تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: فأرسَلنا على عادٍ ريحًا صرصرًا.
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الصرصرِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك أنها ريحٌ شديدةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى ¬بعده في ت:1: "وحدثني الحارث".¥، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {رِيحًا صَرْصَرًا}. قال: شديدةً.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {رِيحًا صَرْصَرًا}: شديدةَ السمومِ عليهم ¬تفسير مجاهد ص 585 وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 362 إلى عبد بن حميد.¥.
وقال آخرون: بل عُنِى بها أنها باردةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا}. قال: الصرصر: الباردةُ.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: {رِيحًا صَرْصَرًا}. قال: باردةً ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 184 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 362 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {رِيحًا صَرْصَرًا}. قال: باردةً ذاتَ الصوت ¬ذكره الطوسى في التبيان 9/ 113، والقرطبي في تفسيره 15/ 347 بنحوه.¥.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {رِيحًا صَرْصَرًا}. يقولُ: ريحٌ فيها بردٌ شديدٌ.
قال أبو جعفرٍ: وأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مجاهدٍ؛ وذلك أن قولَه: {صَرْصَرًا}. إنما هو صوتُ الريحِ إذا هبَّت بشدةٍ، فسُمِع لها ¬بعده في ت 1: "صوت".¥، كقولِ قائلٍ: "صرَّر" ¬في الأصل: "صر"، وفى ص، ت 1، ت 2: "صريم"، ينظر التاج (ص ر ر).¥. ثم جُعِل ذلك من أجلِ التضعيفِ الذي في الراءِ، فقال: ثم أُبدِلت إحدى الراءاتِ صادًا لكثرةِ الراءاتِ، كما قيل في ردَّده: ردْرَده. وفي نهَّهه ¬في ت:1 "نهنهه". والنهنهة: الكفُّ والمنع. اللسان (نهنه).¥:
نهنهه. كما قال رؤبة ¬تقدم في 6/ 177، 178.¥:
فَالْيَوْمَ قَدْ نَهْنَهَنِي تَنَهْنُهى
وأَوْلُ حِلْمٍ لَيْسَ بالمُسَفَّهِ
وكما قيل في كفَّفَه: كفْكَفه. كما قال النابغةُ ¬ديوانه ص 250.¥:
أُكَفْكِفُ عَبْرَةً غَلَبَتْ عَزَائي ¬في ص، م: "عُداتى".¥ ... إِذا نَهْنَهْتُها عادَتْ ذُباحا ¬الذُّباج: القتل. وأخذوهم بالذباح، أي ذبحوهم. اللسان (ذ ب ح).¥
وقد قيل: إن النهَرَ الذي يُسمَّى صَرْصرًا، إنما سُمِّي بذلك لصوتِ الماءِ الجارِى فيه، وإنه "فعلل" مِن "صرَّر" [نظيرُ الريحِ الصرصرِ] ¬سقط من: ت 2 ت 3.¥.
وقولُه: {فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ}. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ النَّجِسات؛ فقال بعضُهم: غُنِى بها: المتتابِعاتُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: {فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ}. قال: أيامٍ متتابِعاتٍ، أَنزَلَ اللَّهُ فيهنَّ ¬في ص، ت،2 ت: "فيه"، وفى ت 1: "فيها".¥ العذابَ.
وقال آخرون: عُنِى بذلك: المشائيمُ ¬في ص، ت،2، ت 3: "المشائم".¥.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ}. قال: مشائيمَ ¬تفسير مجاهد ص 585، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 302.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ: {فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ}: أيامٍ واللَّهِ كانت مشئوماتٍ على القومِ.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: النحِساتُ: المشئوماتُ النَّكِداتُ ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 184 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 362 إلى عبد بن حميد.¥
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ}. قال: أيام مشئوماتٍ عليهم ¬ذكره الطوسي في التبيان 9/ 113.¥.
وقال آخرون: معنى ذلك: أيامٍ ذاتِ شرٍّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ}. قال: النَّحْسُ: الشرُّ، أرسل عليهم ريحَ شرٍّ، ليسَ فيها من الخيرِ شيءٌ.
وقال آخرون: النَّحِساتُ: الشِّدادُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ}. قال: شِدادٍ ¬ذكره القرطبي في تفسيره 15/ 348.¥.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى بها أنها ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "أيام".¥ مشائيمُ ذاتُ نحوسٍ؛ لأن ذلك هو المعروفُ من معنى النحسِ في كلامِ العربِ.
وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامَّة قرأةِ الأمصارِ، غيرَ نافعٍ وأبى عمرٍو: {فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ} بكسرِ الحاءِ. وقرَأه نافعٌ وأبو عمرٍو: (نَحْساتٍ) بسكونِ الحاء. وكان أبو عمرٍو، فيما ذُكر لنا عنه، يحتجُّ لتسكينهِ الحاءَ بقولِه: {يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ} [القمر: 19]. وأن الحاءَ فيه ساكنةٌ ¬ينظر حجة القراءات ص 635.¥.
والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ مع اتفاقِ معنيَيهما، وذلك أن تحريكَ الحاءِ وتسكينَها في ذلك لغتانِ معروفَتانِ، يقالُ: هذا يوم نحِسٌ، ويومٌ نَحْسٌ. بكسرِ الحاءِ وسكونِها، قال الفرَّاءُ: أنشَدني بعضُ العربِ:
أبْلِغْ جُذَامًا وَلَخْمًا أنَّ إخْوَتَهُمْ ... طَيًّا وبَهْرَاءَ قَوْمٌ نَصْرُهُمْ نَحِسُ ¬معاني القرآن للفراء 3/ 14.¥
وأما من السكون فقولُ اللَّهِ: {يَوْمِ نَحْسٍ}، ومنه قولُ الراجزِ:
يَوْمَيْنِ غَيْمَيْنِ وَيَوْمًا شَمْسًا
نَجْمَيْنِ بالسَّعْدِ ونَجْمًا نَحْسا
فمن كان من ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "في".¥ لغتِه: يوْمُ نَحْسٌ. قال: (فِي أيامٍ نَحْساتٍ). ومن كان من ¬¥ لغتِهِ: يَوْمٌ نَحِسٌ قال: {فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ}. وقد قال بعضُهم: النحِسَ بسكونِ الحاءِ: هو الشؤمُ نفسه، وإن إضافةَ اليومِ إلى النحْسِ، إنما هو إضافةٌ إلى الشؤمِ، وأن النحِسَ بكسرِ الحاءِ نعتٌ لليومِ بأنه مشئومٌ؛ ولذلك قيل: {فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ}؛ لأنها أيامٌ مشائيمُ.
وقوله تعالى ذكرُه: {لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}. [يقولُ تعالى ذكرُه لننالَهم بهوانٍ في حياتِهم الدنيا بما نزَل بهم من العذابِ، {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى}] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولَعذابُنا إياهم في الآخرةِ أخزَى لهم وأشدُّ إهانةً وإذلالًا، {وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ}. يقولُ: وهم، يعنى عادًا، لا ينصرُهم من اللَّهِ يومَ القيامةِ إذا عذَّبهم ناصرٌ، فينقِذَهم منه، أو ينتصرَ لهم.