تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ}.
يقولُ تعالى ذكرُه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} - {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ}. يقولُ جلَّ ثناؤُه: يُوحِي بعضُ هؤلاء الشياطينِ إلى بعضٍ المُزَيَّنَ مِن القولِ بالباطلِ، ليَغُرُّوا به المؤمنين مِن أتباعِ الأنبياءِ، فيَفتِنُوهم عن دينِهم، {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ}. يقولُ: ولِتَميلَ إليه قلوبُ الذين لا يُؤمِنون بالآخرةِ.
وهو مِن صَغَوْتَ تَصْغَى وتَصْغُو - والتنزيلُ جاء بـ "تَصْغَى" - صَغْوًا وصُغُوًّا، وبعضُ العربِ يقولُ: صَغَيْتُ بالياءِ. حُكِي عن بعضِ بني أَسَدٍ: صَغِيتُ إلى حديثِه، فأنا أَصْغَى صُغِيًّا بالياءِ، وذلك إذا مِلْتَ، يقالُ: صَغْوِي معك. إذا كان هَواك معه ومَيْلُك، مثلُ قولِهم: ضِلَعِي معك. ويقالُ: أَصْغَيْتُ الإناءَ، إذا أَمَلْتَه؛ ليَجْتَمِعَ ما فيه، ومنه قولُ الشاعرِ ¬تفسير القرطبي 7/ 69، واللسان (ص غ ى)، والبحر المحيط 4/ 205، وفي تفسير القرطبي واللسان: مكرمة بدلا من: محكمة.¥:
تَرَى السَّفيهَ به عن كلِّ مُحْكَمةٍ ... زَيْغٌ وفيه إلى التَّشْبِيهِ إصْغَاءُ
ويقالُ للقمرِ إذا مال للغُيوبِ: صغا وأصْغَى.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ}. يقولُ: تَزِيغَ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س، ف: "ترجع".¥ إليه أفئدةٌ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 40 إلى المصنف وابن المنذر وأبي الشيخ، وسيأتي بقية الأثر في الصفحة القادمة.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في قولِه: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ}. قال: لِتَمِيلَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1373 (7796) من طريق الضحاك، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 40 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدِّي: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ}. يقولُ: تَمِيلَ إليه قلوبُ الكفارِ ويُحِبُّونه، ويَرْضَوْن به ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1373 عقب الأثر (7796) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به، وفي 4/ 1373 (7799، 7800) من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 40 إلى أبي الشيخ.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ}. قال: {وَلِتَصْغَى}: ولِيَهْوَوْا ذلك وليَرْضَوْه. قال: يقولُ الرجلُ للمرأةِ: صَغَيْتُ إليها: هَوِيتُها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1373 (7797) من طريق أصبغ عن ابن زيد به.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولِيَكْتَسِبُوا مِن الأعمالِ ما هم مُكْتَسِبون.
حُكِي عن العربِ سَماعًا منها: خرَج يَقْتَرِفُ لأهلِه ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س، ف: "أهله".¥. بمعنى: يَكْسِبُ لهم. ومنه قيل: قارَف فلانٌ هذا الأمرَ، إذا واقَعه وعمِله.
وكان بعضُهم يقولُ: هو التُّهْمةُ والادِّعاءُ، يقالُ للرجلِ: أنت قرَفْتَني. أي: اتَّهَمْتَني. ويقالُ: بئْسما اقْتَرَفْتَ لنفسِك. وقال رُؤْبةُ ¬مجاز القرآن 1/ 205، وتفسير القرطبي 7/ 70.¥:
أعْيَا اقْترافُ الكذبِ المَقْروفِ ... تَقْوَى التَّقِيِّ وعِفَّةَ العَفيفِ
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: {وَلِيَقْتَرِفُوا}. قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: {وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ}: ولِيَكْتَسِبوا ما هم مُكْتَسِبون ¬هذا الأثر تتمة الأثر في الصفحة السابقة.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ}. قال: ليَعْمَلُوا ما هم عامِلون ¬هذا الأثر تتمة الأثر المتقدم في صفحة 504.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ}. قال: ليَعْمَلُوا ما هم عامِلون ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1373، 1374 عقب الأثر (7801، 7802) معلقًا.¥.