تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)}
يقولُ تعالى ذكرُه: إن فرعونَ تَجَبَّر في أرضِ مصرَ وتَكَبَّر، وعلا أهلَها وقهَرَهم، حتى أقَرُّوا له بالعُبُودةِ.
كما حدَّثنا موسى ¬في النسخ: "محمد". وهذا إسناد دائر.¥ بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بن حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ}. يقولُ: تَجَبَّر في الأرضِ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 388 بإسناد السدى المعروف مطولا، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2938، 2939 من طريق عمرو بن حماد به، وسيفرق المصنف أجزاء منه فيما سيأتي.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ}. أي: بغَى في الأرضِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2939 من طريق يزيد به.¥.
وقولُه: {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا}. يعنى بالشِّيَعِ الفِرَقَ. يقولُ: وجعَل أهلَها فِرَقًا متفرِّقين.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا}. أي: فِرَقًا؛ يُذَبِّحُ طائفةً منهم، ويَسْتَحْيِي طائفةً، ويُعَذِّبُ طائفةً، ويَسْتَعْبِدُ طائفةً، قال الله عزّ وجلَّ: {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2939 من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 120 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني موسى بنُ هارون، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: كان من شأنِ فرعونَ أنه رأى رؤيا في منامِه، أن نارًا أَقْبَلتْ من بيتِ المقدسِ حتى اشتَمَلتْ على بُيوتِ مصرَ، فأحرَقَتِ القِبْطَ، وتركت بني إسرائيلَ، وأحرَقت بيوتَ مصرَ، فدَعا السحرةَ والكهنةَ والقافَةَ والحازَةَ، فسألهم عن رُؤياه، فقالوا له: يَخْرُجُ من هذا البلدِ الذي جاء بنو إسرائيلَ منه - يَعْنُون بيتَ المقدس - رجلٌ يكونُ على وجْهِه هلاكُ مصرَ. فأَمَر ببنى إسرائيلَ ألَّا يُولَدَ لهم غلامٌ إلا ذبَحوه، ولا تُولَدَ لهم جاريةٌ إلا تُركَت، وقال للقِبْطِ: انظُروا مَمْلُوكِيكم الذين يَعْمَلون خارجًا فأدْخِلوهم، واجْعَلوا بني إسرائيلَ يَلُون تلك الأعمالَ القذرة. فجعَل بني إسرائيلَ في أعمالِ غِلمانِهم، وأدْخَلوا غلمانَهم، فذلك حينَ يقولُ اللهُ: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا}. يعنى بنى إسرائيلَ، حينَ جعَلهم في الأعمالِ القذرةِ ¬جزء من الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا}. قال: فَرَّق بينَهم ¬تفسير مجاهد ص 522، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2939، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 120 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ: {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا}. قال: فِرَقًا.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قولِه: وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا. قال: الشِّيَعُ الفِرَقُ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2939 معلقا.¥.
وقولُه: {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ}. ذُكِر أن استضعافَه إياها كان استعبادَه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: يَسْتَعْبِدُ طائفةً منهم، ويُذَبِّحُ طائفةً، ويُقَتِّلُ طائفةً، ويَسْتَحْيِي طائفةً ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 87 عن معمر به.¥.
وقولُه: {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}. يقولُ: إنه كان ممن يُفْسِدُ في الأرضِ؛ بقتلِه من لا يَسْتَحِقُّ منه القتلَ، واستعبادِه من ليس له استعبادُه، وتَجَبُّرِه في الأرضِ على أهلِها، وتَكَبُّرِه على عبادةِ ربِّه.