تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159)}
اخْتَلَفَتِ القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: {فَرَّقُوا}؛ فرُوِى عن عليِّ بن أبي طالبٍ رضِى اللهُ عنه ما [حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرٍو [ذى مُرٍّ] ¬في م: "بن دينار". وينظر تهذيب الكمال 22/ 302.¥، أَنَّ عليًّا رضِى اللهُ عنه قرَأ: (إن الذين فارَقوا دينهم)] ¬سقط من: ت 1.¥ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1429 (8152) من طريق أبي إسحاق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 73 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، قال: قال حمزةُ الزَّيَّاتُ: قرَأها عليٌّ رضِى اللهُ عنه: (فارقوا دينَهم) ¬بعده في ص: قال: ثنا حسن بن علي، عن سفيان، عن قتادة: (فارقوا دينهم) "، وفى م: وقال: ثنا الحسن بن علي، عن سفيان، عن قتادة: (فارقوا دينهم) ". وسيأتي هذا الأثر على الصواب في موضعه ص 32.¥.
وكأن عليًّا ذهَب بقولِه: (فارَقوا دينَهم)؛ خرجوا فارْتَدُّوا عنه، مِن المُفارَقةِ.
وقرَأ ذلك عبدُ اللهِ بن مسعودٍ كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ رافعٍ، عن زُهَيْرٍ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، أن عبدُ اللهِ كان يَقْرَؤُها: {فَرَّقُوا دِينَهُمْ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 63 إلى عبد بن حميد.¥.
وعلى هذه القراءة - أعْنِى قراءةَ عبدِ اللَّهِ - قرأةُ المدينةِ والبصرةِ وعامةُ قرأةِ الكوفيين ¬قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم {فَرَّقُوا} مشددة، مشددة، وقرأ حمزة والكسائي (فارقوا). حجة القراءات ص 278.¥. وكأن عبدُ اللهِ تأوَّل بقراءتِه ذلك كذلك أن دينَ اللهِ واحدٌ، وهو دينُ إبراهيمَ الحَنيفيةُ المسلمةُ، ففرَّق ذلك اليهودُ والنصارى، فتهوَّد قومٌ، وتنَصَّر آخَرون، فجعَلوه شِيَعًا مُتَفرقةً.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إنهما قراءتان معروفتان، قد قرَأَت بكلِّ واحدةٍ منهما أئمةٌ مِن القرأة، وهما مُتَّفقتا المعنى غيرُ مُخْتَلِفَتَيْه؛ وذلك أن كلَّ صَالٌ فلِدينِه مفارقٌ، وقد فرَّق الأحزابُ دينَ اللَّهِ الذي ارْتَضاه لعبادِه، فتَهَوَّد بعضٌ، وتنَصَّر آخرون، وتَمَجَّس بعضٌ. وذلك هو التفريقُ بعينه، ومصيرُ أهلِه شِيَعًا متفرِّقين غيرَ مجتمعين، فهم لدينِ اللهِ الحقِّ مفارِقون، وله مُفَرِّقون. فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فهو للحقِّ مصيبٌ، غير أنى أَخْتارُ القراءة بالذي عليه عُظْمُ القرأةُ، وذلك تشديدُ الراءِ مِن {فَرَّقُوا}.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المَعْنِيِّين بقولِه: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا ¬في النسخ: "فارقوا". وما أثبتناه كرسم مصحفنا.¥ دِينَهُمْ}؛ فقال بعضُهم: عَنى بذلك اليهودَ والنصارى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني ¬في م: "حدثنا".¥ محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {وَكَانُوا شِيَعًا}. قال: يهودُ ¬تفسير مجاهد ص 331.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {فَرَّقُوا دِينَهُمْ}. قال: هم اليهودُ والنصارى ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 222 - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1430 (8154) - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 63 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوَله: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا}: مِن اليهودُ والنصارى.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}: هؤلاء اليهودُ والنصارى. وأما قولُه: {فَرَّقُوا دِينَهُمْ}. فيقولُ: تركوا دينَهم وكانوا شيعًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1430، 1431 (8156، 8163) من طريق أحمد بن المفضل به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا}: وذلك أن اليهودَ والنصارى اخْتَلَفوا قبل أن يُبْعَثَ محمدٌ فتفَرَّقوا، فلمَّا بُعِث محمدٌ أَنْزَل اللهُ: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1430 (8153) عن محمد بن سعد به.¥.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أَبا مُعاذٍ يقولُ: أَخْبرَنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا}. يعنى: اليهودَ والنصارى ¬ينظر البحر المحيط 4/ 260، وتفسير ابن كثير 3/ 372.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن شَيْبانَ عن قتادةَ: (فارقوا دينَهم). قال: هم اليهودُ والنصارى ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1430 (8155) من طريق حسين به، بلفظ: اليهود. وفيه: فرقوا.¥.
وقال آخَرُونَ: عنى بذلك أهلَ البدعِ مِن هذه الأمة الذين اتَّبَعوا مُتَشَابِهَ القرآنِ دونَ مُحْكَمِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ، عن أبي هريرةَ قال: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ}. قال: [نزَلت هذه الآيةُ في هذه الأمةِ] ¬في ص، ت 2، س، ف: "نزلت في هذه الأمة، أو في هذه الأمة، وفى ت 1: "نزلت هذه في الأمة". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1429 (8151) من طريق عبد الرحمن به، وأخرجه أشيب في جزئه 1/ 68 من طريق طاوس به، وذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 372 عن سفيان به، وذكره البخاري في خلق أفعال العباد ص 67 عن طاوس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 63 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ، عن عن أبي هريرة: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا}. قال: هم أهلُ الصلاةِ ¬في م، س: "الضلالة".¥.
حدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكُونيُّ، قال: ثنا بقيةُ بن الوليدِ، قال: كتَب إليَّ عَبَّادُ بن كثيرٍ، قال: ثنى ليثٌ، عن طاوسٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآيةِ: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}: "وليسوا منك، هم أهلُ البدَعِ وأهلُ الشُّبُهات، وأهلُ الضَّلالة، مِن هذه الأمةِ" ¬أخرجه الطبراني في الأوسط (664) من طريق طاوس به، وذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 372 عن المصنف، وقال: هذا الإسناد لا يصح، فإن عباد بن كثير متروك. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 63 إلى الحكيم الترمذى والشيرازى في الألقاب وابن المنذر. وينظر علل الدارقطني 8/ 321.¥.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقال: إن الله أَخْبَر نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - أنه بَرئٌ ممَّن فارَق دينَه الحقَّ وفرَّقه، وكانوا فِرَقًا فيه وأحزابًا شِيَعًا، وأنه ليس منهم ولا هم منه؛ لأن دينَه الذي بعَثه اللهُ به هو الإسلامُ دينُ إبراهيمَ الحَنيفيةُ، كما قال له ربُّه وأمَرَه أن يقولَ: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161].
فكان مِن فارَق دينه الذي بُعِث به - صلى الله عليه وسلم -؛ مِن مشركٍ، ووَثَنَيٍّ ¬سقط مِن: ص، ت 1، س.¥، ويهوديٍّ، ونصرانيٍّ، ومُتَحَنِّفٍ مُبْتَدِعٍ قد ابْتَدَع في الدينِ ما ضلَّ به عن الصراطِ المستقيمِ والدينِ القيِّمِ ملةِ إبراهيمَ المسلمِ - فهو برئٌ مِن ¬بعده في ت 1، ت 2، ت 3، س، ف: "أمة".¥ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، ومحمدٌ منه برئ، وهو داخلٌ في عمومِ قولِه: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}.
وأما قوله: {لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ}. فإن أهلُ التأويلِ اخْتَلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: نزَلَت هذه الآيةُ على نبيِّ اللهِ بالأمرِ بتركِ قتالِ المشركين قبلَ وُجوب فرضِ قتالِهم، ثم نسَخَها الأمرُ بقتالِهم في سورةِ "براءةَ"، وذلك قولُه: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5].
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ قولَه: {لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ}: لم يُؤْمَرُ بقتالهم، ثم نُسِخت، فأُمِر بقتالهم في سورة "براءةَ" ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1431 (8162) من طريق أحمد بن المفضل به.¥.
وقال آخرون: بل نزَلَت على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إعلامًا مِن اللَّهِ لَه أَن مِن أُمتِه مَن يُحْدِثُ بعدَه في دينِه، وليست بمنسوخةٍ؛ لأنها خبرٌ لا أمرٌ، والنسخُ إنما يكونُ في الأمرِ والنهيِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أَخْبَرنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن عليِّ ابن الأقمَرِ، عن أبي الأحْوَصِ أنه تلا هذه الآيةِ: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}. ثم يقولُ: بُرِّئ نبيُّكم - صلى الله عليه وسلم - منهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1431 (8161) من طريق ابن إدريس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 63 إلى عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي وابن إدريس وأبو أسامةَ ويحيى بنُ آدمَ، عن مالكِ بن مِغْوَلٍ بنحوِه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا شُجاعٌ أبو بدرٍ، عن عمرِو بن قيسٍ المُلَائيِّ ¬في م: "الملأ". وينظر تهذيب الكمال 22/ 200.¥، قال: قالت أُمُّ سلمةَ: ليَتَّقِ امرؤٌ ألا يكونَ مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في شيءٍ. ثم قرَأَت: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}. قال عمرُو بنُ قيسٍ: قالها مُرَّةُ الطَّيِّبُ، وتلا هذه الآية ¬أخرجه أحمد بن منيع - كما في المطالب العالية (3975) - عن شجاع أبي بدر عن عمرو بن قيس عن رجل، عن أم سلمة، دون قول مرة الطيب، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 63 إلى أبى الشيخ. وقول مرة أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1431 (8160)، وأبو نعيم في الحلية 4/ 163 من طريق شجاع أبي بدر به.¥.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقال: إن قولَه: {لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}. إعلام مِن الله نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أنه مِن مبتدعة أمتِه المُلْحِدة في دينِه بَرِيءٌ، ومِن الأحزاب مِن مشركي قومِه ومن اليهودِ والنصارى، وليس في إعلامِه ذلك ما يُوجِبُ أن يكونَ نهاه عن قتالِهم؛ لأنه غيرُ مُحالٍ أن يقالَ في الكلامِ: لستَ مِن دينِ اليهودِ والنصارى في شيءٍ، فقاتِلْهم؛ فإِنَّ أَمْرَهم إلى اللهِ في أَن يَتَفَضَّلَ على مَن شَاء منهم فيَتُوبَ عليه، ويُهْلِكَ مَن أراد إهلاكَه منهم كافرًا، فيَقْبِضَ رُوحَه، أو يَقْتُلَه بيدِك على كفرِه، ثم يُنَبِّئهم بما كانوا يَفْعَلون عندَ مَقْدَمِهم عليه. وإذ كان غيرَ مستحيلٍ اجتماعُ الأمرِ بقتالِهم وقولِه: {لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ}، ولم يَكُنْ في الآية دليلٌ واضحٌ على أنها منسوخةٌ، ولا ورد بأنها منسوخةٌ عن الرسولِ خبرٌ - كان غيرَ جائزٍ أن يُقْضَى عليها بأنها منسوخةٌ، حتى تقومَ حُجَّةٌ مُوجِبةً صحةَ القولِ بذلك؛ لما قد بَيَّنَّا مِن أن المنسوخَ هو ما لم يَجُزِ اجتماعُه وناسخُه في حالٍ واحدةٍ، في كتابِنا "كتاب اللطيفِ عن أصولِ الأحكامِ".
وأما قولُه: {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ}. فإنه يقولُ: أنا الذي إليَّ أمرُ هؤلاء المشركين الذين فارَقوا ديَنهم وكانوا شِيَعًا، والمبتدعةِ مِن أمِتك الذين ضلُّوا عن سبيِلك دونَك، ودونَ كلّ أحدٍ؛ إما بالعقوبةِ إن أقاموا على ضّلالِتهم وفِراقِهم ¬في م: "فرقتهم"، وفى، ت 1، ت 2، س، ف: "فرقوا".¥ دينَهم، فأُهْلِكُهم بها، وإما بالعفوِ عنهم بالتوبةِ عليهم والتَّفضُّلِ منى عليهم، {ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}. يقولُ: ثم أُخْبِرُهم في الآخرةِ عندَ ورودِهم عليَّ يوم ¬سقط من: ص، ت 1، س، ف.¥ القيامةِ بما كانوا يَفْعَلون، فأُجازِى كلًّا منهم بما كانوا في الدنيا يّفْعَلون، المحسن منهم بالإحسانِ، والمسئَ بالإساءةِ. ثم أَخْبَر جلَّ ثناؤُه ما مَبْلَغُ جزائِه مَن جازَى منهم بالإحسانِ أو بالإساءةِ، فقال: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}.