تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن الساعةَ التي فيها يبعَثُ اللهُ الخلائقَ من قبورِهم لموقفِ القيامةِ جائيةٌ أكادُ أُخْفيها.
فعلَى ضمِّ الألفِ مِن {أُخْفِيهَا} قراءةُ جميعِ قرأةِ أمصارِ الإسلامِ، بمعنى: أكادُ أُخْفيها مِن نَفْسِى؛ لئلا يطلع عليها أحدٌ. وبذلك جاء تأويلُ أكثرِ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: {أَكَادُ أُخْفِيهَا}. يقولُ: لا أُظْهِرُ عليها أحدًا غيرِى ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 294 إلى ابن أبي حاتم.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا}. قال: لا تأتيكُم إلا بَغْتَةً.
وحدَّثنا ابن بشارٍ قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا}. قال: مِن نَفْسِي.
وحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عزَّ ذكرُه: {أَكَادُ أُخْفِيهَا}. قال: من نَفْسِى ¬تفسير مجاهد ص 461، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 294 إلى عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: {أَكَادُ أُخْفِيهَا}. قال: مِن نَفْسِى ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 294 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
[حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدِ: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا}. قال: أَكاد أُخفيها من نفسى] ¬سقط من ص، م، ت 1، ف.¥.
وحدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ الطَّنافسيُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: {أَكَادُ أُخْفِيهَا}. قال: يُخْفِيها مِن نَفْسِه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 294 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا}: وهى في بعضِ القراءةِ: (أُخْفِيهَا مِن نَفْسِى). ولَعَمْرِى لَقد أخْفَاها اللهُ من الملائكةِ المقرَّبين، ومن الأنبياءِ المُرْسَلين.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ، قال: في بعضِ الحروفِ: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِى) ¬تفسير عبد الرزاق 2/ 16، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 294 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
وقال آخرون: إنَّما هو: (أكادُ أَخفيها) بفتحِ الألفِ من (أخْفِيها) بمعنى: أُظْهِرُها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ سهلٍ، قال: سأَلني رجلٌ في المسجدِ عن هذا البيتِ ¬هو كعب بن زهير شرح ديوان كعب ص 147.¥:
دَأْبَ شَهْرَين ثُمَّ شَهْرًا دَمِيكَا ... بِأَرِيكَيْن يَحْفِيان غَمِيرَا ¬قوله: دأب شهرين: يقول: يدأب. دميكا يعني: تاما. وقال الأصمعي: قوله: بأريكين: يعنى موضعًا يقال له: أريك. فضم إليه آخر فقال: بأريكين. والغمير: نبت تصيبه السماء فينبت عنه نبت آخر، وربما أصاب الإبل منه داء. شرح ديوان كعب ص 174.¥
فقلتُ: يَظْهَران. فقال وقاءُ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "ورقاء". وينظر ما تقدم في 13/ 254.¥ بنُ إياسٍ وهو خَلْفَى: أَقْرَأَنِيها سعيدُ بنُ جبيرٍ: (أكادُ أَخْفِيها) بنَصْبِ الألفِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 5/ 272 - من طريق يحيى بن واضح به، وأخرجه أبو عبيد - كما في تفسير القرطبي 11/ 182 - والفراء في معاني القرآن 2/ 176 من طريق محمد بن سهل به.¥.
وقد رُوِيَ عن سعيدِ بن جبيرٍ وفَاقٌ لقولِ الآخرين الذين قالوا: معناه: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي.
ذكرُ مَن قال الروايةَ عنه بذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، ومنصورٍ، عن مجاهدٍ، قالا: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا}. قالا: مِن نَفْسِى.
حدَّثني عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهَبَّارِيُّ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: {أَكَادُ أُخْفِيهَا}. قال: مِن نَفْسِى ¬تفسير مجاهد ص 461 من طريق عطاء بن السائب به.¥.
والذي هو أولى بتأويلِ ذلك من القول قولُ مَن قال: معناه: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي. لأن تأويلَ أهلِ التأويلِ بذلك جاء.
والذي ذُكِر عن سعيدِ بن جبيرٍ من قراءةِ ذلك بفَتْحِ الألفِ قراءةٌ لا أسْتَجيزُ القراءةَ بها؛ لخِلافِها قراءةَ الحُجَّةِ التي لا يجوزُ خِلافُها فيما جاءتْ به نقلًا مُسْتفيضًا.
فإن قال قائلٌ: ولِمَ وجَّهتَ تأويلَ قولِه: {أُخْفِيهَا} له بضمِّ الألفِ إلى معنى: أكادُ أُخْفيها من نَفْسِى. دونَ تَوْجِيهه إلى معنَى: أكادُ أُظْهِرُها. وقد عَلِمتَ أن للإخفاءِ في كلامِ العربِ وجْهَين؛ أحدُهما الإظهارُ، والآخرُ الكِتْمانُ، وأن الإظهارَ في هذا الموضِعِ أشْبَهُ بمعنى الكلامِ؛ إذ كان الإخفاءُ مِن نَفْسِه يكادُ عندَ السامعين أن يسْتَحيلَ معناه، إذ كان مُحالًا أن يُخفِيَ أحدٌ عن نَفْسِه شيئًا هو به عالمٌ، واللهُ تعالى ذكْرُه لا تَخْفَى عليه خافيةٌ؟
قيل: إن الأمرَ في ذلك بخلافِ ما ظَنَنتَ، وإنَّما وجَّهْنا معنى: {أُخْفِيهَا} بضمِّ الألفِ إلى معنى: أَسْتُرُها مِن نَفْسِي. لأنَّ المعروفَ مِن معنَى الإخفاءِ في كلامِ العربِ، السَّترُ، يقالُ: قد أَخْفَيتُ الشيءَ. إذا سَتَرْتَه. وأنَّ الذين وجَّهوا معناه إلى الإظهارِ إنما اعْتَمَدوا على بيتٍ لامرئِ القيسِ بن عابسٍ الكِنْدِيِّ.
حُدِّثتُ عن معمرِ بن المثنى أنَّه قال: أنْشَدَنيه أبو الخَطَّابِ، عن أهْلِه في بلَدِه:
فإن تَدْفِنُوا الدَّاءَ لا نُخْفِهِ ... وإِنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدِ ¬البيت في مجاز القرآن 2/ 16، 17، واللسان وتاج العروس (خ ف ى) منسوب لامرئ القيس بن عابس. وهو في ديوان امرئ القيس بن حجر ص 186. وامرؤ القيس بن عابس صحابي. ينظر أسد الغابة 1/ 137.¥
بضمِّ النونِ من: لا نُخْفِه. ومعناه: لا نُظْهِرْه. فكان اعتمادُهم في تَوْجِيه الإخْفاءِ في هذا الموضِعِ إلى الإِظْهَارِ على ما ذكَروا من سَماعِهم هذا البيتَ، على ما وصَفْتُ مِن ضمِّ النونِ من: نُخْفِه.
وقد أَنْشَدَنِي الثِّقَةُ عن الفرَّاءِ ¬معاني القرآن 2/ 177.¥:
* فإِنْ تَدْفِنُوا الدَّاءَ لا نَخْفِه *
بفتحِ النونِ من: نَخْفِه، من: خَفيتُه أَخْفيه. وهو أولى بالصوابِ؛ لأنَّه المعروفُ مِن كلامِ العربِ. فإذ كان ذلك كذلك، وكان الفتحُ في الألفِ مِن "أَخْفيها" غيرَ جائزٍ عندَنا؛ لِما ذَكَرْنا، ثَبَتَ وصَحَّ الوَجْهُ الآخرُ، وهو أن معنى ذلك: أكادُ أَسْتُرُها مِن نَفْسِي.
وأما وَجْهُ صحةِ القولِ في ذلك، فهو أنَّ الله تعالى ذكْرُه خاطَب بالقرآنِ العربَ على ما يَعْرِفُونَه من كلامِهم، وجرَى به خطابُهم بينهم، فلمَّا كان معروفًا في كلامِهم أن يقولَ أحدُهم إذا أراد المبالغةَ في الخبرِ عن إخْفَائِه شيئًا هو له مُسِرٌّ: قد كِدْتُ ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف، م: "أن".¥ أُخْفِى هذا الأمرَ عن نَفْسِي من شدَّةِ اسْتِسْرارِي به، ولو قدَرتُ أن أُخْفِيَه من نَفْسِى أَخْفَيتُه. خاطَبهم عزَّ وجلَّ على حسَبِ ما قد جرَى به استِعْمالُهم في ذلك من الكلامِ بينَهم، وما قد عرَفوه في مَنطِقِهم. وقد قيل في ذلك أقوالٌ غيرُ ما قُلنا. وإنما اخْتَرْنا هذا القولَ على غيرِه من الأقوالِ لموافقتِه أقوالَ أهلِ العلمِ من الصَّحابةِ والتَّابِعين؛ إذ كُنَّا لا نستَجِيزُ ¬في ص، ف: "نحسن"، وفي ت 1: "نجيز".¥ الخلافَ علَيهم فيما اسْتَفاضَ القولُ به مِنهم، وجاء عنهم مجيئًا ¬في ص، ف، ت 1: "هنا".¥ يقطَعُ العذرَ. فأما الذين قالوا في ذلك غيرَ ما قلنا ممّن قال فيه على وجْهِ الانْتِزاعِ من كلامِ العربِ، من غيرِ أن يَعْزوَه إلى إمامٍ من الصحابةِ أو التابعين، وعلى وجْهِ تحميلِ ¬في ص، ت 1، ت 2، م، ف: "يحتمل".¥ الكلامِ غيرَ وج
ْهِه المعروفِ، فإنهم اخْتَلَفوا في معناه بينَهم؛ فقال بعضُهم: معناه: أريدُ أُخْفِيها. قال: وذلك معروفٌ في اللغةِ، وذكَر أنه حُكِى عن العربِ أنَّهم يقولون: أولئك أصحابي الذين أكادُ أُنزِلُ عليهم. وقال: معناه: لا أنزلُ إلَّا علَيهم. قال: وحُكِي: أكادُ أَبْرحُ مَنزِلي، أي: ما أبرحُ مَنْزِلى. واحتجَّ ببيتٍ أنشَدَه لبعضِ الشعراءِ ¬البيت في الأضداد ص 97، واللسان (ك ى د) غير منسوب.¥:
كادَت وكِدْتُ وتلكَ خَيرُ إرادَةٍ ... لو عادَ مِن لهوِ ¬في م: "عهد".¥ الصَّبابَةِ مَا مَضَى
وقال: يريدُ بـ "كادَتْ": أرادَت. قال: فيكونُ المعنى: أُريدُ أُخْفِيها لتُجْزَى كلُّ نفسٍ بما تَسْعَى. قال: ومما يُشْبِهُ ذلك قولُ زيدِ الخَيْلِ ¬البيت في الأضداد ص 97، واللسان (ك ي د).¥:
سَريعٌ إلى الهَيْجاءِ شاكٍ سِلاحُهُ ... فَمَا إِنْ يَكادُ قِرْنُه يتنَفَّسُ
وقال: كأنَّه قال: فما يَتَنفَّسُ قِرْنُه. وإِلَّا ضَعُف المعنى. قال: وقال ذو الرُّمَّةِ ¬ديوانه 2/ 1192.¥:
إذا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّين لم يَكَدْ ... رَسِيسُ الهَوَى مِن حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ
وقال: ليس المعنى: لم يَكَدْ يبرحٌ. أي: بعدَ بَيْنٍ ¬في الأصل: "شر"، وفي م: "يسر".¥ يبرحُ وبعدَ عُسْرٍ. وإنَّما المعْنى: لم يَبْرَحْ. أو: لم يُرِدْ يَبْرَحُ. وإلا ضَعُف المعنى. قال: وكذلك قولُ أبي النَّجْمِ ¬الأضداد ص 97.¥:
وإن أتاكَ نَعِيِّى فَانْدُبَنَّ أَبًا ... قَد كادَ يَضْطَلِعُ الأعْداءَ والخُطَبَا
وقال: يكونُ المعنى: قد اضْطَلَعَ الأعداءَ. وإلا لم يَكُنْ مدْحًا إذا أراد: كاد ولم ¬بعده في ص، م، ت 1، ف: "يرد".¥ يفعَلْ.
وقال آخرون: بل معنَى ذلك: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ}. قال: وانتهَى الخبرُ عندَ قولِه {أَكَادُ}. لأنَّ معناه: أكادُ أن آتِىَ ¬في ص، ف: "أراني".¥ بها. قال: ثم ابتَدَأ فقال: ولكِنِّي أُخْفِيها لتُجْزَى كلُّ نفسٍ بما تَسْعَى. قال: وذلك نظيرُ قولِ ابن ضابئٍ ¬البيت لضابئ البُرْجُمى وليس لابنه وهو عمير بن ضابئ، كما في طبقات فحول الشعراء 1/ 174، والكامل للمبرد 1/ 382، والأضداد ص 97 وينظر تاريخ المصنف 6/ 27.¥:
هَمَمْتُ ولمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيَتَنِي ... ترَكْتُ على عثمانَ تَبْكِي حلائلُهْ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ف "أقاربه".¥
فقال: كِدْتُ. ومعناه: كِدْتُ أَفْعَلُ.
وقال آخرون: معنى: {أُخْفِيهَا}: أُظْهِرُها. وقالوا: الإخفاءُ والإسرارُ قد تُوجِّهُهما العربُ إلى معنى الإظْهارِ. واسْتَشْهَد بعضُهم لِقيلِه ذلك ببيتِ الفرزدقِ ¬الأضداد ص 46، واللسان (س ر ر).¥:
فلَمَّا رأى الحَجَّاجَ جَرَّدَ سَيفَهُ ... أسَرَّ الحَرُورِيُّ الَّذِي كَانَ أَضْمَرَا
وقال: عَنَى بقولِه: أسرَّ: أَظْهَرَ. قال: وقد يجوزُ أن يكونَ معنَى قولِه: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ} [سبأ: 33]: وأَظْهَرُوها. قال: وذلك لأنَّهم قالوا: {يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا} [الأنعام: 27].
وقال جميعُ هؤلاءِ الذين حَكَيْنا قولَهم: جائزٌ أن يكونَ قولُ مَن قال: معنى ذلك: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي. أن يكونَ أراد: أُخْفِيها من قِبَلى ومِن عندِي.
وكلُّ هذه الأقوالِ التي ذكَرْناها عمَّن ذكَرْنا توجِيهٌ مِنهم للكلامِ إلى غيرِ وَجْهِه المعروفِ، وغيرُ جائزٍ توجِيهُ معاني كلامِ اللهِ جل وعز إلى غيرِ الأغْلَبِ عليه مِن وجوهِهِ عندَ المخاطَبين بهِ، ففى ذلك - مع خِلافِهم تأويلَ أهلِ العلمِ فيه - شاهِدا ¬في م، ت 2: "شاهد".¥ عَدْلٍ على خطأِ ما ذهَبوا إليه فيه.
وقولُه: {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى}. يقولُ جل ثناؤُه: إن الساعةَ آتيةٌ؛ {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ}. يقولُ: لتثابَ كلُّ نفسٍ امْتَحَنها ربُّها بالعبادةِ في الدنيا {بِمَا تَسْعَى}. يقولُ: بما تعملُ مِن خيرٍ وشَرٍّ، وطاعةِ ومعصيةٍ.