تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26)}.
يقولُ تعالى ذكره: فصدَّق إبراهيم خليلَ اللهِ لوطٌ، {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي}. يقولُ: وقال إبراهيمُ: إنى مُهاجِرٌ دارَ قومى {إِلَى رَبِّي}، إلى الشامِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ}. قال: صدَّق لوطٌ، {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي}. قال: هو إبراهيمُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 3050 عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 144 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ}. أى: فصدَّقه لوطٌ، {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي}. قال: هاجَرا جميعًا مِن كُوثَى، وهى مِن سَوادِ الكوفةِ إلى الشامِ. قال: وذُكر لنا أن نبيَّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان يقولُ: "إنَّها سَتَكُونُ هِجْرةٌ بعدَ هِجْرةٍ، يَنْحازُ أهلُ الأَرضِ إِلى مُهاجَرِ إبراهيمَ، ويَبْقَى فى الأرضِ شِرارُ أهْلِها، حتى تَلْفِظُهم وتَقْذَرَهم، وتَحْشُرَهم النارُ مع القِرَدةِ والخنازيرِ" ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 3050 من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 5/ 143 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ}. قال: صدَّقه لوطٌ، صدَّق إبراهيمَ. قال: أرأيتَ المؤمنين، أليس آمنوا لرسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ما جاء به؟ قال: فالإيمانُ التَّصْديقُ. وفي قولِه: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي}. قال: كانت هِجْرتُه إلى الشامِ.
وقال ابنُ زيدٍ في حديثِ الذئبِ الذى كلَّم الرجلَ، فأَخبَر به النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "فآمَنْتُ له ¬بعده في م: "أنا".¥ وأبو بكرٍ وعمرُ" ¬أخرجه أحمد 12/ 305 (7351)، والبخارى (3471)، ومسلم (2388) وغيرهم من حديث أبي هريرة.¥. وليس أبو بكرٍ ولا عمرُ معه. يعني "آمنتُ له": صَدَّقْتُه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ في قولِه: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي}. قال: إلى حَرَّانَ، ثم أُمِر بعدُ بالشامِ الذى هاجَر إبراهيمُ، وهو أوَّلُ مَن هاجَر. يقولُ: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ}، إبْراهِيمُ: {إِنِّي مُهَاجِرٌ} الآية ¬عزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 144 إلى ابن المنذر.¥.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي}: إبراهيمُ القائلُ: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} ¬عزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 144 إلى ابن المنذر، وذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 282.¥.
وقولُه: {إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. يقولُ: إن ربِّى هو العزيزُ الذي لا يَذِلُّ مَن نَصَرَه، ولكنه يمنعُه مِمَّن أرادَه بسُوءٍ، وإليه هِجْرتُه، الحكيمُ في تَدْبيرِه خلقَه، وتَصْريفِه إياهم فيما صَرَّفهم فيه.