تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه - عزَّ وجلَّ -: {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55)}.
قال أبو جعفرٍ - رحِمه اللَّهُ -: يقولُ تعالى ذكرُه: ولمَن خاف مقامَ ربِّه جَنَّتان يَتَنَعَّمون فيهما، متكِئين على فُرُشٍ. بنصبِ {مُتَّكِئِينَ} على الحالِ من معنى الكلامِ الذي قبلَه - لأَن الذي قبلَه بمعنى الخبرِ عمَّن خاف مَقامَ ربِّه أنه في نَعْمةٍ وسرورٍ يَتَنعَّمون في الجنتين.
وقولُه: {عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ}. يقولُ تعالى ذكرُه: بطائنُ هذه الفُرْشِ من غليظِ الديباجِ. والإستبرقُ عندَ العربِ ما غلُظ من الديباجِ وخشُن ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "حسن".¥.
وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ ¬هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 2/ 245.¥ يقولُ: يُسَمَّى المتاعُ الصِّينيُّ ¬سقط من: م.¥ الذي ليس في صفاقةِ ¬أي كثافة. ينظر الوسيط (ص ف ق).¥ الديباجِ ولا خِفَّةِ الفِرِنْدِ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "العرقة". والفرند: نوع من الحرير. ينظر المعرب للجواليقي ص 291، والتاج (فرند).¥، إستبرقًا.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى القزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي إسحاقَ، قال: قال لي سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ: ما الإستبرقُ؟ قال: قلت: ما غلُظ من الديباجِ وخشُن منه.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، [عن ابنِ] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "بن".¥ أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ في قولِه: {إِسْتَبْرَقٍ}. قال: الديباجِ الغليظِ ¬أخرجه الحسين المروزي في زوائده على الزهد لابن المبارك (1534)، وابن أبي شيبة 13/ 137 عن يحيى به.¥.
وحدَّثنا إسحاقُ بنُ زيدٍ الخطابيُّ، قال: ثنا الفِرْيابيُّ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن هُبيرةَ بنِ يَرِيمَ ¬في ص، ت 1: "بريم"، وفي ت 2، ت 3: "مريم".¥، عن ابنِ مسعودٍ في قولِه: {فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ}. قال: قد أُخْبِرْتُم بالبطائنِ، فكيف لو أُخْبِرْتُم بالظواهرِ؟! ¬أخرجه الفريابي - كما في الدر المنثور 6/ 147 - ومن طريقه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (158)، وأخرجه الحاكم 2/ 475، والبيهقي في البعث والنشور (339) من طريق سفيان الثوري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه.¥
حدَّثنا الرفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ اليمانِ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن هُبَيرةَ، قال: هذه البطائنُ، فما ظنُّكم بالظواهرِ؟!
حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، عن يعقوب، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: قيل: هذه البطائنُ من إستبرقٍ، فما الظواهرُ؟ قال: هذا مما قال اللَّهُ: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} ¬ذكره البغوي في تفسيره 7/ 453، والقرطبي في تفسيره 17/ 179.¥ [السجدة: 17].
وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ ¬هو الفراء في معاني القرآن 3/ 118.¥ أن البطانةَ قد تكونُ ظِهارةً، والظِّهارةُ تكونُ بطانةً، وذلك أن كلَّ واحدٍ منهما قد يكونُ وجهًا. قال: وقد تقولُ العربُ: هذا ظهرُ السماءِ، وهذا بطنُ السماءِ؛ لظاهرِها الذي نراه.
وقولُه: {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ}. يقولُ: وثمرُ الجنتَيْنِ [التي تُجنى] ¬في م، ت 1: "الذي يجتنى".¥ قريبٌ منهم؛ لأنهم لا يَتْعَبون بصعودِ نخلِها وشجرِها لاجتناءِ ثمرِها، ولكنهم يَجْتَنونها من قُعودٍ بغيرِ عناءٍ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ}: ثمارُها دانيةٌ، لا يَرُدُّ أيديَهم عنه بُعْدٌ ولا شَوكٌ ¬في م، ت 2، ت 3: "شرك".¥. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "والذي نفسي بيدِه، لا يَقْطَعُ رجلٌ ثمرةً من الجنةِ، فتَصِلَ إلى فيه، حتى يُبَدِّلَ اللَّهُ مكانَها خيرًا منها" ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 147 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ}. قال: لا يَرُدُّ يدَه بُعدٌ ولا شَوْكٌ ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 265 عن معمر به.¥.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ}. قال: ثمارُها دانيةٌ ¬أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 47 - والبيهقي في البعث (308) من طريق أبي صالح به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 147 مطولًا إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.