تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولَه: {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (26)}
يقولُ تعالى ذكرُه: ويُجِيبُ اللهُ ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ الذين آمنوا باللهِ ورسولهِ، وعمِلوا بما أمرَهم اللهُ به وانْتَهَوْا عما نهاهم عنه، لبعضهم دعاءَ بعضٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عَثَّامٌ، قال: ثنا الأعمشُ، عن شَقِيقٍ بن سَلَمَةَ، عن سَلَمةَ بن سَبْرةَ، قال: خطَبَنا معاذٌ فقال: أنتم المؤمنون، وأنتم أهلُ الجنةِ، واللهِ إنى لأَرْجُو أن مَن تُصِيبون مِن فارسَ والرومِ يَدْخُلون الجنةَ؛ ذلك بأن أحدَهم إذا عمِل لأحدِكم العملَ قال: أحسنتَ رحِمك اللهُ، أَحْسَنتَ غَفَر الله لك. ثم قرَأ: {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 7/ 193، والحاكم 2/ 444 من طريق الأعمش به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 8 إلى ابن المنذر.¥.
وقولُه: {وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ}. يقولُ تعالى ذكرُه: ويزيدُ الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ - مع إجابتِه إياهم دعاءَهم، وإعطائِه إياهم مسألتَهم - من فضلِه، على مسألِتهم إياه؛ بأن يُعْطِيَهم ما لم يَسْأَلُوه.
وقيل: إن ذلك الفضلَ الذي ضمِن جلَّ ثناؤُه أَن يَزِيدَهموه، هو أن يُشَفِّعَهم في إخوانِ إخوانهم إذا هم شُفِّعوا في إخوانهم، فشَفَعوا فيهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أَبي سَلَمَةَ، عن سعيدِ بَشيرٍ، عن قتادةَ، عن [أبى إبراهيمَ اللخميِّ] ¬في م: "إبراهيم النخعي"، وفى ت 2 ت 3: "ابن أبي إبراهيم".¥، في قولِ اللهِ: {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}. قال: يُشَفَّعون في إخوانِهم، {وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ}. قال: يُشَفَّعون في إخوانِ إخوانهم ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 8 إلى المصنف.¥.
وقولُه: {وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}. يقولُ جلَّ ثناؤُه: والكافرون باللهِ لهم يومَ القيامةِ عذابٌ شديدٌ على كفرِهم به.
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في معنى قولِه: {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}. فقال [بعضُ نحويِّى البصرةِ: ويَستجيبُ الذين آمنوا] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "بعضهم".¥: أي: استجابوا ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "استجاب".¥. فجعَلَهم هم الفاعلين، فـ {الَّذِينَ} في قولِه رفعٌ، والفعلُ لهم. وتأويلُ الكلامِ على هذا المذهبِ: واسْتَجاب الذين آمَنوا وعمِلوا الصالحاتِ لربِّهم إلى الإيمانِ به، والعملِ بطاعتهِ إذ دعاهم إلى ذلك.
وقال آخرُ منهم: بل معنى ذلك: ويُجيبُ الذين آمنوا. وهذا القولُ يَحْتَمِلُ وجهين؛ أحدُهما النَّصبُ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "الرفع".¥، بمعنى: ويُجِيبُ الله الذين آمنوا. والآخرُ ما قاله صاحبُ القولِ الذي ذكَرناه.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ ¬هو الفراء في معاني القرآن 3/ 24.¥: {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا}. يكونُ {الَّذِينَ} في موضعِ نصبٍ بمعنى: ويُجِيبُ الله الذين آمنوا. وقد جاء في التنزيلِ: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} [آل عمران: 195]، والمعنى، [واللهُ أعلمُ: فأجابهم] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "فأجاب لهم"¥. ربُّهم، إلا أنك إذا قلتَ: استجاب. أدْخَلْتَ اللامَ في المفعولِ، وإذا قلتَ: أجاب. حذَفْتَ اللامَ، ويكونُ "اسْتَجابهم" بمعنى: اسْتَجاب لهم. كما قال: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [المطففين: 3]. والمعنى، والله أعلم: وإذا كالوا لهم أو وزَنوا لهم يُخْسِرُون. قال: ويكون {الَّذِينَ} في موضعِ رفعٍ إن يُجْعَلِ الفعلُ لهم، أي:
الذين آمنوا يَسْتَجِيبون لله، ويزيدُهم على إجابِتهم والتصديقِ من فضلِه. وقد بيَّنا أن الصوابَ في ذلك مِن القولِ على ما تأوَّله معاذٌ ومَن ذكَرْنا قولَه فيه.