Tafsir for this Ayah

Surah 5 : Ayah 107

Surah 5 : Ayah 107

فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْمًا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْأَوْلَيَـٰنِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَـٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَـٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّآ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ

If they are found guilty [of false testimony], let two others take their place, nearest in kin from among those who claim a lawful right, and let them swear by Allah, “Our testimony is more truthful than their testimony, and we have not transgressed, for then we would surely be among the wrongdoers.”

No Tafsir is available in the selected language for this Ayah. Showing an available text.

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ}.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: {فَإِنْ عُثِرَ}: فإن اطُّلِع منهما ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "فيهما".¥ أو ¬في س: "أي".¥ ظهَر.
وأصلُ العَثْرِ الوقوعُ على الشيءِ والسقوطُ عليه، ومن ذلك قولُهم: عثَرَت إصْبعُ فلانٍ بكذا، إذا صدَمَته وأصابَتْه ووقَعَت عليه. ومنه قولُ الأعشى ميمونِ بن قيس ¬ديوانه ص 103.¥:
بذاتِ لَوْثٍ ¬اللوث: القوة. اللسان (ل و ث).¥ عَفَرْنَاةٍ ¬عفرناة: قوية. اللسان (ع ف ر).¥ إذا عثَرَتْ ... فالتَّعْسُ ¬التعس: ألا ينتعش العاثر من عثرته، وأن ينكس في سفال. اللسان (ت ع س).¥ أدْنى لها مِن أن أقولَ لَعَا ¬لعًا: كلمة يدعى بها للعاثر، معناها الارتفاع. اللسان (ل ع و).¥
يعنى بقولِه: عثَرَت: أصاب مَنْسِمُ ¬في م: "الميسم". والمنسم: طرف خُفّ البعير اللسان (ن س م).¥ خُفِّها حجرًا ¬في م: "حجر".¥ أو غيرَه. ثم يُسْتَعْمَلُ ذلك في كلِّ واقعٍ على شيءٍ كان عنه خفيًّا، كقولِهم: عثَرَتْ على الغَزْلِ بأَخَرَةٍ، فلم تَدَعْ بِنَجْدٍ قَرَدَةً ¬القرد: ما تمعَّط من الإبل والغنم من الوبر والصوف والشعر.
قال الأصمعي: أصله أن تدع المرأة الغزل وهى تجد ما تغزله من قطن أو غيره، حتى إذا فاتها تتبعت القرد في القمامات، فتلقطها فتغزلها. وهو مثل يضرب لمن ترك الحاجة وهى ممكنة، ثم جاء يطلبها بعد الفوت. ينظر مجمع الأمثال للميداني 2/ 321.¥. بمعنى: وقَعَت.
وأما قولُه: {عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا}. فإنه يقولُ تعالى ذكرُه: فإن اطُّلِع مِن الوصِيَّيْن اللذين ذكَر اللهُ أَمْرَهما في هذه الآيةِ بعدَ حلِفِهما باللَّهِ: لا نَشْتَرِى بأيمانِنا ثمنًا ولو كان ذا قربى، ولا نَكْتُمُ شهادةَ اللهِ - {عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا}. يقولُ: على أنهما اسْتَوْجَبا بأيمانِهما التي حلَفا بها إثمًا، وذلك أن يُطَّلَعَ على أنهما كانا كاذِبَيْن في أيمانِهما باللَّهِ: ما خُنَّا، ولا بدَّلْنا، ولا غيَّرْنا. فإن وُجِدا قد خانا مِن مالِ الميتِ شيئًا، أو غيَّرا وصيتَه، أو بَدَّلا، فأثِما بذلك من حلِفِهما ¬في ص: "بأمرهما"، وفي ت 1: "أمرهما".¥ بربِّهما، {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا}. يقولُ: يقومُ حينَئذٍ مَقامَهما مِن ورثةِ الميتِ الأَوْلَيان ¬في ص، ت 1: "وأولياء".¥ الموصَى إليهما.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}. قال: إذا كان الرجلُ بأرضِ الشركِ، فأَوْصَى إلى رجلين مِن أهلِ الكتابِ، فإنهما يَحْلِفان بعدَ العصرِ، فإذا اطُّلعِ عليهما بعدَ حلِفِهما أنهما خانا شيئًا، حلَف أولياءُ الميتِ أنه كان كذا وكذا، ثم اسْتَحَقُّوا ¬تقدم أوله في ص 76.¥.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ بمثلِه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}: مِن غيرِ المسلمين، {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ}، فإن ارْتِيب ¬في ص، ت 1، س: "ارتبت".¥ في شهادتِهما اسْتُحْلِفا بعدَ الصلاةِ باللهِ: ما اشْتَرَيْنا بشهادتِنا ثمنًا قليلًا. فإن اطَّلَع الأولياءُ على أن الكافرَينِ كذَبا في شهادتِهما، قام رجلان من الأولياءِ فحلَفا باللهِ: إن شهادةَ الكافرَيْنِ باطلةٌ ¬في ص، ت 1، ت 2 ت 3، س: "باطل".¥، وإنا لم نَعْتَدِ. فذلك قولُه: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا}. يقولُ: إِن اطَّلِع على أن الكافرَيْنِ كذَبا، {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا}. يقولُ: مِن الأولياءِ ¬في ت 1، والناسخ للنحاس، ومطبوعة الدر: "الأوليان".¥، فحلَفا باللهِ: إن شهادةَ الكافرَينِ باطلةٌ، وإنا لم نَعْتَدِ. فتُرَدُّ شهادةُ الكافرَينِ، وتجوزُ شهادةُ الأولياءِ ¬ينظر ما تقدم تخريجه في ص 73.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا}: أي: اطُّلع منهما على خيانةٍ، أنهما كذَبا أو كتَما ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 344 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي له حكَم اللهُ تعالى ذكرُه على الشاهدَيْن بالأيمانِ، فنقَلَها ¬في ص، ت 1: "فمن نقلها".¥ إلى الآخَرَيْن بعدَ أن عُثِر عليهما أنهما اسْتَحَقَّا إثمًا؛ فقال بعضُهم: إنما أَلْزَمَهما اليمينَ إذا [ارْتيب في شهادتِهما] ¬في ص، ت 1، "ارتبت بشهادتهما"، وفى س: "ارتيب بشهادتهما".¥ على الميتِ في وصيتِه، أنه أوْصَى بغيرِ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "لغير".¥ الذي يَجوزُ في حكمِ الإسلامِ، وذلك أن يَشْهَدَا ¬في م: "يشهد"، وفي ت 1: "يشهدوا".¥ أنه أوْصَى بمالِه كلِّه، أو أوْصَى أن يُفَضَّلَ بعضُ ولدِه ببعضِ مالِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} إلى قولِه: {ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}: مِن أهلِ الإسلامِ، {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}: مِن غيرِ أهلِ الإسلامِ، {إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ} إلى: {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ}. يقولُ: فيَحْلِفان باللهِ بعدَ الصلاةِ، فإن حلَفا على شيءٍ يُخالِفُ مَا أَنْزَلَ اللهُ تعالى ذكرُه مِن الفَريضةِ - يعني اللذين ليسا مِن أهلِ الإسلامِ - {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا}: مِن أولياءِ الميتِ، فيَحْلِفان باللهِ: ما كان صاحبُنا لِيُوصِىَ بهذا، و ¬في م: "أو".¥ إنهما لكاذبان، ولَشَهادتُنا أحقُّ مِن شهادتِهما ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1231، 1233 (6942، 6955، 6958) عن محمد بن سعد به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: يُوقَفُ الرجلان بعدَ صلاتِهما في دينِهما، فيَحْلِفان باللهِ: لا نَشْترى به ثمنًا ولو كان ذا قُرْبَى، ولا نَكْتُمُ شهادةَ اللهِ، إنا إذن لمن الآثمين، إنَّ صاحبَكم لَبهذا أوْصَى، وإن هذه لتَركتُه. فإذا شهِدا، وأجاز الإمامُ شهادتَهما على ما شهِدا، قال لأولياءِ الرجلِ: اذْهَبوا فاضْرِبوا في الأرضِ واسْأَلُوا عنهما، فإن أنتم وجَدْتُم عليهما خِيانةً، أو أحدًا يَطْعُنُ عليهما ردَدْنا شهادتَهما. فيَنْطَلِقُ الأولياءُ فيَسْأَلُون، فإن وجَدوا أحدًا يَطْعُنُ عليهما، أو هما غيرُ مرضِيَّيْن عندَهم، أو اطُّلِع على أنهما خانا شيئًا من المالِ وجَدوه عندَهما، أقْبل ¬سقط من: س، وفى ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "فأقبل". والسياق يقتضى ما أثبت.¥ الأولياءُ فشهِدوا عندَ الإمامِ، وحلفوا باللهِ: لشَهادتُنا أنهما لخَائنان مُتَّهمان في دينِهما، مَطْعونٌ عليهما، أحقُّ مِن شهادتِهما بما شهِدا، وما اعْتَدَيْنا. فذلك قولُه: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَا
نِ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1231، 1233، 1234 (6943، 6957، 6959) من طريق أحمد بن مفضل به نحوه.¥.
وقال آخرون: بل إنما أُلْزِم الشاهدان اليمينَ لأنهما ادَّعَيا أنه أوْصَى لهما ببعضِ المالِ، وإنما يُنْقَلُ إلى الآخَرَيْن مِن أجلِ ذلك، إذا ارْتابا ¬في م: "ارتابوا".¥ بدَعْواهما.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى القَزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سُوَيْدٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ في قولِه: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ}. قال: زعَما أنهما ¬في م: "أنه".¥ أوْصَى لهما بكذا وكذا، {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا}: أي بدَعواهما لأنفسِهما، {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ}: إن صاحبَنا لم يُوصِ إليكما بشيءٍ مما تقولان.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن الشاهدَيْن أُلْزِما اليمينَ في ذلك باتهامِ ورثةِ الميتِ إياهما فيما دفَع إليهما الميتُ مِن مالِه، ودَعواهم قِبَلَهما خيانةَ مالٍ معلومِ المبلغِ، ونُقِلَت بعدُ إلى الورثةِ عندِ ظهورِ الرِّيبةِ التي كانت مِن الورثةِ فيهما، وصحةِ التهمةِ عليهما، بشهادةِ شاهدٍ عليهما أو على أحدِهما، فيَحْلِفُ الوارثُ حينَئذٍ مع شهادةِ الشاهدِ عليهما أو على أحدِهما، إنما صحَّح دَعْواه إذ حُقِّق حقُّه، أو لإقرارٍ ¬في م: "الإقرار".¥ يَكونُ من الشهودِ ببعضِ ما ادَّعَى عليهما الوارثُ أو بجميعِه، ثم دَعْواهما في الذي أقَرَّا به مِن مالِ الميتِ ما لا يُقْبَلُ فيه دَعْواهما إلا ببينةٍ، ثم لا يَكونُ لهما على دعواهما تلك بينةٌ، فيُنْقَلُ حينَئذٍ اليمينُ إلى أولياءِ الميتِ.
وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ؛ لأنا لا نَعْلَمُ مِن أحكامِ الإسلامِ حكمًا يَجِبُ فيه اليمينُ على الشهودِ، ارْتيب بشهادتِهما أو لم يُرْتَبْ بها، فيَكونَ الحكمُ في هذه الشهادةِ نظيرًا لذلك، [ولا - إذْ لم] ¬في م: "ولم".¥ نَجِدْ ذلك كذلك - صحَّ بخبرٍ عن الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -، ولا بإجماعٍ من الأمةِ؛ لأن اسْتِحْلافَ الشهودِ في هذا الموضعِ من حكمِ اللهِ تعالى ذكرُه، فيكونُ أصلًا مُسَلَّمًا، والمَقولُ إِذا خرَج مِن أَن يَكونَ أصلًا أو نظيرًا لأصلِ فيما تَنازَعَت فيه الأمةُ، كان واضحًا فسادُه.
وإذا فسَد هذا القولُ بما ذكَرْنا، فالقولُ بأن الشاهدَيْن اسْتُحْلِفا مِن أجلِ أنهما ادَّعيا على الميتِ وصيةً لهما بمالٍ مِن مالِه - أَفْسَدُ؛ مِن أجلِ أن أهلَ العلمِ لا خلافَ بينَهم في أن مِن حُكْمِ اللهِ تعالى ذكرُه أن مُدَّعِيًا لو ادَّعَى في مالِ ميتٍ وصيةً، أن القولَ قولُ ورثةِ المُدَّعَى في مالِه الوصيةُ مع أيمانِهم، دونَ قولِ مُدَّعِى ذلك مع يمينِه، وذلك إذا لم يَكُنْ للمُدَّعِى بينةٌ. وقد جعَل اللهُ تعالى ذكرُه اليمينَ في هذه الآيةِ على الشهودِ إذا ارْتِيب بهما، وإنما نُقِل الأيمانُ عنهم إلى أولياءِ الميتِ إذا عُثر على أن الشهودَ اسْتَحَقَّوا إثمًا في أيمانِهم، فمعلومٌ بذلك فسادُ قولِ مَن قال: أُلْزِم اليمينَ الشهودُ لدَعْواهم لأنفسِهم وصيةً أَوْصَى بها لهم الميتُ مِن مالِه.
على أن ما قلنا في ذلك عن أهلِ التأويلِ، هو التأويلُ الذي ورَدَت به الأخبارُ عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضَى به حينَ نزلَت هذه الآيةُ، بينَ الذين نزَلَت فيهم وبسببِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن يحيى بن أبي زائدةَ، عن محمدِ بن أبي القاسمِ، عن عبدِ الملكِ بن سعيدِ بن جبيرٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: خرَج رجلٌ مِن بنى سَهْمٍ مع تميمٍ الداريِّ وعديِّ بن بَدَّاءَ، فمات السَّهميُّ بأَرضٍ ليس فيها مسلمٌ، فلما قدِما ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "قدموا".¥ بتركتِه فقَدوا جامًا ¬الجام: الإناء. اللسان (ج و م).¥ من فضةٍ مُخَوَّصًا بالذهبِ ¬أي: عليه صفائح الذهب مثل خوص النخل. النهاية 2/ 87.¥، فأَحْلَفَهما رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ثم وجد الجامُ بمكةَ، فقالوا: اشْترَيْناه مِن تميمٍ الداريِّ وعديِّ بن بَدَّاءَ. فقام رجلان من أولياءِ السَّهْميِّ، فحلَفا: لشهادتُنا أحقُّ من شهادتِهما، وإن الجامَ لصاحبِهم، قال: وفيهم أُنْزِلَت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} ¬أخرجه الترمذى (3060) عن سفيان بن وكيع به، وأخرجه البخارى (2780) في تاريخه 1/ 215، وأبو داود (3606)، والبيهقى 10/ 165 من طريق يحيى بن آدم به، وأخرجه النحاس في ناسخه ص 408، والطبراني (12509)، 17/ 110 (268) من طريق يحيى بن أبي زائدة به، وعزاه السيوطي في الدر 2/ 342 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ
وابن مردويه.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ [أحمدَ بن] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ أبي شعيبٍ الحَرَّانيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سلَمةَ الحَرَّانيُّ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن أبي النَّضْرِ، عن باذانَ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "زاذان"، وفى س: "داود"، وينظر تهذيب الكمال 4/ 6.¥ مولى أمِّ هانيءٍ ابنةِ أبي طالبٍ، عن ابن عباسٍ، عن تميمٍ الداريِّ في هذه الآيةِ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ}. قال: برِئ الناسُ منها غيرى وغيرَ عديِّ بن بَدَّاءَ. وكانا نصرانيَّين يَخْتَلِفان إلى الشامِ قبلَ الإسلامِ، فأتَيا الشامَ لتجارتِهما، وقدِم عليهما مولًى لبنى سَهْم يقالُ له: بُدَيْلُ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "بريل"، وفى س "بزسل". - تصحيف: بزيل - وقال الحافظ في الفتح 5/ 411: ووقع في رواية الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس عن تميم نفسه عند الترمذى والطبري - وهى روايتنا هنا بديل .. ورأيته في نسخة صحيحة من تفسير الطبري: بريل. براء بغير نقطة. ويقال أيضا: بزيل، وبرير. ينظر الإكمال 1/ 264، والإصابة 1/ 274.¥ بنُ أَبي مريمَ. بتجارةٍ، ومعه جامُ فضةٍ يُرِيدُ به الملكَ، وهو ¬في ص، ت 1: "هي".¥ عُظْمُ تجارتِه، فمر
ِض، فأَوْصَى إليهما، وأمَرَهما أن يُبْلِغا ما ترَك أهلَه. قال تَميمٌ: فلما مات أخَذْنا ذلك الجامَ فبَعْناه بألفِ درهمٍ، فقسَمْناه أنا وعديُّ بنُ بَدَّاءَ [فلمَّا قدِمْنا إلى أهلِه دفَعْنا إليهم ما كان معنا، وفقَدوا الجامَ فسأَلونا عنه] ¬سقط من النسخ، والمثبت من مصادر التخريج.¥، فقلنا: ما ترَك غيرَ هذا، وما دفَع إلينا غيرَه. قال تَميمٌ: فلما أَسْلَمْتُ بعدَ قدومِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ تَأَثَّمْتُ مِن ذلك، فأَتَيْتُ أهلَه فأخبرْتُهم الخبرَ، وأدَّيْتُ إليهم خمسَمائةِ درهمٍ، وأخْبرتُهم أن عندَ صاحبى مثلَها، [فوثبُوا إليه] ¬سقط من: م، ت 2.¥، فأتَوْا به ¬سقط من: ص، ت 1.¥ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسأَلهم البينةَ، فلم يَجِدوا، فأمرَهم أن يَسْتَحْلِفوه بما يُعَظَّمُ به على أهلِ دينِه، فحلَف، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى ذكرُه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} إلى قولِه: {أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ}. فقام عمرُو بنُ العاصِ ورجلٌ آخرُ منهم، فحلَفا، فنُزِعَتِ الخمسُمائةِ من عديِّ بن بَدَّاءَ ¬أخرجه الترمذى (3059)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص 409، عن الحسن بن
أحمد به.
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1230، 1231 (6941) من طريق محمد بن سلمة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 341 إلى أبى الشيخ وابن مردويه وأبي نعيم في المعرفة.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ وابنِ سيرينَ وغيرِه، قال: وحدَّثنا الحجاجُ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ - دخَل حديثُ بعضِهم في بعض -: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} الآيةَ. قالوا ¬في م: "قال".¥: كان عديٌّ وتميمٌ الداريُّ، وهما مِن لَخْمٍ، نصرانيَّان، يَتَّجِران إلى مكةَ في الجاهليةِ، فلمَّا هاجَر رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حوَّلا مَتْجَرَهما إلى المدينةِ، فقدِم ابن أبي ماريَةَ مولى عمرِو بن العاصِ المدينةَ، وهو يُرِيدُ الشامَ، تاجرًا، فخرَجوا جميعًا، حتى إذا كانوا ببعضِ الطريق مرِض ابن أبى ماريةَ، فكتَب وصيَّتَه بيدِه، ثم دسَّها في متاعِه، ثم أوْصَى إليهما، فلما مات فتَحا متاعَه، فأخَذا ما أرادا، ثم قدِما على أهلِه، فدفَعا ما أرادا، ففتَح أهلُه متاعَه، فوجَدوا كتابَه وعهدَه، وما خرَج به، وفقَدوا ¬في ص، ت 1: "قعدوا"، وفى س: "ولم يجدوا".¥ شيئًا، [فسأَلوهما عنه] ¬في ص، س: "وسألوهما عنها"، وفى ت 1: "وسألوهما عنهما".¥ فقالوا: هذا الذي قبَضْنا له، ودفَع إلينا. قال لهما أهلُه: فباع شيئًا، أو ابْتاعَه؟ قالا: لا. قالوا: فهل اسْتَهْلَك ¬استهلك الم
ال: أنفقه وأنفده وأهلكه. اللسان (هـ ل ك)، وقال الشيخ شاكر: أي: أضاعه وافتقده، وهذا حرف لم تقيده كتب اللغة، استظهرت معناه من السياق.¥ مِن متاعِه شيئًا؟ قالا: لا. قالوا: فهل تجَر تجارةً؟ قالا: لا. قالوا: فإنا قد فقَدْنا بعضَه. فأتُّهما، فرفُعوهما إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فنزلَت هذه الآيةُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ}. إلى قولِه: {إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ}. قال: فأَمَر رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يَسْتَحْلِفوهما في دُبُرِ صلاةِ العصرِ باللهِ الذي لا إلهَ إلا هو: ما قبَضْنا له غيرَ هذا، ولا كتَمْنا. قال: فمكَثا ¬في م: "فمكثنا".¥ ما شاء اللهُ أن يَمْكُثا، ثم ظُهِر معَهما على إناءٍ مِن فضةٍ مَنْقوشٍ مُموَّهٍ بذهبٍ، فقال أهلُه: هذا مِن متاعِه؟ قالا: نعم، ولكنا اشْتَرَيْناه منه، ونسِينا أن نذْكُرَه حينَ حلَفْنا، فكرِهْنا أن نُكَذِّبَ أنفسَنا. فتَرافَعوا إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فنزَلتِ ¬سقط من: ص.¥ الآيةُ الأخرى: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ
اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ}. فأمَر رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رجلين مِن أهلِ الميتِ أن يَحْلِفا على ما كتَما، وغيَّبا، ويَسْتَحِقَّانه. ثم إن تميمًا الداريَّ أَسْلَم وبايَع النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وكان يقولُ: صدَق اللهُ ورسولُه، أنا أخَذْتُ الإناءَ ¬أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 210 - 212 عن الحجاج عن ابن جريج عن عكرمة - وحده - به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 342 إلى المصنف وابن المنذر.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} الآية كلّها. قال: هذا شيءٌ حينَ لم يَكُنِ الإسلامُ إلا بالمدينةِ، وكانت الأرضُ كلُّها كفرًا ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "كفر".¥، فقال الله تعالى ذكرُه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}: مِن المسلمين، {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}: مِن غيرِ أهلِ الإسلامِ، {إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ}. قال: كان الرجلُ يَخْرُجُ مُسافرًا، وهم ¬سقط من: م.¥ - العربَ - أهلُ كفرٍ، فعسى أن يَموتَ في سفرِه، فيُسْنِدُ ¬في س: "فينفذ".¥ وصيتَه إلى رجلين منهم، {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ} في أمرِهما، إذا ¬سقط من: س.¥ قال الورثةُ: كان مع صاحبِنا كذا وكذا. فيُقْسِمان باللهِ: ما كان معه إلا هذا الذي قلنا. {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا}: إنما حلَفا على باطلٍ وكذبٍ، {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْ
لَيَانِ} بالميتِ، {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ}، ذكَرْنا أنه كان مع صاحبِنا كذا وكذا، قال هؤلاء: لم يَكُنْ معه ذاك ¬في م، ت 2، س: "قال".¥. ثم عُثِر على بعضِ المتاعِ عندَهما، فلما عُثِر على ذلك رُدَّت القَسَامةُ على وارثِه فأقْسَما، ثم ضمِن هذان. قال اللهُ تعالى ذكرُه: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ} فتَبْطُلَ أيمانُهم، {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}: الكاذبين الذين يَحْلِفون على الكذبِ.
وقال ابن زيدٍ: وقدِم تَميمٌ الداريُّ وصاحبٌ له، وكانا يومَئذٍ مشركَيْن، ولم يكونا أسْلَما، فأَخْبَرا أنهما أوْصَى إليهما رجلٌ، وجاءا ¬في ص، ت 1، ت 3، س: "جاءوا".¥ بتركتِه، فقال أولياءُ الميتِ: كان مع صاحبِنا كذا وكذا ¬بعده في ص، ت 1، ت 3، س: "وكان مع صاحبنا كذا".¥، وكان معه إبريقُ فضةٍ. وقال الآخران: لم يَكُن معه إلا الذي جئْنا به. فحلَفا خلْفَ ¬أي: بعد. التاج (خ ل ف).¥ الصلاةِ، ثم عُثِر عليهما بعدُ والإبريقُ معهما، فلما عُثِر عليهما رُدَّت القَسامةُ على أولياءِ الميتِ بالذي قالوا مع صاحبِهم، ثم ضمَّنهما الذي حلَف عليه الأَوْلَيان.
حدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا الشافعيُّ، قال: أخْبرَنا [أبو سعيدٍ معاذُ بنُ موسى] ¬في م: "سعيد بن معاذ بن موسى"، وفى س: "أبو سعيد عن معاذ بن موسى". وينظر تعجيل المنفعة 2/ 269.¥ الجَعْفَريُّ، عن بُكيرِ ¬في م: "بكر". وينظر تهذيب الكمال 4/ 252.¥ بن معروفٍ، عن مُقاتِلِ بن حَيَّانَ - قال بُكيرٌ ¬دارين: قرية في بلاد فارس على شاطئ البحر. معجم ما استعجم 2/ 538.¥: قال مُقاتِلٌ: أخَذْتُ هذا التفسيرَ عن مجاهدٍ والحسنِ والضحاكِ - في قولِ اللهِ: {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}: أن رجلين نصرانيين من أهل دارِينَ ¬البز: الثياب. الصحاح (ب ز ز).¥، أحدُهما تميميٌّ والآخرُ يَمانيُّ، صاحَبهما مولًى لقريشٍ في تجارةٍ، فركِبوا البحرَ، ومع القرشيِّ مالٌ معلومٌ قد علِمه أولياؤُه؛ مِن بين آنيةٍ وبَزٍّ ¬الرقة: الدراهم المضروبة. الصحاح (ورق).¥ ورِقَةٍ ¬في ص، ت 1، س: "الداري".¥، فمرِض القرشيُّ، فجعَل وصيتَه إلى الداريَّين ¬في ص، ت 1: "جاء".¥، فمات، وقبَض الداريَّان المالَ والوصيةَ، فدفَعاه إلى أولياءِ الميتِ، وجاءا ¬بعده في س: "عليه".¥ ببعضِ مالِه، وأنْكَر القومُ ¬¥ قلةَ المالِ، فقالوا للداريَّين: إن صاحبَنا قد خرج معه بمالٍ أكثرَ مما أتَيْت
ُمونا به، فهل باع شيئًا أو اشْتَرَى شيئًا فوُضِع فيه؟ أو هل طال مرضُه فأَنْفَق على نفسِه؟ قالا: لا. قالوا: فإنكما خنْتُمانا. فقبَضوا المالَ، ورفَعوا أمرَهما إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فأنزَل اللهُ تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} إلى آخرِ الآيةِ. فلمَّا [نزَل: أن يُحْبَسا مِن بعدِ الصلاةِ] ¬في س: "نزلت".¥. أمَر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فقاما بعدَ الصلاةِ، فحلَفا باللهِ [ربِّ السماواتِ] ¬في ص، ت 1، ت 3، س: "وبالسماوات".¥: ما ترَك مولاكم مِن المالِ إلا ما أتَيْناكم به، وإنا لا نَشْتَرِى بأيمانِنا ثمنًا قليلًا مِن الدنيا ولو كان ذا قُرْبى، ولا نَكْتُمُ شهادةَ اللهِ، إنا إذن لمن الآثمين. فلما حلَفا خلَّى سبيلَهما، ثم إنهم وجَدوا بعدَ ذلك إناءً من آنيةِ الميتِ، فأُخِذ الداريَّان، فقالا: اشْتَرَيْناه منه في حياتِه. وكذَبا، فكُلِّفا البينةَ، فلم يَقْدِرا عليها، فرفَعوا ذلك إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى ذكرُه: {فَإِنْ عُثِرَ}. يقولُ: فإن اطُّلِع، {أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا}: يعنى الداريَّين إن كتَما حقًّا، {فَآخَرَانِ} من أولياءِ ا
لميتِ {يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ}: [فيَحْلِفان باللهِ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥: إن مالَ صاحبِنا كان كذا وكذا، وإن الذي يُطْلَبُ قِبَلَ الداريَّين لَحَقٌّ، {وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ}. هذا قولُ الشاهدَيْن أولياءِ الميتِ، {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا}: يعنى الداريَّين والناسَ أن يَعُودوا لمثلِ ذلك ¬أخرجه البيهقى 10/ 164 من طريق يزيد بن صالح عن بكير بن معروف به، ثم أخرجه في 10/ 165 من طريق الربيع به، وأحال لفظه على السابق، وأخرج بعضه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1232 - 1234 (6946، 6954، 6960، 6961، 6963) من طريق بكير به.¥.
قال أبو جعفرٍ: ففيما ذكَرْنا مِن هذه الأخبارِ التي روَيْنا دليلٌ واضحٌ على صحةِ ما قلْنا، مِن أن حكمَ اللهِ تعالى ذكرُه باليمينِ على الشاهدَيْن في هذا الموضعِ، إنما هو مِن أجلِ دعْوى وَرَثتِه على المُسْنَدِ إليهما الوصيةُ خيانةً فيما دفَع الميتُ مِن مالِه إليهما، أو غيرَ ذلك مما لا يَبْرَأُ فيه المُدَّعَى ذلك قِبَلَه إلا بيمينٍ، وأن نقلَ اليمينِ إلى ورثةِ الميتِ بما أَوْجَبه اللهُ تعالى ذكرُه، بعدَ أن عُثِر على الشاهدَيْن [أَنَّهما اسْتَحَقًا إثمًا] ¬سقط من النسخ، والمثبت كما أثبته الشيخ شاكر في تعليقه على هذا الموضوع.¥ في أيمانِهما، ثم ظُهِر على كذبِهما فيها، إنِ القومُ ادَّعَوْا فيما صحَّ أنه كان للميتِ دعوَى، مِن انتقالِ ملكٍ عنه إليهما، ببعضِ ما تَزولُ به الأملاكُ، مما يَكونُ اليمينُ فيها على ورثةِ الميتِ دونَ المدَّعَى، وتكونُ البينة فيها على المدَّعَى - وفسادِ ما خالف في هذه الآية ما ¬في م: "مما".¥ قلنا ¬في ص، ت 1: "قبلنا".¥ مِن التأويلِ.
وفيها أيضًا البيانُ الواضحُ على أن معنى الشهادةِ التي ذكَرَها اللهُ تعالى ذكرُه في أولِ هذه القصةِ، إنما هي اليمينُ، كما قال اللهُ تعالى ذكرُه في مواضعَ أُخَرَ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [النور: 6]. فالشهادةُ في هذا الموضعِ معناها القسَمُ، مِن قولِ القائلِ: أَشْهَدُ باللهِ إنى ¬في م: "إنه".¥ لمن الصادقين. وكذلك معنى قولِه: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ}. إنما هو: قسَمُ بينِكم، {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ} أَن يُقْسِمَ {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} إن كانا اتُّمِنا ¬في م: "ائتمنا".¥ على ما قال فارْتِيب بهما، أو اتُّمِن ¬في م: "ائتمن".¥ آخران من غير المؤمنين فاتُّهِما. وذلك أنّ الله تعالى ذكرُه لمَّا ذكَر نقلَ اليمينِ من اللذين ظُهِر على خيانتِهما إلى الآخرَين قال: {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا}. ومعلومٌ أنّ أولياءَ الميتِ المُدَّعِين قِبَلَ اللذين ظُهِر على خيانتِهما، غيرُ جائزٍ أن يكونا شُهداءَ بمعنى الشهادةِ
التي يُؤْخَذُ بها في الحكمِ حقُّ مُدَّعًى عليه لمُدَّعٍ؛ لأنه لا يُعْلَمُ للهِ تعالى ذكرُه حكمٌ قضَى فيه لأحدٍ بدَعْواه ويمينِه على مُدَّعًى عليه، بغيرِ بينةٍ ولا إقرارٍ من المُدَّعَى عليه ولا برهانٍ.
فإذ كان معلومًا أن قولَه: {لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا}. إنما معناه: قَسَمُنا أحقُّ مِن قسَمِهما. وكان قسَمُ اللذين عُثِر على أنهما أثِما، هو الشهادةَ التي ذكَر اللهُ تعالى ذكرُه في قولِه: {أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا} - صحَّ أن معنى قولِه: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ}. بمعنى الشهادةِ في قولِه: {لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا}. وأنها بمعنى القسم.
واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ}؛ فقرَأ ذلك قرأةُ الحجازِ والعراقِ والشامِ (مِن الذين استُحِقَّ عليهم الأَوْلَيان). بضمِّ التاءِ ¬بضم التاء قرأ نافع وابن كثير - في رواية - وابن عامر وأبو عمرو والكسائي وحمزة، وأبو بكر عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص 248.¥.
ورُوِى عن عليٍّ وأبيِّ بن كعبٍ والحسنِ البصريِّ أنهم قرَءوا ذلك: {مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ}. بفتح التاءِ ¬وهى قراءة حفص عن عاصم. المصدر السابق.¥.
واخْتَلَفَت أيضًا في قراءةِ قولِه: {الْأَوْلَيَانِ}؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والشامِ والبصرةِ: {الْأَوْلَيَانِ} ¬وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر والكسائي، وحفص عن عاصم. السبعة ص 248، وينظر التيسير ص 83.¥.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: "الأوَّلِينَ" ¬وهى قراءة حمزة، وأبى بكر عن عاصم. المصدر السابق.¥.
وذُكِر عن الحسنِ البصريِّ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (من الذين استَحَقَّ عليهم الأَوَّلان) ¬والقراءة شاذة، كما سيذكر المصنف في ص 99. وينظر البحر المحيط 4/ 45.¥.
وأولى القراءتين بالصوابِ في قولِه: {مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ}. قراءةُ مَن قرَأ بضمِّ التاءِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه، مع مُتابَعةِ ¬في ص، ت 1، ت 2 ت 3: "مساعة"، وفى م: "مساعدة".¥ عامةِ أهلِ التأويلِ على صحةِ تأويلِه ¬القراءتان متواترتان، وليست إحداهما أولى بالصواب من الأخرى.¥، وذلك إجماعُ عامتِهم على أن تأويلَه: فآخران مِن أهلِ الميتِ الذين اسْتَحَقُّ المؤتَمنان على مالِ الميتِ الإثمَ فيهم، يَقومان مَقامَ المستحِقَّى ¬في م: "المستحق".¥ الإثمِ فيهما بخيانتِهما ما خانا مِن مالِ الميتِ.
وقد ذكَرْنا قائلى ذلك، أو أكثرَ قائليه، فيما مضَى قبلُ ¬ينظر ما تقدم في ص 72 وما بعدها.¥، ونحن ذاكِرو باقِيهم، إن شاء اللهُ ذلك.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ}: أن يَموتَ المؤمنُ فيَحْضُرَ موتَه مسلمان أو كافران، لا يَحْضُرُه غيرُ اثنين منهم، فإن رضِى ورَثتُه ما عاجَل ¬كذا في النسخ، وفى تفسير مجاهد: "شهدوا"، وفي الدر المنثور: "غابا".¥ عليه مِن تركتِه فذاك، وحلَف الشاهدان إن اتُّهِما: إنهما لصادقان، {فَإِنْ عُثِرَ}: وُجِد لَطْخٌ ¬سقط من: س، وفى ص بقدر كلمتين، وفى ت 1، ت 2، ت 3 بقدر سطر ونصف، وكتب فيه: كذا وجدت. وبعده في مصدرى التخريج: "أو لبس أو تشبيه".
ويقال: لُطخ فلانٌ بشرٍّ: رمى به، ولطخت فلانا بأمر قبيح: رميته به. والمراد هنا: الاتهام. ينظر اللسان والتاج (ل ط خ).¥، حلَف الاثنان الأَوْلَيان مِن الورثةِ، فاسْتَحَقًّا، وأَبْطَلا أيمانَ الشاهدَيْن ¬تفسير مجاهد ص 318 وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 343 إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.¥.
وأَحْسَبُ أن الذين قرَءوا ذلك بفتحِ التاءِ أرادوا أن يُوَجِّهوا تأويلَه إلى: فآخران يقومان مقامَ المُؤْتَمَنين اللذين عُثِر على خيانتِهما في القسَمِ، والاسْتَحقاقِ به عليهما دَعْواهما قِبَلَهما، مِن الذين اسْتَحَق على المُؤْتَمَنين على المالِ على خيانتِهما القيامَ مقامَهما في القسَمِ والاستحقاقِ ¬بعده في م: "في".¥، الأوْلَيان بالميتِ.
وكذلك كانت قراءةُ مَن رُوِيَت هذه القراءةُ عنه، فقرَأ ذلك: هو {مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ ¬سقط من: م.¥}؛ {اسْتَحَقَّ ¬سقط من: م.¥} بفتحِ التاءِ، [و {الْأَوْلَيَانِ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 344 إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد وأبي عبيد وابن المنذر وأبى الشيخ.¥. على معنى: الأوليان بالميتِ ومالِه.
وذلك مذهبٌ صحيحٌ، وقراءةٌ غيرُ مدفوعةٍ صحتُها، غيرَ أنا نَخْتارُ الأُخرى؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليها، مع موافقتِها التأويلَ الذي ذكَرْنا عن الصحابةِ والتابعين.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبدِ الرحمنِ وكُرَيْبٍ، عن عليٍّ أنه كان يَقْرَأُ: {مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ} ¬في النسخ: "وائل مولى أبي عبيد". وينظر تهذيب الكمال 30/ 408.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، عن حمادِ بن زيدٍ، [عن واصلٍ مَوْلَى أبي عُيينةَ] ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 344 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن عدى عن أبي مجلز عن أبيِّ بن كعب، وفيه قصة.¥، عن يحيى بن عُقَيْلٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ، عن أبيِّ بن كعبٍ أنه كان يَقْرَأُ: {مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ} ¬¥.
وأما أولى القراءاتِ بالصوابِ في قولِه: {الْأَوْلَيَانِ}. عندى، فقراءةُ مَن قرَأ: {الْأَوْلَيَانِ} ¬بل قراءة (الأوليان) و (الأوّلين) كلتاهما صواب، وليست إحداهما أولى من الأخرى.¥. بصحةِ ¬الباء هنا للسببية. وينظر مغنى اللبيب بحاشية الأمير، 1/ 97، والجنى الداني ص 39.¥ معناها؛ وذلك لأن ¬سقط من: ص، ت 1.¥ معنى: {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ [عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ}: فآخران يَقومان مَقامَهما مِن الذين استحقَّ] ¬سقط من النسخ، والمثبت من تحقيق الشيخ شاكر.¥ فيهم الإثمُ. ثم حُذِف الإثمُ وأُقِيم مُقامَه الأوليان؛ لأنهما هما اللذان ظلَما وأثِما فيهما، بما كان مِن خيانةِ اللذين اسْتَحَقَّا الإثمَ، وعُثِر عليهما بالخيانةِ منهما، فيما كان أتَّمَنهما عليه الميتُ. كما قد بيَّنا فيما مضَى مِن فعلِ العربِ مثلَ ذلك؛ مِن حذفِهم الفعلَ اجتزاءً بالاسمِ، وحذْفِهم الاسمَ اجْتزاءً بالفعلِ ¬يعنى بالفعل هنا المصدر كما تقدم.¥. ومِن ذلك ما قد ذكَرْنا في تأويلِ هذه القصةِ، وهو قولُه: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ}. ومعناه: أن يَشْهَدَ اثنان. وكما قال: {ف
َيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا}. فقال: {به}. فعاد بالهاءِ على اسمِ اللهِ، وإنما المعنى: لا نَشْتَرِى بقسَمِنا باللهِ. فَاجْتُزِئَ بالعودِ على اسمِ اللهِ بالذكرِ، والمرادُ به: لا نَشْتَرِى بالقسمِ باللهِ. اسْتِغْناءً ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "استغنى".¥ بفهمِ السامعِ بمعناه مِن ¬في م: "عن".¥ ذكرِ اسمِ القسمِ. وكذلك اجتُزِئ بذكرِ الأَوْلَيَيْن مِن ذكرِ الإثمِ الذي اسْتَحَقه الخائنان لخيانتِهما إياهما ¬في م: "إياها".¥، إذ كان قد جرَى ذكرُ ذلك بما أغْنَى السامعَ عندَ سَماعِه إياه مِن (7) إعادتِه، وذلك قولُه: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا}.
وأما الذين قرَءوا ذلك: (الأوَّلِينَ). فإنهم قصَدوا في معناه إلى الترجمةِ به عن {الَّذِينَ}. فأخْرَجوا ذلك على وجه الجمعِ، إذ كان {الَّذِينَ} جميعًا ¬في م: "جمعا".¥، وخفضًا؛ إذ كان {الَّذِينَ}. مخفوضًا. وذلك وجهٌ مِن التأويلِ، غيرَ أنه إنما يُقالُ للشيءِ: أوَّلٌ. إذا كان له آخِرٌ هو له أوَّلٌ، وليس للذين اسْتحقَّ عليهم الإثمُ آخِرٌ، هم له أولٌ، بل كانت أيمانُ الذين عُثِر على أنهما استحقَّا إثمًا قبلَ أيمانِهم، فهم إلى أن يكونوا - إذ كانت أيمانُهم آخِرًا - أولى أن يكونوا آخِرين مِن أن يكونوا أولِين، وأيمانُهم آخِرةٌ لأُولى قبلُها.
وأما القراءةُ التي حُكِيَت عن الحسنِ، فقراءةٌ عن قراءةِ الحجةِ مِن القرأةِ شاذةٌ، وكفَى بشُذوذِها عن قراءتِهم دليلًا على بُعدِها مِن الصوابِ.
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في الرافعِ لقولِه: {الْأَوْلَيَانِ}. إذا قُرِئ كذلك؛ فكان ¬في ص، م ت 1، ت 2، ت 3: "فقال".¥ بعضُ نحويى البصرةِ يَزْعُمُ أنه رُفِع ذلك بدلًا مِن {فَآخَرَانِ} في قولِه: {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا}. وقال: إنما جاز أن يُبْدَلَ {الْأَوْلَيَانِ} وهو معرفةٌ، مِن {فَآخَرَانِ} وهو نكرةٌ؛ لأنه حينَ قال: {يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ}. كان كأنه قد حدَّهما حتى صارا كالمعرفةِ في المعنى، فقال: الأَوْلَيان. فأجْرَى المعرفةَ عليهما بدلًا. قال: ومثلُ هذا مما يَجْرِى على المعنى كثيرٌ. واستشهَد لصحةِ قولِه ذلك بقولِ الراجزِ ¬سيأتي في 16/ 553.¥:
عليَّ يومَ يَمْلِكُ الأُمورَا
صومَ شُهورٍ وجَبَت نُذُورَا
وبادِنًا ¬البادن: السمين الجسيم، ويريد هنا البَدَنة، وهى الناقة أو البقرة تنحر بمكة، سميت بذلك لأنهم كانوا يسمنونها. الصحاح واللسان (ب د ن).¥ مُقَلَّدًا مَنْحورًا
قال: فجعَله: عليَّ واجبٌ؛ لأنه في المعنى قد أُوجِبَ.
وكان بعضُ نحويى الكوفةِ يُنْكِرُ ذلك ويقولُ: لا يَجوزُ أن يَكونَ {الْأَوْلَيَانِ} بدلًا مِن {آخَرَانِ} مِن أجلِ أنه قد نسَق ¬نسق: عطف¥ {فَيُقْسِمَانِ} على {يَقُومَانِ} في قولِه {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ}. فلم يَتِمَّ الخبرُ بعدَ ¬في م: "عند".¥ {مِنَ} ¬يعني: بعد قوله {من الذين استحق عليهم الأوليان}.¥. قال: و ¬زيادة يستقيم بها السياق.¥ لا يَجوزُ الإبدالُ قبلَ إتمامِ الخبرِ. و ¬في النسخ: "كما". والمثبت ما يستقيم به السياق¥ قال: غيرُ جائزٍ: مرَرْتُ برجلٍ قام زيدٍ وقعَد. وزيدٌ بدلٌ مِن رجلٍ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: {الْأَوْلَيَانِ}. مرفوعان بما لم يُسمَّ فاعلُه، وهو قولُه: (اسْتُحِقَّ عليهم)، وأنهما وُضِعا ¬سقط من: م.¥ موضعَ الخبرِ عنهما، فعمِل فيهما ما كان عاملًا في الخبرِ عنهما؛ وذلك أن معنى الكلامِ: فآخران يقومان مَقامهما من الذين استُحِقَّ عليهم الإثمُ بالخيانةِ. فوُضِع {الْأَوْلَيَانِ} موضعَ الإثمِ، كما قال تعالى ذكرُه في موضعِ آخَرَ {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر} [التوبة: 19]. ومعناه: أجعلتُم سقايةَ الحاجِّ وعمارةَ المسجدِ الحرامِ كإيمانِ مَن آمن باللهِ واليومِ الآخرِ؟ وكما قال: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 93]. وكما قال بعضُ الهُذليين ¬هو المتنخل الهذلى، والبيت في ديوان الهذليين 2/ 21.¥:
يُمَشِّى بينَنا حانوتُ خمرٍ ... من الخُرْسِ الصَّراصِرةِ القِطاطِ ¬والخرس الصراصرة: أعاجم من نبط الشام يقال لهم الصراصرة، والقطاط: الجعاد، والواحد: قطط، أشد الجعودة. شرح أشعار الهذليين 3/ 1268.¥
وهو يعنى: صاحبُ حانوتِ خمرٍ. فأقام الحانوتَ مُقامَه؛ لأنه معلومٌ أن الحانوتَ لا يَمْشِى، ولكن لما كان معلومًا عندَه أنه لا يَخْفَى على سامعِه ما قصَد إليه مِن معناه، حذَف الصاحبَ، واجْتَرَأَ بذكرِ الحانوتِ منه. فكذلك قولُه: (مِن الذين اسْتُحِقَّ عليهم الأوليان). إنما هو: مِن الذين استُحِق فيهم خيانتُهما. فحُذفَت الخيانةُ، وأُقِيم المختانان مُقامَهما ¬في م: "مقامها".¥، فعَمِل فيهما ما كان يَعْمَلُ في المحذوفِ لو ظهَر.
وأما قولُه {عَلَيْهِم}. في هذا الموضعِ، فإن معناها: فيهم. كما قال تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} [البقرة: 102]. يعني: في ملكِ سليمانَ. وكما قال: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71]. فـ "في" تُوضَعُ في ¬سقط من: م.¥ موضعِ "على"، و "على" في موضعِ "في"، وكلُّ واحدةٍ منهما تُعاقِبُ صاحبتَها في الكلامِ، ومنه قولُ الشاعرِ ¬هو أبو المثلم الهذلي، ديوان الهذليين 2/ 224. ونسبه الأصمعي - وتبعه ابن قتيبة في المعاني الكبير 2/ 969 - إلى صخر الغى، ورد ذلك ابن السيد البطليوسى في الاقتضاب 3/ 381.¥:
متى ما تُنْكِروها تَعْرِفوها ... على أقطارِها عَلَقٌ نَفِيثٌ ¬أقطارها: نواحيها، والعلق: الدم، نفيث منفوث من الفم. شرح أشعار الهذليين 1/ 264.¥
وقد تأَوَّلَت جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ قولَ اللهِ تعالى ذكرُه: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ}. أنهما رجلان آخران مِن المسلمين، أو رجلان أعْدَلُ مِن المُقْسِمَيْن الأوَّلَين.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن عامرٍ، عن شريحٍ في هذه الآيةِ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}. قال: إذا كان الرجلُ بأَرضِ غُرْبةٍ، ولم يَجِدْ مسلمًا يُشْهِدُه على وصيتِه، فأشْهَد يهوديًا، أو نصرانيًّا، أو مجوسيًّا، فشهادتُهم جائزةٌ، فإن جاء رجلان مسلمان فشهِدا بخلافِ شَهادتِهم، أجِيزَت شهادةُ المسلمَيْن، وأُبْطِلَت شهادةُ الآخَرَيْن ¬تقدم تخريجه في ص 63، 64.¥.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {فَإِنْ عُثِرَ}: أي: اطُّلِع منهما على خيانةٍ، على أنهما كذَبا أو كتَما، فشهِد رجلان هما أعدلُ منهما بخلافِ ما قالا، أُجِيزَت شهادةُ الآخَرَيْن، وأُبْطِلت شهادةُ الأَوَّلَين ¬تقدم تخريجه في ص 84.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: كان ابن عباسٍ يَقْرَأُ: (من الذين استَحَقَّ عليهم الأَوَّلين) ¬في معاني القرآن: يجعله نعتا لـ"الذين". فظاهره أن قراءته بالجمع: "الأوَّلين". وظاهر كلام المصنف هنا أن قراءته: "الأوَّلَيْن"، وكذا ضبطه الشيخ شاكر. وهذه القراءة الأخيرة مروية عن ابن سيرين، وهي شاذة ونقل القرطبي في تفسيره 6/ 359 عن النحاس أنها لحن. فالله أعلم.¥. وقال: كيف يَكونُ الأوْليَان، أرأَيْتَ لو كان الأوْلَيان صغيرين ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (860 - تفسير) من طريق عمرو بن دينار عن عطاء به.¥؟
حدَّثنا هنادٌ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا عَبْدةُ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان يَقْرَأُ: (مِن الذين اسْتَحَقَّ عليهم الأوَّلين). قال: وقال: أَرَأَيْتَ لو كان الأوْلَيان صغيرَيْن، كيف يقومان مَقامَهما ¬أخرجه الفراء في معاني القرآن 1/ 324 عن قيس بن الربيع عن عطاء به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 344 إلى أبي عبيد وعبد بن حميد وأبى الشيخ.¥؟
قال الإمامُ أبو جعفرٍ: فذهَب ابن عباسٍ فيما أرَى، إلى نحوِ القولِ الذي حكَيْتُ عن شُريحٍ وقتادةَ، مِن أن ذلك رجلان آخران مِن المسلمين يقومان مقامَ النَّصْرانيَّين، أو عَدْلان مِن المسلمين، هما أعدلُ وأجوزُ شهادةً من الشاهدَيْن الأوَّلَيْن، أو المُقسِمَين.
وفي إجماعِ جميعِ أهلِ العلمِ على ألَّا حكمَ للهِ تعالى ذكرُه يَجبُ فيه على شاهدٍ يمينٌ فيما قام به مِن الشهادةِ، دليلٌ واضحٌ على أن غيرَ هذا التأويلِ الذي قاله الحسنُ، ومَن قال بقولِه في قولِ اللهِ تعالى: {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا}. أولى به.
وأما قولُه: {الْأَوْلَيَانِ}. فإن معناه عندَنا: الأوْلى بالميتِ مِن المُقْسِمَيْن الأوَّلَيْن فالأَوْلَى. وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ معناه: الأَوْلى باليمينِ منهما فالأَوْلَى. ثم حُذف "منهما" ¬سقط من: س، وفى م، ت 1، ت 2، ت 3: "فيهما". وهكذا رسمت في ص إلا أنها غير منقوطة.¥. والعربُ تَفْعَلُ ذلك، فتقولُ: فلانٌ أفضلُ. وهي تُرِيدُ: أَفضلُ منك. وذلك إذا وُضِع "أفعلُ" موضعَ الخبرِ، وإن وقَع موقعَ الاسمِ، وأُدْخِلَت فيه الألفُ واللامُ، فعَلوا ذلك أيضًا، إذا كان جوابًا لكلامٍ قد مضَى، فقالوا: هذا الأفضلُ، وهذا الأشرفُ. يُريدون: هو الأشرفُ منك.
وقال ابن زيدٍ: معنى ذلك: الأوْلَيان بالميتِ.
حدَّثني يونُسُ، عن ابن وهبٍ عنه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 344 إلى المصنف.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ}.
يقولُ تعالى ذكرُه: فيُقْسِمُ الآخَران اللذان يَقومان مَقامَ اللذَين عُثِر على أنهما اسْتَحَقَّا إثمًا بخيانتِهما مالَ الميتِ، الأوْلَيان باليمينِ والميِّتِ مِن الخائنَين، {لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا}. يقولُ: لأيمانُنا أحقُّ مِن أيمانِ المقسمَيْن المستحقَّين الإثمَ، وأيمانِهما الكاذبةِ، في أنهما قد خانا في كذا وكذا من مال ميِّتِنا، وكذَبا ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "كذا".¥ في أيمانِهما التي حلَفا بها، {وَمَا اعْتَدَيْنَا}. يقولُ: وما تَجاوَزْنا الحقَّ في أيمانِنا.
وقد بيَّنا أن معنى الاعتداءِ المُجاوَزةُ في الشيءِ حدَّه ¬ينظر ما تقدم في 2/ 32.¥.
{إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ}. يقولُ: إنا إن كنا اعْتَدَيْنا في أيمانِنا، فحلَفْنا مُبْطِلين فيها كاذِبِين، {لَمِنَ الظَّالِمِينَ}. يقولُ: [لمِن عِدادِ] ¬في م: "لممن عدا و".¥ مَن يَأْخُذُ ما ليس له أخذه، ويَقْتَطِعُ بأيمانِه الفاجرةِ أموالَ الناسِ.

Tafsir in other languages · 6