تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولهِ: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)}.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: واتْلُ على هؤلاء اليهود الذين هَمُّوا أن يَبْسُطوا أيديَهم إليكم ¬بعده في م: "عليك".¥، وعلى أصحابِك معهم ¬في م: "معك".¥ - وعرَّفْهم مكروهَ عاقبةِ الظلمِ والمكرِ، وسوءَ مَغَبَّةِ ¬المغبة والغب: عاقبة الشيء وآخره.¥ الخَتْرِ ¬في م: "الجور". والختر: الغدر. وقيل: أسوأ الغدر وأقبحه. اللسان (خ ت ر).¥ ونقضِ العهدِ، وما جزاءُ الناكثِ، وثوابُ الوافي - خبرَ ابْنَيْ آدمَ هابيلَ وقابيلَ، وما آل إليه أمرُ المطيعِ منهما ربَّه، الوافي بعهدِه، وما إليه صار أمرُ العاصى منهما ربَّه، الخاتِرِ ¬في م: "الجائر".¥ الناقضِ عهدَه، فَلْتُعَرِّفْ بذلك اليهودَ وَخَامَةَ غِبِّ غَدْرِهم ¬في م: "عدوهم"¥، ونقضِهم ميثاقَهم بينَك وبينَهم، وهمِّهم بما همُّوا به مِن بَسْطِ أيديهم إليك وإلى أصحابك، فإن لك ولهم في حسنِ ثوابي، وعِظَمِ جزائي على الوفاءِ بالعهدِ الذي جازَيْتُ المقتولَ، الوافي بعهدِه من ابْنَيْ آدمَ، وعاقَبْتُ به القاتلَ الناكثَ عهدَه، عَزاءً جميلًا.
واخْتَلف أهلُ العلمِ في سببِ تقريبِ ابْنَىْ آدمَ القُرْبانَ، وسببِ قَبُولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ ما تَقَبَّلَ منه، ومَن اللذان قَرَّبا؟ فقال بعضُهم: كان ذلك عن أمرِ اللهِ جلَّ وعزَّ إياهما بتقريبِه، وكان سببَ القَبولِ أن المتُقَبَّلَ منه قَرَّب خيرَ مالِه، وقرَّب الآخرُ شرَّ مالِه، وكان المُقَرِّبانِ ابْنى آدمَ لصُلْبِه، أحدُهما هابيلُ، والآخرُ قابيلُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن هشامِ بن سعدٍ ¬في م: "سعيد".¥، عن إسماعيلَ بن رافعٍ، قال: بَلَغَنى أن ابْنَيْ آدَمَ لما أُمِرا بِالقُرْبانِ، كان أحدُهما صاحبَ غنمٍ، وكان أُنْتِج له حَمَلٌ في غنمِهِ، فَأَحَبَّه حتى كان يُؤْثِرُه بالليلِ، وكان يَحْمِلُه على ظهرِه مِن حبِّه، حتى لم يكنْ له مالٌ أحبَّ إليه منه، فلمّا أُمِر بالقُرْبانِ قرَّبه للهِ فقبِلَه اللهُ منه، فما زال يرتَعُ في الجنةِ حتى فُدِى به ابن إبراهيمَ صَلَّى اللهُ عليهما ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 77 عن إسماعيل بن رافع، وعزاه إلى المصنف، وينظر عرائس المجالس ص 38.¥.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن أبي المغيرةِ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: إن ابنى آدمَ اللذين قَرَّبَا قُرْبانًا فَتُقُبِّل من أحدِهما ولم يُتَقَبَّلُ مِن الآخر، كان أحدُهما صاحبَ حَرْثٍ، والآخرُ صاحبَ غنمٍ، وإنهما أُمِرا أن يُقرِّبا قربانًا، وإن صاحبَ الغنمِ قرَّب أكرمَ غنمِه وأَسْمَنَها وأَحْسَنها، طيِّبةً بها نفسُه، وإن صاحبِ الحرثِ قرَّب شرَّ حرثِه الكَوْزَنَ ¬في تاريخ المصنف: "الكوزر"، وفى إحدى نسخه "الكوذر"، وفى تفسير ابن كثير 3/ 77: "الكودن"، وفى الدر المنثور 2/ 273: "الكردن". والذي وجدناه من ذلك الكردن والكَرْزن، بمعنى الفأس لها حدٌّ واحد، والكودن بمعنى البرذون الهجين، وقيل: هو البغل. اللسان (ك د ن، كردن، كررن).¥ والزُّوَانَ ¬الزوان، مثلثة بهمز ما يخرج مِن الطعام فيُرمى به، وهو الردئ منه، ينظر تاج العروس (ز و ن).¥، غيرَ طيبةٍ بها نفسُه، وإن الله تَقَبَّل قربانَ صاحبِ الغنمِ، ولم يَتَقَبَّلْ قربانَ صاحبِ الحرثِ، وكان من قصتِهما ما قصَّ اللهُ في كتابِه، وقال: ايْمُ اللهِ، إن كان المقتولُ لأَشَدَّ الرجلين، ولكنْ مَنَعَه التحرُّجَ أن يبسُطَ ¬بعده في م: "يده".¥ إلى أخيه ¬أخر
جه المصنف في تاريخه 1/ 141، 142، وذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 77 عن المصنف.¥.
وقال آخرون: لم يكنْ ذلك مِن أمرِهما عن أمرِ اللَّهِ إيَّاهما به.
ذكرُ مِن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: كان مِن شأنهما أنه لم يكنْ مسكينٌ يُتَصَدَّقُ ¬في م: "فيتصدق".¥ عليه، وإنما كان القُرْبانُ يُقَرِّبُه الرجلُ، فبَيْنا ابنا آدمَ قاعدان، إذ قالا: لو قَرَّبْنا قُرْبانًا - وكان الرجلُ إذا قَرَّب قُربانًا فَرَضِيَه اللهُ، أَرْسَل إليه نارًا فَأَكَلَتْه، وإن لم يكنْ رَضِيَه اللهُ، خَبَتِ النارُ - فقرَّبا قُربانًا، وكان أحدُهما راعيًا، وكان الآخرُ حَرَّاثًا، وإن صاحبَ الغنمِ قرَّب خيرَ غنمِه وأسمنَها، وقرَّب الآخرُ بَعْضَ ¬في م: "أبغض".¥ زرعِه، فجاءتِ النارُ فَنَزَلَتْ بينَهما، فأَكَلَتِ الشاةَ وتَرَكَتِ الزرعَ، وإن ابنَ آدمَ قال لأخيه: أَتَمْشى في الناسِ وقد علمِوا أنك قَرَّبتَ قُربانًا فَتُقُبِّل منك ورُدَّ عليَّ؟ فلا واللهِ لا ينظُرُ ¬في م: "تنظر".¥ الناسُ إليَّ وإليك وأنت خيرٌ منِّي. فقال: لأَقْتُلَنَّك. فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِن المتقين ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 142.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، قال: ثنا ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: {إِذْ قَرَّبَا}. قال: ابنا آدمَ هابيلُ وقابيلُ لصُلْبِ آدمَ، فَقَرَّب أحدُهما شاةً، وقرَّب الآخرُ بَقْلًا، فقَبِل مِن صاحبِ الشاةِ، فقَتَلَه صاحبُه ¬تفسير مجاهد ص 306، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 273 إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وستأتى بقيته في ص 331، 337، 353،341.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا}. قال: هابيلُ وقابيلُ، فقرَّب هابيلُ عَنَاقًا ¬العناق: الأُنثى من أولاد المَعِيز والغنم من حِين الولادة إلى تَمام حَوْل. الوسيط (ع ن ق).¥ مِن أحسنِ غنمه، وقرَّب قابيلُ زرعًا مِن زرعِه. قال: فأَكَلَتِ النارُ العَنَاقَ، ولم تَأْكُل الزرع، فقال: لأَقْتُلَنَّك. قال: إِنما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِن المتَّقِين.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا رجلٌ سمِع مجاهدًا، في قولِه: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا}. قال: هو هابيلُ وقابيلُ لصُلْبِ آدمَ، قرَّبا قربانًا؛ قرَّب ¬زيادة من: م.¥ أحدُهما شاةً مِن غنمِه، وقرَّب الآخرُ بَقْلًا، فتُقُبِّل من صاحبِ الشاةِ، فقال لصاحبِه: لأقتُلَنَّك. فقَتَلَه، فعَقَلَ اللَّهُ إحدى رِجْلَيْه بساقِها إلى فَخِذِها إلى يومِ القيامةِ، وجعَل وجهَه إلى الشمسِ حيثما دارتْ، عليه حَظِيرَةٌ مِن ثَلْجٍ في الشتاءِ، وعليه في الصيفِ حظيرةٌ مِن نار، ومعه سبعةُ أملاكٍ، كلَّما ذهب مَلَكٌ جاء الآخرُ ¬ينظر عرائس المجالس ص 40، وسيأتي بمعناه في ص 335 مِن طريق ابن جريج، عن مجاهد.¥.
حدثنا سفيانُ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، ح وحدثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللَّهِ بن عثمانَ بن خُثيمٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ}. قال: قرَّب هذا كبشًا، وقرَّب هذا صُبرَةً ¬في ص: "صبرًا". والصُّبْرَةُ: الكُومة مِن الطعام، والجمع: صُبَر وصِبَار. المعجم الوسيط (ص ب ر).¥ مِن طعامٍ، فتُقُبِّل من أحدِهما. قال: تُقبِّل مِن صاحبِ الشاةِ، ولم يُتَقَبَّلْ مِن الآخرِ ¬أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق 64/ 4 من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوه مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 273 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ}: كان رَجُلانِ مِن بني آدَم، فُقُبِّل من حدِهما ولم يُتَقَبَّلْ من الآخر.
حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ، عن فُضَيل بن مرزوقٍ، عن عطيةَ: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ}. قال: كان أحدُهما اسمُه قابيلُ، والآخَرُ هابيلُ؛ أحدُهما صاحبُ غنمٍ، والآخرُ صاحبُ زرعٍ، فقَرَّب هذا مِن أَمْثَلِ غنمِه حَمِلًا، وقرَّب هذا مِن أَرْذَلِ ¬في م: "أردأ".¥ زرعِه. قال: فنزَلتِ النارُ فأكلَت الحَمَلَ، فقال لأخيه: لأَقْتُلَنَّك.
حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ [عن الكتابِ] ¬في م: "بالكتاب". والمثبت موافق لما في تاريخ المصنف، وإن استبدل به محققه ما في المطبوعة عندنا.¥ الأولِ، أن آدمَ أمرَ ابنَه قابيلَ ¬في تاريخ المصنف: "قين"، وكذا فيما سيأتي.¥ أن يُنْكِحَ أختَه تُؤْمَه ¬في م: "توأمة"، وفى تاريخ المصنف" تُؤمَتَه". والتُّؤم والتَّوْءم من جميع الحيوان: المولود مع غيره في بطن واحد، مِن الاثنين إلى ما زاد؛ ذكرا كان أو أنثى، يقال: هما توْءمان، وهذا توءم هذا، وهذه توءمة هذه. ينظر لسان العرب، وتاج العروس (ت أ م، و أ م).¥ هابيلَ، وأمرَ هابيلَ أن يُنْكِحَ أَختَه تُؤْمَه ¬في التاريخ: "من أهل الكتاب".¥ قابيلَ، فسَلَّم لذلك هابيلُ ورَضِى، وأبي قابيلُ ذلك وكَرِهَ؛ تكرُّمًا عن أختِ هابيلَ، ورَغِبَ بأخيِه عن هابيلَ، وقال: نحن وِلادةُ الجنةِ وهما مِن ولادةِ الأرضِ، وأنا أَحَقُّ بأختى. ويقولُ بعضُ أهلِ العلمِ بالكتابِ ¬¥ الأولِ: كانت أختُ قابيلَ مِن أحسنِ الناسِ، فضنَّ بها على أخيه، وأرادها لنفسه. فاللهُ أعلمُ أيُّ ذلك كان. فقال له أبوه: يا بُنَيَّ، إنها لا تَحِلُّ لك. فأبى قابيلُ أن يَقْبَلَ ذلك من قولِ أبيه، فقال
له أبوه: يا بُنَيَّ، فقَرِّبْ قربانًا، ويُقَرِّب أخوك هابيلُ قربانًا، فأيُّكما قَبِل اللهُ قُرْبانَه فهو أحقُّ بها. وكان قابيلُ على بَذْرِ الأَرضِ، وكان هابيلُ على رعايةِ الماشيةِ، فقرَّب قابيلُ قمحًا، وقرَّب هابيلُ أبكارًا مِن أبكارِ غنمِه، وبعضُهم يقولُ: قرَّب بقرة. فأَرْسَل الله نارًا بيضاءَ فأَكَلَتْ قربانَ هابيلَ، وتَرَكتْ قربانَ قابيلَ، وبذلك كان يَقْبَلُ القربانَ إذا قَبِلَه ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 140، 141.¥.
حدَّثني موسى بنَ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ فيما ذَكَر عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: و ¬سقط مِن: م.¥ كان لا يُولَدُ لآدمَ مولودٌ إِلَّا وُلِد معه جاريةٌ، فكان يُزوِّجُ غلامَ هذا البطنِ جاريةَ هذا البطنِ الآخرِ، ويُزوِّجُ جارية هذا البطنِ غلامَ البطنِ الآخرِ، حتى وُلدِ له ابنان يقالُ لهما: قابيلُ وهابيلُ. وكان قابيلُ صاحبَ زرعٍ، وكان هابيلُ صاحبَ ضَرْعٍ، وكان قابيلُ أكبرَهما، وكان له أختٌ أَحْسَنُ مِن أختِ هابيلَ، وإن هابيلَ طلَب أن ينكِحَ أختَ قابيلَ، فأبى عليه وقال: هي أختى وُلِدتْ معى، وهى أحسنُ مِن أختكِ، وأنا أحقُّ أن أتزوَّجَها. فأمَره أبوه أن يُزوِّجَها هابيلَ، فأبى، وإنهما قرَّبا قربانًا إلى اللهِ، أيُّهما أحقُّ بالجاريةِ، وكان آدمُ يومَئذٍ قد غاب عنهما إلى مكة ينظُرُ إليها، قال اللهُ عز وجل لآدمَ: يا آدمُ، هل تَعْلَمُ أن لي بيتًا في الأرضِ؟ قال: اللهمَّ لا. قال: فإن لى بيتًا بمكةَ فَأْتِهِ. فقال آدمُ للسماءِ: احْفَظى وَلَدِى بالأمانةِ. فأَبَت، وقال للأرضِ، فأَبَت، وقال للج
بالِ، فَأَبَت، وقال لقابيلَ، فقال: نعم، تذهَبُ وترجِعُ، وتجدُ أهْلَك كما يَسُرُّك. فلما انطلَق آدمُ قرَّبا قربانًا، وكان قابيلُ يَفْخَرُ عليه، فقال: أنا أحقُّ بها منك ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "و".¥، هي أختى، وأنا أكبرُ منك، وأنا وَصِيُّ والدى. فلما قرَّبا، قرَّب هابيلُ جَذَعَةً سمينةً، وقرَّب قابيلَ حزمةً ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "حزيمة".¥ سُنْبُلٍ، فوجدَ فيها سنبلةً عظيمةً، ففَرَكَها فأكَلَها، فنَزَلَتِ النارُ فأكَلَتْ قربانَ هابيلَ، وتَرَكتْ قربانَ قابيلَ، فغضِب وقال: لأَقتُلَنَّك حتى لا تَنْكِحَ أختى. فقال هابيلُ: إِنما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِن المُتَّقِين ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 137، 138.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ}: ذُكِر لنا أنهما هابيلُ وقابيلُ، فأما هابيلُ فكان صاحبَ ماشيةٍ، فعَمَد إلى خيرِ ماشيتِه فتَقَرَّب بها، فنَزَلَتْ عليه نارٌ فأَكَلَتْه، وكان القُرْبانُ إذا تُقُبِّل منهم نَزَلتْ عليه نارٌ فأَكَلَتْه، وإذا رُدَّ عليهم أكَلَتْه الطيرُ والسَّباعُ، وأما قابيلُ فكان صاحبَ زرعٍ، فعَمَد إلى أَرْدَأ زرعِه فتَقَرَّب به، فلم تَنْزِلُ عليه النارُ، فحسَد أخاه عندَ ذلك فقال: لأَقْتُلَنَّك. قال: إنما يتَقَبَّلُ اللَّهُ مِن المُتَّقِين.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ}. قال: هما قابيلُ وهابيلُ. قال: كان أحدُهما صاحبَ زرعٍ، والآخرُ صاحبَ ماشيةٍ، فجاء أحدُهما بخيرِ مالِه، وجاء الآخرُ بشرِّ مالِه، فجاءتِ النارُ فأَكَلَتْ قُرْبانَ أحدُهما - وهو هابيلُ - وترَكت قربانَ الآخرِ، فحسَده، فقال: لأَقْتُلَنَّك ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 187، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق 49/ 37.¥.
حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا}. قال: قَرَّب هذا زرعًا، وذا عَناقًا، فتَرَكَتِ النارُ الزرعَ، وأَكَلَتِ العَنَاقَ ¬تقدم بنحوه في ص 320.¥.
وقال آخرون: اللذان قرَّبا قربانًا، وقصَّ اللهُ عزَّ ذكرُه قَصَصَهما في هذه الآيةِ، رجلان من بني إسرائيلَ، لا مِن وَلَدِ آدمَ لصُلْبِه.
ذكرُ مِن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سهلُ بنُ يوسفَ، عن عمرٍو، عن الحسنِ، قال: كان الرجلان اللذان في القرآنِ، اللذان قال اللهُ: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ}. من بنى إسرائيلَ، ولم يكونا ابْنَىْ آدمَ لصُلْبِه، وإنما كان القربانُ في بنى إسرائيلَ، وكان آدمُ أوّلَ مَنْ مات ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 143. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 273 إلى عبد بن حميد، وقال ابن كثير في تفسيره 3/ 85 عقب الأثر: وهذا غريب جدًّا، وفي إسناده نظر. وسيأتي رد المصنف هذا القول في ص 335، 340.¥.
وأَوْلَى القولين في ذلك عندى بالصوابِ أن اللذَيْن قرَّبا القربان كانا ابْنَيْ آدمَ لصُلْبِه، لا مِن ذُرِّيَّتِه مِن بنى إسرائيلَ، وذلك أن الله عزَّ وجلَّ يَتَعَالَى عن أن يُخاطِبَ عبادَه بما لا يُفيدُهم به فائدةً، والمُخاطَبون بهذه الآيةِ كانوا عالمين أن تقريبَ القربانِ اللَّهِ لم يكنْ إلا في ولدِ آدمَ، دونَ الملائكةِ والشياطينِ وسائرِ الخَلْقِ غيرِهم. فإذ كان معلومًا ذلك عندَهم، فمعقولٌ أنه لو ¬سقط مِن: ص، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ لم يكنْ مَعْنيًّا بِابْنَى ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "به ابني".¥ آدمَ اللذَّيْن ذَكَرَهما اللَّهُ عز وجل في كتابِه ابناه لصُلْبِه، لم ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "فلم".¥ يُفدهم بذكره جلَّ جَلالُه إيَّاهما فائدةً لم تكنْ عندَهم، وإذ كان غيرَ جائزٍ أن يُخاطِبَهم خطابًا لا يُفيدُهم به معنًى، فمعلومٌ أنه عنَى ابْنَىْ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "بابني".¥ آدمَ لصُلْبِه، لا ¬سقط مِن: ص، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ ابْنَىْ بَنِيه الذين بَعْدَ منه نَسَبُهم، مع إجماعِ أهلِ الأَخبارِ والسِّيَرِ والعِلْمِ بالتأويلِ على أنهما كانا ابْنَىْ آدمَ لصُلْبِه، وفى عهدِ آدمَ وزمانِه، وكفَى بذلك شاهدًا. وقد ذَكَرْنا كثيرًا
ممن نُصَّ عنه القولُ بذلك، وسنَذْكُرُ كثيرًا ممن ¬في ص، ت 2: "ما".¥ لم يُذْكَرْ إن شاء الله.
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيد بنَ هارونَ، قال: ثنا حسامُ بنُ مِصَكٍّ، عن عَمَّارٍ الدُّهْنيِّ، عن سالمِ بن أبي الجَعْدِ، قال: لما قتَل ابنَ آدمَ أخاه، مكَث آدمُ مائةَ سنةٍ حزينًا لا يَضْحَكُ، ثم أُتِىَ فقيل له: حيَّاك اللهُ وبيَّاك. فقال: بيَّاك: أَضْحَكك ¬أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق 17/ 981 من طريق حسام بن مصك به نحوه.¥.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، [عن غِياثِ بن إبراهيمَ] ¬سقط من النسخ، والمثبت من تاريخ المصنف.¥، عن أبي إسحاقَ الهَمْدانيِّ، قال: قال عليُّ بنُ أبى طالبٍ رضوانُ اللهِ عليه: لَمَّا قتَل ابن آدمَ أخاه، بكَى آدمُ، فقال:
تَغَيَّرتِ البلادُ ومَن عَلَيْها ... فلَوْنُ ¬في التاريخ: "فوجه".¥ الأرضِ مُغْبَرٌّ قبيحُ
تغيَّر كلُّ ذى لَوْنٍ وطَعْمٍ ... وقلَّ بشاشةُ الوجهِ المليحِ
فأُجِيب آدمُ عليه السلامُ:
أبا هابيلُ قد قُتِلا جميعًا ... وصار الحيُّ كالمَيِتِ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "بالميت".¥ الذَّبِيح
وجاء بشرَّةٍ قد كان منها ... على خَوْفٍ فجاء بها يَصيحُ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 145.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية 1/ 221 بعد إيراده هذه الأبيات: وهذا الشعر فيه نظر، وقد يكون آدم عليه السلام قال كلاما يتحزن به بلغته، فألَّفه بعضهم إلى هذا، وفيه إقواء، والله أعلم.¥
وأما القولُ في تقريبهما ما قرَّبا، فإن الصوابَ فيه من القولِ أن يقالَ: إن الله عزَّ ذكرُه أَخْبَر عبادَه عنهما أنهما قد قرَّبا، ولم يُخْبِرُ أن تَقْريبَهما ما قرَّبا كان عن أمرِ اللهِ إياهما به، ولا عن غيِر أمرِه، وجائزٌ أن يكونَ كان عن أمرِ اللهِ إياهما بذلك، وجائزٌ أن يكونَ عن غيرِ أمرِه، غيرَ أنه أيُّ ذلك كان، فلم يُقَرِّبا ذلك إِلا طَلَبَ قُرْبةٍ إِلى اللَّهِ عز ذكرُه إن شاء اللهُ.
وأما تأويلُ قولِه: {قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ}. فإن معناه: قال الذي لم يُتَقَبَّلْ منه قُرْبانُه للذى تُقُبِّلَ منه قربانُه: لأَقْتُلَنَّك. فتَرَك ذِكْرَ المُتَقَبَّل قربانُه، والمردودِ عليه قربانُه؛ استغناءً بما قد جرَى مِن ذكرِهما عن إعادتِه. وكذلك ترَك ذكرُ المتقبَّلِ قربانُه مع قولِه: {قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}.
وبنَحوِ ما قلنا في ذلك رُوِى الخبرُ عن ابن عباسٍ.
حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: {قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ}: فقال له أخوه: ما ذَنْبي؟ إنما يتقبَّلُ اللَّهُ مِن المُتَّقِين ¬تقدم بتمامه في ص 319.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}. قال: يقولُ: إنك لو اتَّقَيْتَ الله في قُرْبانِكَ تَقَبَّل منك؛ جئت بقربانٍ مغشوشٍ بأشَرِّ ما عندَك، وجئتُ أنا بقربانٍ طيِّبٍ بخيرِ ما عندى. قال: وكان قال: يَتَقَبَّلُ اللهُ منك ولا يَتَقَبَّلُ منى؟
ويَعْنى بقولِه: {مِنَ الْمُتَّقِينَ}: مِن الذين اتَّقَوُا اللَّهَ وخافوه بأداءِ ما كَلَّفهم مِن فرائضِه، واجتنابِ ما نهاهم عنه مِن مَعَاصِيه ¬في م: "معصيته".¥.
وقد قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ: المتقون في هذا الموضعِ الذين اتقَوُا الشركَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضَّحَّاكِ قولَه: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}: الذين يتقون الشركَ ¬أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 581، 582 من طريق أبي الفيض، عن الضحاك.¥.
وقد بيَّنا معنى "القُرْبانِ" فيما مضَى ¬ينظر ما تقدم في 6/ 284.¥، وأنه الفُعْلانُ مِن قولِ القائلِ: قرَّب. كما "الفرقانُ" "الفُعْلانُ" من: فرَق. و "العُدْوانُ" من: عدَا.
وكانت قرابينُ الأممِ الماضية قبلَ أُمَّتِنا كالصَّدَقَاتِ والزَّكَواتِ فينا، غيرَ أَنَّ قرابينَهم كان يُعْلَمُ المُتَقَبَّلُ منها وغيرُ المتقبَّلِ، فيما ذُكر، بأَكْلِ النارِ ما تُقُبِّل منها، وتَرْكِ النارِ ما لم يُتَقَبَّلْ منها. والقربانُ في أُمتِنا الأعمالُ الصالحةُ؛ مِن الصلاةِ، والصيامِ، والصدقةِ على أهلِ المَسْكنَةِ، وأداءِ الزكاةِ المفروضةِ. ولا سبيلَ لها إلى العلمِ في عاجلٍ بالمُتَقَبَّلِ منها والمَرْدودِ.
وقد ذُكر عن عامرِ بن عبدِ اللَّهِ العَنْبَرِيِّ أنه حينَ حَضَرَتْه الوفاةُ بكَى، فقيل له: ما يُبكيك، فقد كنتَ وكنتَ؟ فقال: يُبْكيِنى أنى أسمعُ الله يقولُ: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}.
حدَّثني بذلك محمدُ بنُ عمر المُقدَّميُّ، قال: ثني سعيدُ بنُ عامرٍ، عن همَّامٍ، عمن ذكَره، عن عامرٍ ¬أخرجه ابن أبي الدنيا في المحتضرين (179) من طريق سعيد بن عامر، عن همام بن يحيى قال: بكي عامر ... فذكره. وينظر طبقات ابن سعد، 7/ 106، والدر المنثور 2/ 274.¥.
وقد قال بعضُهم: قربانُ المتقين الصلاةُ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حفصُ بن غِياثٍ، عن عِمْرانَ بن سُلَيمانَ ¬في م: "سليم". وينظر التاريخ الكبير 6/ 426، والجرح والتعديل 6/ 299.¥، عن عَدِيٍّ بن ثابتٍ، قال: كان قُرْبانُ المتقين الصلاةَ ¬ذكره القرطبي في تفسيره 6/ 135.¥.