ مبعوثٌ. فأضاف جل ثناؤُه ما انْطَوت عليه قلوبُهم، وأضْمَرته نفوسُهم، ونَطَقت به ألسنتُهم؛ مِن حسدِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والبغىِ عليه، وتكذيبِه وجُحودِ رسالتِه - إلى أيديهم، وأنَّه مما قدَّمته أيديهم لعلمِ العربِ بمعنى ذلك في منطقِها وكلامِها، إذ كان جل ثناؤُه إنما أنزَل القرآنَ بلسانِها، وبلغتِها خاطَبها ¬سقط من: م.¥.
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ في ذلك ما حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} يقولُ: بما أسْلَفت أيديهم ¬ليست في: الأصل.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}. قال: إنهم عَرَفوا أن محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نبىٌّ فكَتَموه.
وأما قولُه: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} فإنه يعني جل ثناؤُه: واللهُ ذو علمٍ بظَلَمةِ بنى آدمَ -يهودِها ونَصارَاها وسائرِ أهلِ [مللِها غيرِهم] ¬في م: "الملل غيرها".¥ - وما يَعْملون.
وظلمُ اليهودِ كفرُهم باللهِ في خلافِهم أمرَه وطاعتَه في اتباعِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بعدَ أن كانوا يَسْتَفْتِحون به وبمبْعثِه، وجُحودِهم نبوتَه وهم عالمون أنه نبىُّ اللهِ ورسولُه إليهم.
وقد دَلَّلْنا على معنى الظلمِ فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ ¬ينظر ما تقدم في 1/ 559، 560.¥.