Tafsir for this Ayah

Surah 5 : Ayah 41

Surah 5 : Ayah 41

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ ۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ

O Messenger, do not grieve for those who rush to disbelief – those who say with their mouths, “We believe”, but their hearts have no faith, nor those Jews who eagerly listen to falsehood and to those who have not yet come to you[36]. They distort the words [of Allah] out of their context saying, “If you are given this [ruling] accept it[37], but if you are not given, then beware[38].” Whoever Allah wills to be misguided[39], there is nothing you can do to avail him against Allah. They are those whose hearts Allah did not will to purify. For them there is disgrace in this world, and in the Hereafter they will suffer a great punishment.

No Tafsir is available in the selected language for this Ayah. Showing an available text.

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ}.
اختَلَف أهلُ التأويلِ في مَن عُنِى بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: نزَلَت في أبى لُبابةَ بن عبدِ المُنْذِرِ، بقولِه لبنى قُرَيْظةَ حينَ حاصَرَهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: إنما هو الذبحُ، فلا تَنْزِلوا على حكمِ سعدٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: {لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ}. قال: نزَلَتْ في رجلٍ مِن الأنصارِ، زعَموا أنه أبو لُبابةَ، أشارَت إليه بنو قُرَيْظةَ يومَ الحِصارِ: ما الأمرُ، وعلامَ نَنْزِلُ؟ فأشار إليهم: إنه الذبحُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1130 (6353) من طريق أحمد بن المفضل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 283 إلى أبى الشيخ.¥.
وقال آخَرون: بل نزَلَت في رجلٍ مِن اليهودِ، سأَل رجلًا مِن المسلمين يَسْأَلُ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عن حكمِه في قتيلٍ قتَلَه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن زكريا، عن عامرٍ: {لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ}. قال: كان رجلٌ مِن اليهودِ قتَله رجلٌ مِن أهلِ دينِه، فقال القاتلُ لحلفائِهم مِن المسلمين: سَلُوا لى محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، فإن كان يقضى ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "بعث".¥ بالدِّيَةِ اختَصَمنا إليه، وإن كان يَأْمُرُنا بالقتلِ لم نَأْتِه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 822 (4544) من طريق زكريا به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 281 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عَمْرُو بنُ عونٍ، قال: أخْبرَنا هُشَيْمٌ، عن زكريا، عن عامرٍ نحوَه.
وقال آخَرون: بل نزَلَت في عبدِ اللَّهِ بن صُورِيَا، وذلك أنه ارْتَدَّ بعدَ إسلامِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هَنَّادٌ وأبو كُرَيْبٍ، قالا: ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى الزُّهْريُّ، قال: سمِعْتُ رجلًا مِن مُزَيْنةَ يُحَدِّثُ ¬بعده في النسخ: "عن". والمثبت من مصادر التخريج.¥ سعيدَ بنَ المسيَّبِ، أن أبا هريرةَ حدَّثهم، أن أحْبارَ يَهودَ اجتَمَعوا في بيتِ المِدْراسِ حينَ قدِم رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ، وقد زنَى رجلٌ منهم بعدَ إحْصانِه بامرأةٍ مِن يهودَ قد أحْصَنَت، فقالوا: انطَلِقوا بهذا الرجلِ وبهذه المرأةِ إلى محمدٍ ¬بعده في النسخ: "صلى الله عليه وسلم". واليهود لا تقول ذلك.¥، فاسْأَلوه كيف الحكمُ فيهما، فوَلُّوه الحكمَ عليهما، فإن عمِل فيهما بعملِكم مِن التَّجْبِيهِ ¬في م: "التحميم"، وفى س: "الحد". وينظر النهاية 1/ 237.¥ - وهو الجَلْدُ بحبْلٍ مِن لِيفٍ مَطْليٍّ بقارٍ، ثم تُسَوَّدُ وُجوهُهما، ثم يُحْمَلان على حمارين، وتُحَوَّلُ وُجوهُهما مِن قِبَلِ دُبُرِ الحمارِ - فاتَّبِعوه، فإنما هو مَلِكٌ، وإن هو حكَم فيهما بالرجْمِ فاحْذَروه على ما في أيديكم أن يَسْلُبِكموه. فأتَوْه فقالوا: يا محمدُ، هذا الرجلُ قد زنَى بعدَ إحْصانِه بامرأةٍ قد أحْصَنَت، فاحْكُمْ فيهما، فقد ولَّيْناك الح
كمَ فيهما. فمشَى رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حتى أتَى أحْبارَهم في بيتِ المِدْراسِ، فقال: "يا معشَرَ اليهودِ، أَخْرِجوا إليَّ أَعْلَمَكم". فأخْرَجوا إليه عبدَ اللَّهِ بنَ صُورِيَا الأعْوَرَ - وقد روَى بعضُ بنى قُريظةَ ¬من هنا إلى قوله: أعلم من بقى بالتوراة. من قول ابن إسحاق، كما ذكر ابن هشام في السيرة.¥ أنهم أخرَجوا إليه يومَئذٍ مع ابن صُورِيَا أبا ياسرِ بنَ أخْطَبَ ووهبَ بنَ يَهوذَا، فقالوا: هؤلاء علماؤُنا. فسَألهم ¬في ص، ت 1، س، وسنن البيهقى: "فقال لهم".¥ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حتى حصَّل ¬حصَّلت الأمر: حققته وأثبته. النهاية 1/ 396.¥ أمرَهم إلى أن قالوا لابنِ صُورِيَا: هذا أعلمُ مَن بقِى بالتوراةِ - فخلَا به رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وكان غلامًا شابًّا مِن أحدثِهم سنًّا، فألَظَّ ¬ألظ به: ألح في سؤاله وألزمه إياه. النهاية 4/ 252.¥ به رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - المسألةَ، يقولُ: "يا ابنَ صُورِيَا، أَنْشُدُك اللَّهَ، وأُذَكِّرُك أيادِيَه عندَ بنى إسرائيلَ، هل تَعْلَمُ أن اللَّهَ حكَم في مَن زنَى بعدَ إحصانِه بالرجمِ في التوراةِ؟ ". فقال: اللهمَّ نعم، أمَا واللَّهِ
يا أبا القاسمِ إنهم لَيَعْلَمون أنك نبيٌّ مرسَلٌ، ولكنهم يَحْسُدونك. فخرَج رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأمَر بهما فرُجِما عندَ بابِ مسجدِه في بنى [غَنْمِ بن مالكِ] ¬في النسخ: "عثمان بن غالب". والمثبت من سيرة ابن هشام وسنن البيهقى ودلائل النبوة، وينظر جمهرة أنساب العرب ص 347.¥ بن النجارِ، ثم كفَر بعدَ ذلك ابن صُورِيَا، فأنْزَل اللَّهُ: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} ¬سيرة ابن هشام 1/ 564، وأخرجه البيهقى 8/ 246، وفى الدلائل 6/ 270 من طريق يونس به نحوه، وأخرجه أبو داود (4451)، والبيهقى 8/ 247، وابن عبد البر في التمهيد 14/ 400، 401، من طريق ابن إسحاق به مختصرًا بنحوه.¥.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، ح وحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، ح وحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا عَبِيدةُ بنُ حُمَيْدٍ ¬في م: "عبيد". وينظر تهذيب الكمال 19/ 257.¥، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن البَرَاءِ بن عازبٍ، قال: مُرَّ على ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بيهوديٍّ مُحَمَّمٍ مَجْلودٍ، فدعا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - رجلًا مِن علمائِهم، فقال: "أهكذا تَجِدون حدَّ الزنَى فيكم؟ ". قال: نعم. قال: "فأَنْشُدُك بالذي أنْزَل التوراةَ على موسى، أهكذا تَجِدون حدَّ الزانى فيكم؟ ". قال: لا، ولولا أنك نشَدْتَنى بهذا لم أُحَدِّثْك، ولكنِ الرجمُ، ولكن كثُر الزنى في أشرافِنا، فكنا إذا أخَذْنا الشريفَ ترَكْناه، وإذا أخَذْنا الضعيفَ أقَمْنا عليه الحدَّ، فقلنا: تَعالَوْا نَجْتَمِعْ، فنَضَعَ شيئًا مكانَ الرَّجْمِ، فيَكونَ على الشريفِ والوَضيعِ. فوضَعْنا التَّحْميمَ والجَلْدَ مكانَ الرجمِ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: " [اللهمَّ إنى] ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ أنا أولُ مَن أحْيا أمْرَك إذ أماتُوه". فأمَر به فرُجِم، فأنْزَل اللَّهُ: {لَا يَحْزُنْك
َ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} الآية ¬أخرجه ابن أبي شيبة 6/ 501، 14/ 148، وأحمد 30/ 531، 610 (18562، 18663)، ومسلم (1700)، والبيهقى 8/ 214، 215 من طريق وكيع به، وأخرجه ابن أبي شيبة 6/ 501، 14/ 148، وأحمد 30/ 489 (18525)، ومسلم (1700/ 28)، وأبو داود (4448)، وابن ماجه (2327، 2558)، والنسائى في الكبرى (7218، 11144)، وابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1132 (6365)، والنحاس في ناسخه ص 400، والبيهقى 8/ 246 من طريق أبى معاوية به، وأخرجه أبو داود (4447) والطحاوى في شرح المعانى 4/ 142 وفى المشكل (4541) من طريق الأعمش به بنحوه ومختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 282 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبَرَنا ابن المُبارَكِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْريِّ، قال: كنتُ جالسًا عندَ سعيدِ بن المسيَّبِ، وعندَ سعيدٍ رجلٌ يُوَقِّرُه، فإذا هو رجلٌ مِن مُزَيْنةَ كان أبوه شهِد الحُدَيْبِيَّةَ، وكان مِن أصحابِ أبى هريرةَ، قال: قال أبو هريرةَ: كنتُ جالسًا عندَ رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. ح وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ كاتبُ الليثِ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى عُقَيْلٌ، عن ابن شِهابٍ، قال: أخْبَرَنى رجلٌ مِن مُزَيْنةَ ممَّن يَتَّبِعُ العلمَ ويَعِيه، حدَّث ¬بعده في م، ت 2: "عن".¥ سعيدَ بنَ المسيَّبِ، أن أبا هريرةَ قال: بيْنا نحن مع رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه رجلٌ مِن اليهودِ، وكانوا قد شاوَرُوا في صاحبٍ لهم زنَى بعدَ ما أحْصَن، فقال بعضُهم لبعضٍ: إن هذا النبيَّ قد بُعِث، وقد علِمْتُم أن قد فُرِض عليكم الرجمُ في التوراةِ فكتَمْتُموه، [واصَّلَحْتُم بينَكم] ¬في م: "واصطلحتم بينكم على".¥ عقوبةً دونَه، فانْطَلِقوا فنَسْأَلَ هذا النبيَّ، فإن أفْتانا بما فُرِض علينا في التوراةِ مِن الرجمِ ترَكْنا ذلك، فقد ترَكْنا ذلك في التوراةِ، فهى أحقُّ أن تُطاعَ
وتُصَدَّقَ. فأتَوْا رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: يا أبا القاسمِ، إنه زنَى صاحبٌ لنا قد أحْصَن، فما تَرَى عليه مِن العقوبةِ؟ قال أبو هريرةَ: فلم يَرْجِعْ إليهم رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حتى قام وقمْنا معه، فانْطَلَق يَؤُمُّ مِدْراسَ اليهودِ حتى أتاهم، فوجَدَهم يَتَدارَسون التوراةَ في بيتِ المِدْراسِ، فقال لهم: "يا مَعْشرَ يهودَ، أَنْشُدُكم باللَّهِ الذي أنْزَل التوراةَ على موسى، ماذا تَجِدون في التوراةِ مِن العقوبةِ على مَن زنَى وقد أحْصَن؟ ". قالوا: إنا نَجِدُه يُحَمَّمُ ويُجْلَدُ. وسكَت حبرُهم في جانبِ البيتِ، فلمَّا رأَى رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - صمْتَه [ألَظَّ يَنْشُدُه] ¬في م: "ألظ به النشدة"، وفى س: "جعل ينشده".¥، فقال حَبْرُهم: اللهمَّ إذ نشَدْتَنا، فإنا نَجِدُ عليهم الرجمَ. فقال له رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "فماذا كان أولَ ما ترَخَّصْتم به أمرَ اللَّهِ؟ ". قال: زنَى ابن عمِّ مَلِكٍ فلم يَرْجُمْه، ثم زنَى رجلٌ آخرُ في أُسْرَةٍ مِن الناسِ، فأراد ذلك الملكُ رَجْمَه، فقام دونَه قومُه، فقالوا: واللَّهِ لا تَرْجُمُه حتى تَرْجُمَ فلانًا. ابنَ عمِّ الملكِ.
[فاصَّلَحوا بينَهم] ¬في م: "فاصطلحوا بينهم على".¥ عقوبةً دونَ الرَّجْمِ، وترَكوا الرَّجْمَ، فقال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "فإنى أَقْضِى بما في التَّوراةِ". فأنْزَل اللَّهُ في ذلك: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ}. إلى قولِه: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ¬أخرجه البيهقى في الدلائل 6/ 269، 270 من طريق عبد الله بن المبارك به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (13330)، وفى تفسيره 1/ 189، 190 ومن طريقه أبو داود (488، 4450، 3624)، وابن أبى حاتم في تفسيره 4/ 1138 (6401) عن معمر به، وأخرجه أبو داود (4450)، وابن عبد البر في التمهيد 14/ 399 عن الزهرى به، وأخرجه أحمد 13/ 182 (7761) عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى عن رجل من مزينة مرسلًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 282 إلى عبد بن حميد.¥.
وقال آخَرون: بل عُنِى بذلك المنافقون.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن كَثيرٍ في قولِه: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ}. قال: هم المُنافِقون.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: {آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ}. قال: يقولُ: المنافقون. [{سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ}. قال: هم سمَّاعون لليهودِ] ¬سقط من: م.
والأثر في تفسير مجاهد ص 308 وذكر ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 1130 شطره الثاني عقب الأثر (6352) معلقًا، وكذا ذكره السيوطي في الدر المنثور 2/ 283 وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
وأولى هذه الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ أن يُقالَ: عُنِى بذلك: {لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} قومٌ مِن المنافقين، وجائزٌ أن يكونَ كان ممَّن دخَل في هذه الآيةِ ابن صُورِيَا، وجائزٌ أن يَكونَ أبو لُبابةَ، وجائزٌ أن يَكونَ غيرُهما، غيرَ أنَّ أَثْبَتَ شئٍ رُوى في ذلك ما ذكَرْناه مِن الروايةِ قبلُ عن أبي هريرةَ والبَرَاءِ بن عازبٍ؛ لأن ذلك عن رجلين من أصحابِ رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. وإذا كان ذلك كذلك، كان الصحيحُ مِن القولِ فيه أن يُقالَ: عُنِى به عبدُ اللَّهِ بنُ صُورِيَا.
وإذا صحَّ ذلك كان تأويلُ الآيةِ: يا أيُّها الرسولُ لا يَحْزُنْك الذين يُسارِعون في جُحودِ نبوتِك، والتكذيبِ بك أنك لى نبيٌّ، من الذين قالوا: صدَّقْنا بك يا محمدُ أنك للَّهِ رسولٌ مبعوثٌ، وعلِمْنا بذلك يقينًا، بوجودِنا صفتَك في كتابِنا. وذلك أن في حديثِ أبى هريرةَ الذي رواه ابن إسحاقَ، عن الزهريِّ، أن ابنَ صُورِيَا قال لرسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: أمَا واللَّهِ يا أبا القاسمِ إنهم لَيَعْلَمون أنك نبيٌّ مُرسَلٌ، ولكنهم يَحْسُدونك. فذلك كان على هذا الخبرِ، كان ¬سقط من: م، س.¥ مِن ابن صُورِيا إيمانًا برسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بفِيه، ولم يكنْ مُصَدِّقًا لذلك بقلبِه، فقال اللَّهُ لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، مُطْلِعَه على ضميرِ ابن صُورِيَا، وأنه لم يُؤْمِنْ بقلبِه، يقولُ: ولم يُصَدِّقْ قلبُه بأنك للَّهِ رسولٌ مُرسَلٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ}.
يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: يا أيُّها الرسولُ لا يَحْزُنْك تَسَرُّعُ مَن تسَرَّع مِن هؤلاء المنافقين الذين يُظْهِرون بألسنتِهم تَصْديقَك وهم مُعْتَقِدون تكْذيبَك، إلى الكفرِ بك، ولا تَسَرُّعُ اليهودِ إلى جحودِ نبوتِك. ثم وصَف جلَّ وعزَّ له صفتَهم، ونعَتَهم له بتُعوتِهم الذُّميمةِ، وأفْعالِهم الرديئةِ، وأخْبَرَه مُعَزِّيًا له على ما يَنالُه مِن الحزنِ بتَكْذيبِهم إياه مع علمهم بصدْقِه، أنهم أهلُ استحلالٍ للحرامِ، والمآكلِ الرديئةِ، والمطاعمِ الدَّنِيئةِ مِن الرِّشَا والسُّحْتِ، وأنهم أهلُ إفْكِ وكذبٍ على اللَّهِ وتحريفٍ كتابَه. ثم أعْلَمه أنه مُحِلٌّ بهم خِزْيَه في عاجلِ الدنيا، وعقابَه في آجِلِ الآخِرةِ، فقال: هم {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ}. يعنى هؤلاء المنافقين مِن اليهودِ. يقولُ: هم يَسْمَعون الكذبَ. وسمعُهم الكذبَ سمعُهم قولَ أحْبارِهم أن حكمَ الزانى المُحْصَنِ في التوراةِ التحميمُ والجَلْدُ، {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ}. يقولُ: يَسْمَعون لأهلِ الزانى الذين أرادوا الاحتكامَ إلى رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وهم القومُ الآخَرون الذين
لم يَكُونوا أتَوْا رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وكانوا مُصِرِّين ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ على أن يَأْتُوه، كما قال مجاهدٌ.
حدَّثنا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال مجاهدٌ: {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ}: [مع مَن] ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "وهم".¥ أتَوك.
واختَلَف أهلُ التأويلِ في السَّمّاعين للكذبِ السمَّاعين لقومٍ آخَرِين؛ فقال بعضُهم: {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ}: يهودُ فَدَكَ، والقومُ الآخَرون الذين لم يَأْتُوا رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يهودُ المدينةِ ¬كذا ورد السياق هنا، ولعل صوابه أن يكون السماعون للكذب هم يهود المدينة، وأن القوم الآخرين هم يهود فدك، كما سيأتي في الأثر بعده. والله أعلم.¥.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن ابن عُيَيْنةَ، قال: ثنا زكريا ومُجالِدٌ، عن الشَّعْبيِّ، عن جابرٍ في قولِه: {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ} قال: يهودُ المدينةِ، {لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ}. قال: يهودُ فَدَكَ يقولون ليهودِ المدينةِ: إن أُوتِيتُم هذا فخُذُوه ¬أخرجه الحميدى (1295) - ومن طريقه ابن أبي حاتم 4/ 1130، 1131 (6354، 6357) - عن ابن عيينة، عن زكريا وحده به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 282 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
وقال آخَرون: المعنيُّ بذلك قومٌ مِن اليهودِ، كان أهلُ المرأةِ التي بغَتْ ¬في س: "زنت".¥ بعَثوا بهم يَسْأَلون رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الحكمِ فيها، والباعِثون بهم هم القومُ الآخَرون، وهم أهلُ المرأةِ الفاجرةِ، لم يَكُونوا أتَوْا رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ}: [فإن بنى] ¬في م، س: "كان بنو".¥ إسرائيلَ أنْزَل اللَّهُ عليهم: إذا زنَى منكم أحدٌ فارْجُمُوه. فلم يَزالوا بذلك حتى زنَى رجلٌ مِن خِيارِهم، فلمَّا اجتَمَعَت بنو إسرائيلَ يَرْجُمونه، قام الخيارُ والأشرافُ فمنَعوه، ثم زنَى رجلٌ مِن الضعفاءِ، فاجتَمَعوا ليَرْجُموه، فاجْتَمَعَت الضُّعفاءُ فقالوا: لا تَرْجُموه حتى تَأْتُوا بصاحبِكم فتَرْجُمونهما جميعًا. فقالت بنو إسرائيلَ: إن هذا الأمرَ قد اشْتَدَّ علينا، فتَعَالَوْا فلْنُصْلِحْه. فترَكوا الرجمَ، وجعَلوا مكانَه أربعين جَلْدةً بحبلٍ مُقَيَّرٍ ¬بعده في م: "ويحممونه".¥، ويَحْمِلونه على حمارٍ، ووجْهُه إلى ذَنَبِه، ويُسَوِّدون وجهَه، ويَطُوفون به، فكانوا يَفْعَلون ذلك حتى بُعِث النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وقدِم المدينةَ، فزنَت امرأةٌ مِن أشرافِ اليهودِ، يقالُ لها: بُسْرةُ. فبَعث أبوها ناسًا مِن أصحابِه إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: سَلُوه عن ا
لزِّنى وما نزَل إليه فيه، فإنا نَخافُ أن يَفْضَحَنا ويُخْبِرَنا بما صنَعْنا، فإن أعْطاكم الجلدَ فخُذُوه، وإن أمَرَكم بالرجْمِ فاحْذَروه. فأتَوْا رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فسأَلوه، فقال: "الرجْمُ". فأنْزَل اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ}: حينَ حرَّفوا الرجْمَ فجعَلوه جلدًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1130، 1131 (6356، 6363) من طريق أحمد بن المفضل به مختصرًا.¥.
وأوْلى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: إن السمَّاعِين للكذبِ هم السمَّاعون لقومٍ آخَرِين، وقد يجوزُ أن يكونَ أولئك كانوا مِن يهودِ المدينةِ، والمسموعُ لهم مِن يهودِ فَدَكَ، ويَجوزُ أن يكونَ كانوا مِن غيرِهم غيرَ أنه أيُّ ذلك كان، فهو مِن صفةِ قومٍ مِن يهودَ سمِعوا الكذبَ على اللَّهِ في حكمِ المرأةِ التي كانت بَغَتْ فيهم وهى مُحْصَنَةٌ، وأن حكمَها في التوراةِ التَّحْميمُ والجلدُ، وسأَلوا رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الحكمِ اللازمِ لها، وسمِعوا ما يَقولُ فيها قومُ المرأةِ الفاجرةِ قبلَ أن يَأْتُوا رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُحْتَكِمين إليه فيها. وإنما سأَلوا رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك لهم ليُعْلِموا أهلَ المرأةِ الفاجرةِ ما يكونُ مِن جوابِه لهم، فإن ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "كى إن".¥ لم يَكُنْ مِن حُكْمِه الرجمُ، رضُوا به حَكَمًا فيهم، وإن كان مِن حكمِه الرجمُ، حَذِروه وترَكوا الرضا به وبحكمِه.
وبنحوِ الذي قلنا كان ابن زيدٍ يقولُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ}. قال: لقومٍ آخَرِين لم يَأْتُوك ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "يأتوه".¥ مِن أهلِ الكتابِ، هؤلاء سمَّاعون لأولئك القومِ الآخَرِين الذين لم يَأْتُوه، يقولون لهم الكذبَ: محمدٌ كاذبٌ، وليس هذا في التوراةِ فلا تُؤْمِنوا به ¬أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1131 (6359) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد به، بزيادة في آخره، وسيأتي تمامه في ص 427.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا}.
يقولُ تعالى ذكرُه: يُحَرِّفُ هؤلاء السمَّاعون للكذبِ السمَّاعون لقومٍ آخرين منهم ولم يَأْتُوك بعدُ مِن اليهودِ - الكَلِمَ. وكان تحريفُهم ذلك تَغْييرَهم حكمَ اللَّهِ تعالى ذكرُه الذي أنْزَله في التوراةِ في المُحْصَناتِ والمُحْصَنِين مِن الزُّناةِ، بالرجمِ إلى الجلدِ والتَّحميمِ، فقال تعالى ذكرُه: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ}. يعنى: هؤلاء اليهودُ. والمعنِيُّ حكمُ الكلمِ. فاكْتُفِى بذكرِ الخبرِ مِن ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "عن".¥ تحريفِ الكلمِ عن ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "من".¥ ذكرِ الحكمِ؛ لمعرفةِ السامعين لمعناه. وكذلك قولُه: {مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ}. والمعنى: مِن بعدِ وضْعِ اللَّهِ ذلك مَواضِعَه. فاكتُفِى بالخبرِ مِن ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ ذكرِ مواضعِه عن ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "من بعد".¥ ذكرِ وضْعِ اللهِ ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "بمعنى".¥ ذلك، كما قال تعالى ذكرُه: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 177]. والمعنى: ولكنَّ البِرَّ برُّ مَن آمَن باللَّهِ واليومِ الآخِرِ.
وقد يَحْتَمِلُ أن يَكونَ معناه: يُحَرِّفون الكلمَ عن ¬¥ مواضعِه. فتَكونُ "بعد" وُضِعَت موضعَ "عن"، كما يقالُ: جئتُك عن فَراغى مِن الشُّغلِ. يريدُ ¬¥: بعدَ فَراغى مِن الشُّغلِ.
ويعنى بقولِه: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا}. يقولُ قولُ هؤلاء الباغون السمَّاعون للكذبِ: إن أفْتاكم محمدٌ بالجلدِ والتَّحْميمِ في صاحبِنا، {فَخُذُوهُ}. يقولُ: فاقْبَلوه منه. وإن لم يُفْتِكم بذلك وأفْتاكم بالرَّجْمِ {فَاحْذَرُوا}.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى الزُّهريُّ، قال: سمِعْتُ رجلًا مِن مُزَيْنةَ يُحَدِّثُ سعيدَ بنَ المسيبِ، أن أبا هريرةَ حدَّثهم في قصةٍ ذكَرَها: {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ}. قال: بعَثوا وتخَلَّفوا، وأمَروهم بما أمَروهم به مِن تحريفِ الكلمِ عن مواضعِه، فقال: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ} للتجْبِيهِ ¬في م: "للتحميم".¥ {وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} أي الرجمَ ¬من تمام الأثر المتقدم في ص 414، 415 وهو هنا بنحو ما في هذه المصادر، وسياقها أوضح.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللَّهِ: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا}: إن وافَقكم هذا، {فَخُذُوهُ}. يهودُ تَقولُه للمنافِقِين.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ}: إن وافَقَكم هذا فخُذُوه، وإن لم يُوافِقْكم فاحْذَروه. يهودُ تَقولُه للمُنافِقِين ¬أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1132 (6366، 6369) من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 283 إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ}: حينَ حرَّفوا الرجمَ فجعَلوه جلدًا، يقولون: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} ¬جزء من الأثر المتقدم في ص 421، 422.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن ابن عُيَيْنَةَ، قال: ثنا زكريا ومُجالِدٌ، عن الشَّعْبيِّ، عن جابرٍ: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ}: يهودُ فَدَكَ يقولون ليهودِ المدينةِ: إن أُوتِيتُم هذا الجلدَ فخُذُوه، وإن لم تُؤْتَوْه فاحْذَروا الرجمَ ¬تقدم ص 420، 421.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا}: هم اليهودُ، زنَت منهم امرأةٌ، وكان اللَّهُ قد حكَم في التوراةِ في الزِّنى بالرجمِ، فنفِسوا ¬نفِس بالشئ: ضنّ وبخل. اللسان (ن ف س).¥ أن يَرْجُموها، وقالوا: انْطَلِقوا إلى محمدٍ، فعسَى أن يَكونَ عندَه رُخْصةٌ، فإن كانت عندَه رُخْصةٌ فاقْبَلوها. فأتَوْه فقالوا: يا أبا القاسمِ، إن امرأةً منا زنَت، فما تقولُ فيها؟ فقال لهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "كيف حكمُ اللَّهِ في التوراةِ في الزانى ¬في الكبير للطبرانى: "الزنى".¥؟ ". فقالوا: دَعْنا مِن التوراةِ، ولكن ما عندَك في ذلك؟ فقال: "ائْتُونى بأعْلِمكم بالتوراةِ التي أُنْزِلَت على موسى". فقال لهم: "بالذي نجَّاكم مِن آلِ فرعونَ، وبالذى فلَق البحرَ فأنْجاكم وأغْرَق آلَ فِرْعونَ، إلا أخْبَرْتُمونى ما حُكْمُ اللَّهِ في التَّوراةِ في الزانى ¬في الكبير للطبرانى: "الزنى".¥؟ ". قالوا: حكمُه الرجمُ ¬بعده في م، والدر المنثور: "فأمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجمت".
والأثر أخرجه الطبراني (13033) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 282 إلى ابن مردويه.¥.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: {لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا}: ذُكِر لنا أن هذا كان في قَتيلٍ مِن بنى قُرَيظةَ قتَلَتْه النَّضِيرُ، فكانت النَّضيرُ إذا قتَلَت مِن بنى قُريظةَ لم يَقِيدوهم، إنما يُعْطُونهم الدِّيَةَ؛ لفضلِهم عليهم، وكانت قُريظةُ إذا قتَلَت مِن النَّضيرِ قتيلًا لم يَرْضَوْا إلا بالقَوَدِ؛ لفضلِهم عليهم في أنفسِهم تعَزُّزًا، فقدِم نبيُّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ على تَفِئَةِ ¬في م: "هيئة"، وفى س: "تقية". وتقدم تعريف هذه الكلمة في 6/ 98.¥ فعلِهم ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "فقتلهم"، وأثبتها الشيخ شاكر: "قتيلهم".¥ هذا، فأرادوا أن يَرْفَعوا ذلك إلى رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال لهم رجلٌ مِن المنافقين: إن قَتيلَكم هذا قَتيلُ عَمْدٍ، متى ما تَرْفَعوه إلى محمدٍ أَخْشَى عليكم القَوَدَ، فإن قَبِل منكم الديةَ فخُذُوه، وإلا فكونوا منه على حَذَرٍ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 283 إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ}. يقولُ: يُحَرِّفُ هؤلاء الذين لم يَأْتُوك الكلمَ عن مَواضعهِ، لا يَضَعونه على ما أنْزَله اللَّهُ. قال: وهؤلاء كلُّهم يهودُ، بعضُهم مِن بعضٍ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1132 (6364) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد، وأخرج أوله في آخر الأثر المتقدم في ص 423.¥.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ وعَبيدةُ بنُ حُميدٍ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن البَراءِ بن عازبٍ: {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا}. يقولون: ائْتُوا محمدًا، فإن أفْتاكم بالتَّحْميمِ والجَلْدِ فخُذُوه، وإن أفْتاكم بالرجْمِ فاحْذَروا ¬جزء من الحديث المتقدم في ص 415، 416.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا}.
وهذا تَسْلِيةٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه نبيَّه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - مِن حزنِه على مُسارَعةِ الذين قصَّ قصتَهم مِن اليهودِ والمنافقين في هذه الآيةِ، يقولُ له تعالى ذكرُه: لا يَحْزُنُك تَسَرُّعُهم إلى جُحودِ نبوتِك، فإنى قد حتَمْتُ عليهم أنهم لا يَتُوبون مِن ضَلالتِهم، ولا يَرْجِعون عن كفرِهم، للسابقِ مِن غضَبى عليهم، وغيرُ نافعِهم حُزْنُك على ما تَرَى مِن تسرُّعِهم إلى ما جعَلْتُه سببًا ¬في م: "سبيلا".¥ لهلاكِهم، واستحقاقِهم وَعِيدى.
ومعنى "الفتنةِ" في هذا الموضعِ الضلالةُ عن قَصْدِ السبيلِ، يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يُرِدِ اللهُ يا محمدُ مَرْجِعَه بضَلالتِه عن سبيلِ الهُدَى، فلن تَمْلِكَ له مِن اللهِ استِنْقاذًا ممّا أراد اللَّهُ به مِن الحِيرةِ والضَّلالةِ، فلا تُشْعِرْ نفسَك الحزْنَ على ما فاتك مِن اهتدائِه للحقِّ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1133 عقب الأثر (6370) من طريق أسباط به، ولفظ الأثر قبله: من يرد الله ضلالته.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)}.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: لا يَحْزُنْك الذين يُسارِعون في الكفرِ مِن اليهودِ الذين وصَفْتُ لك صفتَهم، فإن مُسارَعتَهم إلى ذلك أن اللَّهَ قد أراد فتنتَهم، وطبَع على قلوبِهم، فلا يَهْتَدون أبدًا، {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ}. يقولُ: هؤلاء الذين لم يُرِدِ اللَّهُ أن يُطَهِّرَ مِن دَنَسِ الكفرِ ووَسَخِ الشركِ قلوبَهم، بطهارةِ الإسلامِ ونظافةِ الإيمان فيَتوبُوا، بل أراد بهم الخزْىَ في الدنيا، وذلك الذلُّ والهَوانُ، وفى الآخرةِ عذابُ جَهنمَ خالدين فيها أبدًا.
وبنحوِ الذي قلنا في معنى "الخزْى" رُوِى القولُ عن عكرمةَ.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عليِّ بن الأَقْمَرِ ¬في م: "الأرقم". وسيأتي على الصواب في 10/ 35، 11/ 566، 15/ 588. وينظر تهذيب الكمال 20/ 323.¥ وغيرِه، عن عكرمةَ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ}. قال: مدينةٌ في الرومِ تُفْتَحُ فيُسْبَوْنَ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 283 إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.¥.

Tafsir in other languages · 6