تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}.
يقولُ تعالى ذكرُه: وكتَبْنا على هؤلاء اليهود الذين يُحَكِّمونك يا محمدُ وعندَهم التوراةُ فيها حكمُ اللَّهِ.
ويعنى بقوله: {وَكَتَبْنَا}: وفرَضْنا عليهم فيها أن يَحْكُموا في النفسِ إذا قتَلَتْ نفسًا بغير حقٍّ، {بِالنَّفْسِ} يعنى: أن تُقْتَلَ النفسُ القاتلةُ بالنفسِ المَقْتولةِ. {وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} يقولُ: وفرَضْنا عليهم فيها أن يَفْقَئوا العينَ التي فقَأ صاحبُها مثلَها مِن نفسٍ أُخرى بالعينِ المفقوءةِ، ويُجْدَعَ الأَنفُ بالأنفِ، وتُقْطَعَ الأذنُ بالأذنِ، وتُقلَعَ السنُّ بالسنِّ، ويُقْتَصَّ مِن الجارحِ غيرَه ظُلْمًا للمَجْروحِ.
وهذا إخبارٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - عن اليهودِ، وتَعْزيةٌ منه له عن كفرِ مَن كفَر منهم به بعد إقْرارِه بنبوتِه، وإدْبارِه عنه بعدَ إقبالِه، وتعريفٌ منه له جَراءتَهم قديمًا وحديثًا على ربِّهم وعلى رسلِ ربِّهم، وتَقَدُّمَهم على كتابِ اللَّهِ بالتحريفِ والتَّبْديلِ.
يقولُ تعالى ذكرُه له: وكيف يَرْضَى هؤلاء اليهودُ يا محمدُ بحكمِك إذ جاءوا يُحَكِّمونك وعندَهم التوراةُ التي يُقِرُّون بها أنها كتابي ووحْيِى إلى رسولى موسى، فيها حُكْمى بالرجمِ على الزُّناةِ المُحْصَنِين، وقَضائي بينَهم أن مَن قتَل نفسًا ظلمًا فهو بها قَوَدٌ، ومَن فقَأ عينًا بغيرِ حقٍّ فعينُه بها مَفْقوءةٌ قِصاصًا، ومَن جدَع أَنْفًا فأنفُه به مَجْدوعٌ، ومَن قلع سِنًّا فسِنُّه بها مَقْلوعةٌ، ومَن جرَح غيرَه جُرْحًا فهو مُقْتَصٌّ منه مثلُ الجُرْحِ الذي جرَحه؟ ثم هم مع الحكم الذي عندَهم في التوراةِ مِن أحكامى يَتَوَلَّوْن عنه، ويَتْرُكون العملَ به. يقولُ: فهم بتركِ حكمِك، وبسُخْطِ قَضائِك بينَهم أخرَى وأَوْلَى.
وبنحوِ ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: لمَّا رأَتْ قُرَيْظة النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد حكَم بالرجمِ، وكانوا يُخْفُونه في كتابِهم، نهَضَت قُرَيظةُ فقالوا: يا محمدُ، اقْضِ بينَنا وبينَ إخْوانِنا بنى النَّضيرِ. وكان بينهم دمٌ قبلَ قُدومِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وكانت النَّضيرُ يَتَعَزَّزُون على بنى قُرَيظةَ، ودِيَاتُهم على أنصافِ دياتِ النضيرِ، وكانت الديةُ مِن وُسُوقِ التمرِ أربعين ومائةً وَسْقٍ لبنى النضيرِ، وسبعين وَسْقًا لبنى قُرَيظةَ، فقال: "دمُ القُرَظيِّ وَفاءٌ مِن دمِ النَّضِيريِّ". فغضِب بنو النضيرِ، وقالوا: لا نُطيعُك في الرجمِ، ولكن تأْخُذُ بحُدودِنا التي كنا عليها. فنزَلَت: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ} [المائدة: 50]. ونزل: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} الآية ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 287 للمصنف.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}. قال: فما بالُهم يُخالِفون، يَقْتُلون النفسَيْن ¬في ت 1، ت 2، س: "النفس".¥ بالنفسِ، ويَفْقَئون العينَيْن ¬في ت 1، ت 2، س: "العين".¥ بالعينِ؟
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا خَلَّادٌ الكوفيُّ، قال: ثنا الثوريُّ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: كان بينَ حَيَّين مِن الأنصارِ قِتالٌ، فكان بينَهم، قَتْلَى، وكان لأحدِ الحَيَّين على الآخَرِ طَوْلٌ، فجاء النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فجعَل يَجْعَلُ الحرَّ بالحرِّ، والعبدَ بالعبدِ، والمرأةَ بالمرأةِ، فنزَلَت: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} [البقرة: 178]. قال سفيانُ: وبلَغَنى عن ابن عباسٍ أنه قال: نسَخَتها: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} - {فِيهَا}: في التوراةِ - {وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} حتى ¬هي هنا بمعنى: إلى. أو يريد: حتى بلغ.¥: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}. قال مجاهدٌ، عن ابن عباسٍ، قال: كان على بنى إسرائيلَ القِصاصُ في القَتْلَى، ليس بينَهم ديةٌ في نفسٍ ولا جُرْحٍ. قال: وذلك قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا}؛ في التوراةِ، فخفَّف اللَّهُ عن أمة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، فجعَل عليهم الديةَ في النفسِ والجراحِ، وذلك تخفيفٌ مِن ربِّكم ورحمةٌ {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1144 (6437) من طريق أبي حذيفة به ببعضه.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}. قال: إن بني إسرائيلَ لم يُجْعَلْ لهم ديةٌ فيما كتَب اللَّهُ لموسى في التوراةِ مِن نفسٍ قُتِلَت، أو جُرْحٍ، أو سِنٍّ، أو عينٍ، أو أنفٍ، إنما هو القِصاصُ أو العَفْوُ.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا}. أي: في التوراةِ، {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 288 إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا}. أي: في التوراةِ، {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}. حتى بلَغ: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}: بعضُها ببعضٍ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1145 (6446) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}. قال: يقولُ: تُقْتَلُ النفسُ بالنفسِ، وتُفْقَأُ العينُ بالعينِ، ويُقْطَعُ الأَنفُ بالأنفِ، وتُنْزَعُ السِّنُّ بالسنِّ، وتُقْتَصُّ الجِراحُ بالجِراحِ. فهذا يَسْتَوِى فيه أحْرارُ المسلمين فيما بينَهم، رجالُهم ونساؤُهم، إذا كان في النفسِ وما دون النفسِ، ويَسْتَوِى فيه العَبيدُ؛ رجالُهم ونساؤُهم، فيما بينَهم، إذا كان عمدًا في النفسِ وما دونَ النفسِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1144، 1145 (6438، 6440، 6442، 6445) من طريق عبد الله بن صالح به، وليس فيه: وتنزع السن بالسن.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ}.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ}؛ فقال بعضُهم: عُنى بذلك المجروحُ ووليُّ القَتيلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن طارقِ بن شهابٍ، عن الهَيْثمِ بن الأسودِ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ}. قال: يُهْدَمُ عنه - يعنى المجروحَ - مثلُ ذلك مِن ذنوبِه ¬تفسير سفيان ص 102، ومن طريقه البيهقي 8/ 54 بنحوه.¥.
حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن قيسِ بن مسلم، عن طارقِ بن شِهابٍ، عن الهيثمِ بن الأسودِ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو بنحوِه ¬أخرجه ابن أبي شيبة 9/ 438 عن وكيع به ومن طريقه ابن حزم في المحلى 12/ 232.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قيسٍ بن مسلمٍ، عن طارقِ بن شهابٍ، عن الهيثمِ بن الأسودِ أبي العُرْيانِ، قال: رأيْتُ مُعاويةَ قاعدًا على السريرِ، وإلى جنبِه رجلٌ أحمرُ ¬في النسخ: "آخر"، وفي تفسير ابن أبي حاتم: "أجمر". والمثبت من تفسير ابن كثير 3/ 116، ونقله عن ابن أبي حاتم.¥ كأنه مَوْلًى، وهو عبدُ الله بنُ عمرٍو، فقال في هذه الآيةِ: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ}. قال: يُهْدَمُ عنه مِن ذنوبِه مثلُ ما تصَدَّق به ¬أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1146 (6448) من طريق شعبة به.¥.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْم، قال: أَخْبَرَنَا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ في قولِه: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ}. قال: للمجروحِ ¬أخرجه ابن أبي شيبة 9/ 438 - ومن طريقه ابن حزم في المحلى 12/ 232 - عن هشيم به.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا شعبةُ، عن عُمارة بن أبى حَفْصةَ، عن أبي عُقْبةً، عن جابرِ بن زيدٍ: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ}. قال: للمجروحِ.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى حَرَمِيُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أَخْبَرَنى عُمارةُ، عن رجلٍ - قال حَرَميٌّ: نسيتُ اسمَه - عن جابرِ بن زيدٍ بمثلِه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1146 عقب الأثر (6449) من طريق حرمي بن عمارة به، وفيه: جابر بن عبد الله. وليس ابن زيد.¥.
حدَّثنا ابن وَكيع، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ}. قال: للمَجْروحِ.
حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ، عن يونُسَ بن أبي إسحاقَ، عن أبي السَّفَرِ، قال: دفَع رجلٌ مِن قريشٍ رجلًا مِن الأنصارِ، فانْدَقَّت ثَنِيَّتُه، فرفَعَه الأنصاريُّ إلى مُعاويةَ، فلمَّا أَلَحَّ عليه الرجلُ قال مُعاويةُ: شأنَك وصاحبَك. قال: وأبو الدرداءِ عندَ معاويةَ، فقال أبو الدرداءِ: سمِعْتُ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "ما مِن مسلمٍ يُصابُ بشيءٍ من جسدِه فيَهَبُه، إلا رفَعَه اللَّهُ به درجةً، وحَطَّ عنه به خَطيئَةً". فقال له الأنصاريُّ: أنت سمِعْتَه مِن رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: سمِعَتْه أُذُنايَ، ووعاه قبلى. فخلَّى سبيلَ القُرشيِّ، فقال معاويةُ: مُرُوا له بمالٍ ¬أخرجه أحمد 6/ 448 (27574)، والترمذي (1393)، وابن ماجه (2693)، والبيهقى 8/ 55 من طريق يونس بن أبي إسحاق به.¥.
حدَّثنا محمودُ بنُ خِداشٍ، قال: ثنا هُشَيْمُ بنُ بَشِيرٍ، قال: أَخْبَرَنَا مُغيرةُ، عن الشعبيِّ، قال: قال ابن الصامتِ: سمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "مَن جُرِح في جسدِه جراحةً فتصَدَّق بها، كُفَّر عنه ذنوبُه بمثلِ ما تصَدَّق به" ¬أخرجه أحمد 5/ 316 (الميمنية)، وابنه عبد الله 5/ 329 (الميمنية) من طريق هشيم به، وأخرجه عبد الله 5/ 330 (الميمنية)، والنسائي في الكبرى (11146) من طريق مغيرة به، وأخرجه الطيالسي (588) من طريق الشعبي به بنحوه.¥.
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن الحسنِ في قولِه: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ}. قال: كفارةٌ للمَجْروحِ ¬أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 9/ 439 - ومن طريقه ابن حزم في المحلى 12/ 232 - عن يزيد بن هارون به.¥.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن زكريا، قال: سمِعْتُ عامرًا يقولُ: كفارةٌ لمَن تصدَّق به ¬أخرجه ابن أبي شيبة 9/ 440 عن وكيع به.¥.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ}. يقولُ: لوليِّ القتيلِ الذي عفا.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: أَخْبرَني شَبِيبُ بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ بن الحَجَّاجِ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن الهيثمِ [أبي العُرْيانِ] ¬في النسخ: "بن العريان". وتقدم في ص 473، وينظر تهذيب الكمال 30/ 362.¥، قال: كنتُ بالشام، وإذا برجلٍ مع معاويةَ قاعدٍ على السريرِ، كأنه مَوْلًى، قال: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ}. قال: فمَن تَصَدَّق به هدَم اللَّهُ عنه مثلَه مِن ذنوبِه. فإذا هو عبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو.
وقال آخَرون: عنَى بذلك الجارحَ. وقالوا: معنى الآيةِ: فمَن تَصَدَّق بما وجَب له مِن قَودٍ أو قِصاصٍ على مَن وجَب ذلك له عليه، فعفا عنه، فعفْوُه ذلك عن الجاني كفَّارةٌ لذنبِ الجاني المجرمِ، كما القِصاصُ منه كفَّارةٌ له. قالوا: فأما أجْرُ العافي المتُصَدِّقِ فعلى اللَّهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدٍ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ}. قال: كفَّارةٌ للجارحِ، وأجْرُ الذي أُصِيب على اللَّهِ ¬أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 9/ 439، 440 عن يحيى به بنحوه، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1146 (6449) من طريق سفيان به.¥.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا يونُسُ بنُ ¬في م: "عن".¥ أبي إسحاقَ، قال: سمعْتُ مُجاهدًا يقولُ لأبي إسحاقَ: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} يا أبا إسحاقَ؟ قال أبو إسحاقَ: للمُتَصَدِّقِ. فقال مجاهدٌ: للمُذْنِبِ الجارحِ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (761 - تفسير) من طريق يونس به بنحوه.¥.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: قال مُغيرةُ، قال مجاهدٌ: للجارحِ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (759 - تفسير)، وابن أبي شيبة 9/ 438 عن هشيم به.¥.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن مُجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا هَنَّادٌ وسفيانُ بنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ ومجاهدٍ: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ}. قالا: للذي ¬في م: "الذي".¥ تُصُدِّق عليه، وأجْرُ الذي أُصِيب على اللَّهِ. قال هَنَّادٌ في حديثِه: قالا: كَفَّارةٌ للذى تُصُدِّق به عليه ¬أخرجه ابن أبي شيبة 9/ 439 من طريق جرير به.¥.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا عَبِيدَةُ بنُ حُميدٍ، عن منصورٍ، عن مُجاهِدٍ بنحوِه.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن زكريا، عن عامرٍ، قال: كفارةٌ لَمَن تُصُدِّق به عليه ¬في م: "عبد".¥.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مُجاهدٍ وإبراهيمَ، قالا: كفارةٌ للجارحِ، وأجرُ الذي أُصِيب على اللَّهِ ¬تفسير سفيان ص 102، وأخرجه ابن أبي شيبة 9/ 438، 439 - ومن طريقه ابن حزم في المحلى 12/ 232، وسقط ذكر مجاهد من عنده - عن وكيع به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (760 - تفسير) من طريق منصور، عن إبراهيم وحده.¥.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، قال: سَمِعْتُ زيدَ بنَ أسلمَ يقولُ: إن عفَا عنه أو اقْتَصَّ منه، أو قبِل منه الديةَ، فهو كفَّارةٌ له ¬أخرجه ابن أبي شيبة 9/ 439 - ومن طريقه ابن حزم في المحلى 12/ 232 - عن وكيع به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: كفارةٌ للجارحِ، وأجرٌ للعافى؛ لقوله: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40].
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ}. قال: كفارةٌ للمُتَصَدَّقِ عليه ¬أخرج جه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1145 (6447) من طريق عبد الله بن صالح به بمعناه.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا مُعَلَّى بنُ أَسَدٍ، قال: ثنا خالدٌ، قال: ثنا حُصَيْنٌ، عن ابن عباسٍ: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ}. قال: هي كفَّارةٌ للجارحِ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (758 تفسير) عن خالد بن عبد الله به، وفي (757) من طريق حصين عمن حدثه، عن ابن عباس.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عَطاءِ بن السائبِ، عن سعيدٍ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ}: فالكفَّارة للجارحِ، وأَجْرُ المتُصَدِّقِ على الله ¬أخرجه ابن أبي شيبة 9/ 439، 440 - ومن طريقه ابن حزم في المحلى 12/ 232 - عن أبي نعيم به مختصرًا.¥.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال ثنا شِبْلٌ، عن عبدِ اللَّهِ بن كَثِيرٍ، عن مُجاهدٍ أنه كان يقولُ: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ}. يقولُ: للقاتلِ، وأجرٌ للعافى.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عِمْرانُ بنُ ظَبْيانَ، عن عديِّ بن ثابتٍ، قال: هُتِم ¬في مسند ابن أبي شيبة أبي شيبة - كما في المطالب - وفي مسند أبي يعلى: "هشم رجل فم رجل". وينظر سنن سعيدٍ وتفسير ابن كثير. والهَتَمُ: انكسار الثنايا من أصولها خاصة. وقيل: من أطرافها. اللسان (هـ ت م).¥ رجلٌ على عهدِ مُعاويةَ، فأُعْطِى ديةٌ فلم يَقْبَلْ، ثم أُعْطِى ديتَيْن فلم يَقْبَلْ، ثم أُعْطِى ثلاثًا فلم يَقْبَلْ، فحدَّث رجلٌ مِن أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أن رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "فمَن تصَدَّق بدمٍ فما دونه كان كفَّارةً له من يومِ تصَدَّق إلى يومِ وُلِد" ¬في سنن سعيدٍ بن منصور وتفسير ابن كثير: "من يوم ولد إلى يوم يموت". وفي مسند ابن أبي شيبة وأبي يعلى: "من يوم ولد إلى يوم تصدق" وكأن الذي عند المصنف مقلوب هذه الرواية الأخيرة على أن الفائدة من ذلك واحدة وهى غفران ما تقدم ومضى من الذنوب. أما رواية سعيد بن منصور وابن كثير فإنها تفيد غفران ما تقدم وما تأخر حتى يموت. فالله أعلم.¥. قال: فتصَدَّق الرجلُ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (762 تفسير)، ومن طريقه أخرجه ابن مردويه - كما في تفسير ابن
كثير 3/ 117 - وأخرجه ابن أبي شيبة في مسنده - كما في المطالب العالية 5/ 180، 181 (8086)، وأبو يعلى (6869) من طريق عمران بن ظبيان به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ}. يقولُ: مَن جُرِح فتصَدَّق بالذي جُرح به على الجارحِ، فليس على الجارحِ سَبيلٌ ولا قَوَدٌ ولا عَقْلٌ، ولا حَرجَ ¬في م، والدر المنثور: "جرح".¥ عليه مِن أجلِ أنه تصَدَّق عليه الذي
جُرِح، فكان كفَّارةً له مِن ظُلْمِه الذي ظلَم ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 289 إلى المصنف.¥.
وأولى القولين في ذلك عندى بالصواب قولُ مَن قال: عنَى به {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} المجروحَ، فلأن تكونَ الهاءُ في قولِه: {لَهُ}. عائدةٌ على "مَن" أَوْلَى مِن أن تكونَ مِن ذكرِ مَن لم يَجْرِ له ذكرٌ إلا بالمعنى دونَ التصريحِ، وأحْرَى، إذ الصدقةُ هي المُكَفِّرةُ ذنبَ صاحبِها دونَ المُتَصَدَّقِ عليه في سائرِ الصدَقاتِ غيرِ هذه، فالواجبُ أن يَكونَ سبيلُ هذه سبيلَ غيرِها مِن الصدَقاتِ.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن القِصاصَ إذ كان يُكَفَّرُ ذنبَ صاحبِه المُقْتَصِّ منه الذي أتاه في قتل من قتله ظلمًا - كقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إذ أخذ البَيْعةَ على أصحابِه: "ألا تَقْتُلوا، ولا تَزْنوا، ولا تَسْرِقوا". ثم قال: "فمَن فعَل مِن ذلك شيئًا، فأُقِيم عليه حَدُّه، فهو كفَّارتُه" ¬أخرجه البخارى (18، 3892، 6784، 6801، 7213، 7468)، ومسلم (44/ 1709) من حديث عبادة بن الصامت.¥ - فالواجبُ أن يَكونَ عفْوُ العافى المَجْنيِّ عليه أو وليِّ المقتولِ عنه نظيرَه في أن ذلك له كفارةٌ، فإن ذلك لو وجَب أن يكونَ كذلك، لَوجَب أن يَكونَ عفوُ المقْذوفِ عن قاذفِه بالزِّنى، وتركُه أخْذَه بالواجبِ له مِن الحدِّ - وقد قذَفه قاذفُه، وهو عَفيفٌ مسلمٌ مُحْصَنٌ - كفَّارةً للقاذفِ مِن ذنبِه الذي ركِبه، ومعصيتِه التي أتاها، وذلك ما لا نَعْلَمُ قائلًا مِن أهلِ العلمِ يَقولُه.
فإذ كان غيرَ جائزٍ أن يكونَ تركُ المقذوفِ، الذي وصَفْنا أمرَه، أَخْذَ قاذفه بالواجب له من الحدِّ كفَّارةً للقاذفِ مِن ذنبِه الذي ركِبه، كان كذلك غيرَ جائزٍ أن يكونَ تركُ المجروحِ أخْذَ الجارحِ بحقِّه مِن القِصاصِ كفَّارةً للجارحِ
مِن ذنبِه الذي ركِبه.
فإن قال قائلٌ: أو ليس للمَجْروحِ عندك آخُذُ جارحِه بدية جُرْحِه مكانَ القِصاصِ؟
قيل له: بلى.
فإن قال: أفَرَأَيْتَ لو اختار الدية ثم عفا عنها، لكانت ¬في م: "أكانت".¥ له قِبَلَه في الآخرةِ تَبِعةٌ؟
قيل له: هذا كلامٌ عندَنا مُحالٌ؛ وذلك أنه لا يَكونُ عندنا مُختارًا ¬في م: "مختار".¥ الديةَ إلا وهو لها آخِدٌ، فأما العفوُ فإنما هو عفوٌ عن الدمِ - وقد دلَّلْنا على صحةِ ذلك في موضعٍ غيرِ هذا بما أغْنَى عن تكريره في هذا الموضعِ ¬ينظر ما تقدم في 3/ 93 - 120.¥ - إلا أن يَكون مُرادًا بذلك هِبتُها لمَن أُخِذَت منه بعد الأخْذِ، مع أن عفوَه عن الديةِ بعدَ اختيارِه إياها لو صحَّ لم يَكُنْ في صحةِ ذلك ما يُوجِبُ أن يَكونَ المَعْفُوُّ له عنها بريئًا مِن عقوبةِ ذنبِه عندَ اللَّهِ؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه أوْعَد قاتلَ المؤمنِ بما أوْ عَدَه به إن لم يَتُبْ مِن ذنبِه، والديةُ مأخوذةٌ، منه، أحَبَّ أم سَخِط، والتوبةُ مِن التائبِ إنما تكونُ توبةً إِذا اخْتارَها وأرادَها وآثَرَها على الإصْرارِ.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن ذلك وإن كان كذلك، فقد يَجِبُ أن يكونَ له كفارةً، كما كان ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "جاز".¥ القِصاصُ له ¬سقط من: م.¥ كفَّارةً، فإنَّا إنما جعَلْنَا القِصاص له كفَّارةً مع ندمه وبَذْلِه نفسَه لأخْذِ الحقِّ منها، تَنَصُّلًا مِن ذنبِه، بخبرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فأما الديةُ إذا اختارَها المَجْروحُ ثم عفا عنها، فلم يُقْضَ عليه بحدِّ ذنبِه فيكونَ ممَّن دخَل في حكمِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وقولِه: "فمَن أُقِيم عليه الحدُّ فهو كفَّارتُه". ثم مما يُؤَكِّدُ صحةَ ما قلْنا في ذلك الأخبارُ التي ذكَرْناها عن رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِن قولِه: "فمَن تصدَّق بدمٍ ¬في النسخ: "به". والمثبت هو الصواب، وهو جزء من حديث تقدم في الصفحة السابقة.¥ ". وما أشْبَه ذلك مِن الأخبارِ التي قد ذكَرْناها قبلُ.
وقد يجوزُ أن يَكونَ القائلون: إنه عنَى بذلك الجارحَ. أرادوا المعنى الذي ذُكِر عن عروةَ بن الزبيرِ، الذي حدَّثني به الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا ابن سَلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: أَخْبَرَنى عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: إذا أصاب رجلٌ رجلًا، ولا يَعْلَمُ المُصابُ مَن أصابه، فاعْتَرَف له المُصيبُ، فهو كفارةٌ للمُصيبِ. قال: وكان مجاهدٌ يقولُ عندَ هذا: أصاب عُروةُ بنُ الزبيرِ عينَ إنسانٍ عندَ الرُّكْنِ فيما يَسْتَلِمون، فقال له: يا هذا، أنا عروةُ بنُ الزبيرِ، فإن كان بعينِك بأسٌ فأنا بها.
وإذا كان الأمرُ مِن الجارحِ على نحوِ ما كان من عروةً مِن خطأِ فعلٍ على غيرِ عمْدٍ، ثم اعْتَرَف للذى أصابه بما أصابه، فعفا له المصابُ بذلك عن حقِّه قِبَلَه، فلا تَبِعةَ له حينئذٍ قِبَلَ المُصيبِ في الدنيا ولا في الآخِرةِ؛ لأن الذي كان وجب له قِبَلَه مالٌ لا قِصاصٌ، وقد أبْرَأه منه، فإبْراؤه منه كفَّارةٌ [له مِن] ¬في ت 1، ت 2، ت: "ليميز أمر". وفي س: "لتميز أمر"، وغير منقوطة في ص، ولعل صواب قراءتها: "للمبرّأ من" كما أثبته الشيخ شاكر.¥ حقِّه الذي كان له أخْذُه به، فلا طَلِبَةَ له بسببِ ذلك قِبَلَه في الدنيا ولا في الآخرةِ، ولا عقوبةَ تُلْزِمه بها بما كان منه إلى مَن أصابه؛ لأنه لم يَتَعَمَّدْ إصابتَه بما أصابه به فيَكونَ بفعلِه آثمًا ¬في م، ت 1: "إنما".¥ يَسْتَحِقُّ به العقوبةَ مِن ربِّه؛ لأن اللَّهَ عز وجل قد وضَع الجُناحَ عن عباده فيما أخْطَئوا فيه ولم
يَتَعَمَّدُوه من أفعالهم، فقال في كتابِه: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5]. [والتصدقُ في هذا الموضعِ] ¬رسمت في ص هكذا: "وا في هذا الموضع"، ورسمت في ت 1، ت 2، س: "وا في هذا الموضع"، وفي م: "وقد يراد"، والمثبت مستفاد من تحقيق الشيخ شاكر.¥ بالدمِ العفوُ عنه.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن لم يَحْكُم بما أنْزَل اللَّهُ في التوراةِ مِن قَوْدِ النفسِ القاتلةِ قصاصًا بالنفسِ المقتولةِ ظلمًا، ولم يَفْقَأ عين الفاقئِ بعينِ المَفْقوءِ ظلمًا، قِصاصًا ممَّن أمَرَه اللَّهُ به بذلك في كتابِه، ولكن أقاد من بعضٍ، ولم يُقِدْ مِن بعضٍ، أو قتَل في بعضٍ اثنين بواحدٍ، وإِنَّ مَن يَفْعَلُ ذلك، مِن الظالمين. يعنى: ممَّن جار عن ¬في م: "على".¥ حكمِ اللَّهِ، ووضَع فعلَه ما فعَل مِن ذلك في غيرِ موضعِه الذي جعَله اللَّهُ له موضعًا.