تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويل قوله تعالى: {ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (10)}.
يقولُ تعالى ذِكرُه: يجادلُ هذا الذي يجادلُ في اللَّهِ بغيرِ علمٍ ثانىَ عِطفِه.
واختلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي من أجلِه وُصِف بأنَّه يَثْنِى ¬في ص، ت 2: "ثنى".¥ عِطْفَهُ، وما المرادُ مِن وَصْفِه إيَّاه بذلك؛ فقال بعضُهم: وصَفه بذلك لتَكبُّرِه وتبَخْتُرِه ¬في ت 2، ف: "تجبره".¥. وذُكِر عن العربِ أنها تقولُ: جاءنى فلانٌ ثانىَ عِطْفِه. إذا جاء مُتَبخْتِرًا مِن الكبرِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: {ثَانِيَ عِطْفِهِ}. يقولُ: مُسْتَكبِرًا في نفسِه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 346 إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن المنذر.¥.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لَاوٍ رقَبَتَه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمُد بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {ثَانِيَ عِطْفِهِ}. قال: رقبَتَه ¬تفسير مجاهد ص 477.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: {ثَانِيَ عِطْفِهِ}. قال: لاوٍ عُنُقَه ¬في ت 1، ف: "عطفه".¥.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه ¬تفسير عبد الرزاق 2/ 33، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 346 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
وقال آخرون: معنى ذلك أنه يُعْرِضُ عما يُدْعَى إليه فلا يَسْمَعُ له.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: {ثَانِيَ عِطْفِهِ}. يقولُ: يُعْرِضُ عن ذِكْرِى ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 346 إلى المصنف وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: {ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}. قال: لَاوِيًا رأسَه، مُعْرِضًا مُوَلِّيًا، لا يريدُ أن يسمعَ ما قيل له. وقرَأَ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} [المنافقون: 5]. {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 346 إلى المصنف من قول ابن جريج.¥ [لقمان: 7].
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {ثَانِيَ عِطْفِهِ}. قال: يُعْرِضُ عن الحقِّ ¬¥.
قال أبو جعفرٍ: وهذه الأقوالُ الثلاثةُ مُتَقارباتُ المعنى، وذلك أن مَن كان ذا اسْتِكْبارٍ فمِن شأنِه الإعراضُ عما هو مُسْتكبِرٌ عنه، وَلَيُّ عُنُقِه عنه والإعراضُ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يُقالَ: إن اللَّهَ وصَف هذا المخاصمَ في اللَّهِ بغيرِ علمٍ أنَّه مِن كبرِه إذا دُعِى إلى اللَّهِ أعرَضَ عن دَاعِيهِ، ولَوى عُنقَه عنه، ولم يَسمعْ ما يقالُ له اسْتِكبارًا.
وقولُه: {لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}. يقولُ تعالى ذِكرُه: يجادلُ هذا المشركُ في اللَّهِ بغيرِ علمٍ مُعْرِضًا عن الحقِّ استكبارًا لِيَصُدَّ المؤمنين باللَّهِ عن دينِهم الذي هَدَاهم له، ويَستَزِلَّهم عنه، {لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ}. يقولُ جلَّ ثناؤه: لهذا المجادلِ في اللَّهِ بغيرِ علمٍ، {لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} وهو القتلُ والذلُّ والمَهانةُ بأيدِى المؤمنين، فقتَلَه اللَّهُ بأيديهم يومَ بدرٍ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: {لَهُ ¬سقط من: م.¥ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ}. قال: قَتْلٌ يومَ بدرٍ ¬تتمة الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.¥.
وقولُه: {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ}. يقولُ تعالى ذِكرُه: ونُحرِقُه يومَ القيامةِ بالنَّارِ.