تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قوله عزَّ وجلَّ: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)}.
اختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قوله: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ}؛ فقرأتْه عامَّةُ قَرأَةِ الحجازِ والمدينة: (ولا يأمُرُكُمْ) ¬وهي قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 213.¥. على وجهِ الابتداءِ من اللهِ بالخبرِ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يأْمُرُكم أيها الناسُ أنْ تَتَّخِذُوا الملائكة والنبيِّينَ أَرْبَابًا.
واستشْهد قارئو ذلك كذلك بقراءةٍ ذكَروها عن ابن مسعودٍ ¬في س: "عباس". وينظر قراءة ابن مسعود في الكشف عن وجوه القراءات السبع 1/ 350، 351، المحرر الوجيز، 2/ 486، والبحر المحيط 2/ 507.¥ أنه كان يَقرؤُها ¬بعده في ص، ت 2، ت 3: "وهو"، وبعده في م، ت 1: "وهى".¥: (وَلَنْ يأْمُرَكُم). فاستدَلُّوا بدخولِ "لن" على انقطاعِ الكلامِ عما قبلَه، وابتداءِ خبرٍ مستأنفٍ. قالوا: فلمَّا صيَّر مكانَ "لَنْ" في قراءتِنا: {لَا} وجبتْ قراءتُه بالرفعِ.
وقرأَه بعضُ الكوفيين والبَصْريين {وَلَا يَأْمُرَكُمْ} بنصبِ الراءِ ¬وهي قراءة عاصم وابن عامر وحمزة. السبعة لابن مجاهد ص 213.¥، عطفًا على قوله: {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ}. وكان تأويلُه عندهم: ما كان لبشرٍ أنْ يُؤتيه الله الكتابَ ثم يقولَ للناسِ، ولا أن يأْمُرَكم، بمعنى: ولا كان له أن يَأمرَكم أن تَتخِذوا الملائكةَ والنبيين أربابًا.
وأوْلى القراءَتينْ بالصوابِ في ذلك: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ}. بالنصب على الاتصال بالذي قبله، بتأوُّل: ما كان لبشرٍ أن يُؤتيَه الله الكتاب والحُكْمَ والنبوةَ، ثم يقول للناس كونوا عبادًا لي مِنْ دُونِ اللَّهِ، ولا أنْ يأمُرَكم أن تتخذوا الملائكة والنبييِّن أربابًا. لأنَّ الآية نزلتْ في سببِ ¬في م: "سب".¥ القومِ الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريدُ أن نَعبُدَك؟ فأَخْبَرهم اللهُ جلَّ ثناؤُه أنه ليس لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - أن يدْعُو الناسَ إلى عبادةِ نفْسِه، ولا إلى اتخاذِ الملائكةِ والنبييِّن، أربابًا، ولكن الذي له أن يدْعوَهم إلى أن يكونوا رَبانييِّنَ.
فأما الذي ادَّعَى مَن قرأ ذلك رفعًا أنه في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (ولن يأمرَكم). اسْتِشهادًا لصحةِ قراءتِه بالرفع، فذلك خبرٌ غير صحيحٍ سَنَدُه، وإنما هو خبرٌ رواه حجاجٌ، عن هارون الأعورِ ¬في م: "لا يجوز". ورسمه في باقي النسخ أقرب إلى المثبت. ينظر غاية النهاية 2/ 348، وتهذيب الكمال 30/ 115.¥ أنّ ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ كذلك، ولو كان ذلك خبرًا صحيحًا سَندُه، لم يكن فيه لمحتجٍّ حجةٌ؛ لأنّ ما كان على صحته من القراءة من الكتابِ الذي قد جاء به المسلمون وِراثة عن نبيِّهم - صلى الله عليه وسلم - لا يجوزُ تركُه، لتأويلٍ على ¬في م: "نحو".¥ قراءةٍ أضِيفت إلى بعض الصحابة، بنقل من يجوز في نقله الخطأُ والسهو.
فتأويلُ الآية إذن: وما كان للنبيِّ أنْ يأمُر ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: كما نهى".¥ الناس أن يتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا - يعني بذلك: آلهةً يُعبدون مِن دونِ اللَّهِ - كما ليس له أن يقول لهم: كونوا عبادًا لي مِن دونِ اللهِ. ثم قال جل ثناؤه نافيًا عن نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - أن يأمر عبادَه بذلك: {أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ} أيها الناسُ، نَبيُّكم، بجُحود وحْدانية اللهِ، {بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}. يعني: بعد إذ أنتم له مُنقادون بالطاعة، مُتذَلِّلُونَ له بالعبودةِ. أي: إِنَّ ذلك غيرُ كائنٍ منه أبدًا.
وقد حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: ولا يأمرُكم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تتخذوا الملائكةَ والنبيِّين أربابًا ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 47 إلى المصنف وابن المنذر.¥.