تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسيرُ سورة الأنعام
القولُ في تأويل قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}.
يعني تعالى ذكره بقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ}: الحمدُ الكامل للهِ وحده لا شَريكَ له، دونَ جميع الأندادِ والآلهة، ودونَ ما سواه، مما تَعْبُدُه كفَرَةُ خلقِه مِن الأوثانِ والأصنام.
وهذا كلامٌ مَخْرَجُه مَخْرِجُ الخبرِ، يُنْحَى به نحو الأمرِ، يقولُ: أخلصوا الحمدَ والشكر للذي خلقكم أيُّها الناسُ، وخلق السماوات والأرض، ولا تُشركوا معه في ذلك أحدًا شيئًا، فإنه المُسْتَوْجِبُ عليكم الحمد بأياديه عندكم، ونعمه عليكم، لا مَن تَعْبُدونه مِن دونِه، وتجعلونه له شريكًا مِن خَلْقِه.
وقد بيَّنا الفصل بين معنى "الحمد" و "الشكر" بشواهِده فيما مضَى قبلُ ¬ينظر ما تقدم 1/ 135 - 138.¥.
القولُ في تأويل قوله: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ}.
يقول تعالى ذكرُه: الحمدُ للهِ الذي خلق السماوات والأرضَ، وأَظْلَم الليلَ وأثار النهار.
كما حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباط، عن السديِّ: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ}. قال: الظلماتُ ظلمة الليل، والنور نور النهار ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1259، 1260 (7082، 7085) من طريق أحمد.¥.
حدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: أما قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ}. فإنه خلق السماوات قبل الأرض، والظلمة قبل النور، والجنة قبل النار ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1259 (7079، 7083) من طريق يزيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 4 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
فإن قال قائلٌ: فما معنى قوله إذن: {جَعَلَ}؟
قيل: إن العربَ تَجْعَلُها ظرفًا للخبرِ والفِعْل، فتقولُ: جَعَلْتُ أَفْعَلُ كذا، وجَعَلْتُ أَقومُ وأَقْعُدُ. تَدلُّ بقولِها: جَعَلْتُ على اتصال الفعل، كما تقولُ: علِقْتُ ¬في س: "عقلت". وعلق فلان يفعل كذا ظل، كقولك: طفق يفعل كذا. اللسان (ع ل ق).¥ أَفْعَلُ كذا. لا أنها في نفسها فِعْلٌ، يَدُلُّ على ذلك قول القائل: جعَلْتُ أقومُ ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "وأقوم"¥. وأنه لا جَعْل هناك سوى القيام ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "والقيام".¥، وإنما دلَّ بقولِه: جَعَلْتُ. على اتصالِ الفعلِ ودوامِه، ومن ذلك قولُ الشاعر:
وزعَمْتَ أنك سوف تَسْلُكُ فاردا ¬في م: "قادرا". وفاردا: منفردا.¥ ... والموتُ مُكْتَنِعٌ ¬في م: "متسع". واكتنع الشيء: حضر، وكنع الموت واكتنع: دنا وقرب. اللسان (ك ن ع). وينظر تعليق الشيخ شاكر على هذا البيت.¥ طَريقَى قادِرِ
فاجْعَلْ تَحَلَّلْ مِن يمينِك إنما ... حِنْثُ اليَمين على الأثِيمِ ¬في م: "اللئيم".¥ الفاجِرِ
يقولُ: فاجْعَل تَحَلَّلْ. بمعنى: تحلَّل شيئًا بعد شيءٍ. لا أن هناك جَعْلًا مِن غيرِ التَّحْليلِ، فكذلك كلُّ جَعْل في الكلام، إنما هو دليل على فعلٍ له اتصالٌ، لا أن له حظًّا في معنى الفعْلِ.
فقولُه: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ}. إنما هو: أظْلَم ليلَهما وأنار نهارَهما.
القولُ في تأويل قوله: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)}.
يقولُ تعالى ذكرُه مُعَجِّبًا خلقه المؤمنين مِن كفَرةِ عبادِه، ومُحْتَجًّا على الكافرين: إن الإله الذي يَجِبُ عليكم أيُّها الناسُ حمدُه، هو الذي خلَق السماواتِ والأرضَ، الذي جعَل منهما مَعايشَكم وأقْواتَكم وأقواتَ أنعامِكم التي بها حياتُكم، فمِن السماواتِ يَنزِلُ عليكم الغيثُ، وفيها تَجْرِى الشمسُ والقمرُ باعتقابٍ واختلافٍ لمَصالِحكم، ومن الأرضِ يَنْبُتُ الحبُّ الذي به غذاؤُكم، والثمارُ التي فيها ملاذُّكم، مع غيرِ ذلك من الأمور التي فيها مَصالحُكم ومَنافعُكم بها، والذين يَجْحَدون نعمة الله عليهم، بما أَنْعَم به عليهم من خلقِ ذلك لهم ولكم أيُّها الناسُ {بِرَبِّهِمْ} الذي فعَل ذلك وأحْدَثه {يَعْدِلُونَ}: يَجْعَلون له شريكًا في عبادتِهم إياه، فيَعْبُدون معه الآلهة والأندادَ والأصنامَ والأوثانَ، وليس منها شيءٌ شركه في خلقِ شيءٍ من ذلك، ولا في إنعامِه عليهم بما أنْعَم به عليهم، بل هو المنفردُ بذلك كلِّه، وهم يُشْرِكون في عبادتِهم إياه غيرَه. فسبحانَ اللهِ ما أَبْلَغَها مِن ¬سقط من: س.¥ حجةٍ، وأَوْجَزَها مِن عِظَةٍ، لمن فكَّر ¬في س: "تذكر".¥ فيها بعقلٍ، وتدَبَّرها بفهمٍ!
ولقد قيل: إنها فاتحةُ التوراةِ.
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ العزيز بنُ عبد الصمدِ العَمِّيُّ (1)، عن أبي عِمرْانَ الجَوْنيِّ، عن عبدِ اللهِ بن رَباحٍ، عن كعبٍ، قال: فاتحةُ التوراة: فاتحةُ "الأنعام": {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} ¬أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (197، 199) من طريق أبي عمران الجوني، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 3 إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن جعفرِ بن سليمانَ، عن أبي عِمْرانَ الجَوْنيِّ، عن عبدِ الله بن رَباحٍ، عن كعبٍ مثلَه، وزاد فيه: وخاتمةُ التوراةِ خاتمةُ "هودٍ" ¬أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (202) من طريق جعفر بن سليمان، وأخرجه الدارمي 2/ 453 من طريق أبي عمران الجوني، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 357 إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وأبى الشيخ.¥.
يقالُ مِن مُساواة الشيء بالشيءِ: عدَلْتُ هذا بهذا. إذا ساوَيْتَه به، عَدْلًا. وأما في الحكم إذا أنْصَفْتَ فيه، فإنك ¬في ص، ت 2: "فإنه".¥ تقولُ: عَدَلْتُ فيه أَعْدِلُ عَدْلًا.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويل قوله: {يَعْدِلُونَ}. قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن عن مُجاهدٍ: {يَعْدِلُونَ} قال: يُشْرِكون ¬تفسير مجاهد ص 319، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1260 (7088).¥.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويل في مَن عُنى بذلك؛ فقال بعضُهم: عُنى به أهلُ الكتابِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفر بن أبي المغيرةِ، عن ابن أبْزَى، قال: جاءه رجلٌ مِن الخوارج يَقْرَأُ عليه هذه الآيةَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} قال له: أليس الذين كفَروا بربِّهم يَعْدِلون؟ قال: بلى. قال: وانْصَرَف عنه الرجلُ، فقال له رجلٌ مِن القوم: يابن أبْزَى، إن هذا قد أراد تفسير هذه غيرَ هذا، إنه رجلٌ مِن الخَوارج. فقال: ردُّوه عليَّ. فلما جاءه قال: هل تَدْرِى في مَن نزَلَت هذه الآيةُ؟ قال: لا. قال: إنها نزَلَت في أهلِ الكتابِ، اذْهَبْ لا تَضَعْها على غير حَدِّها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1260 (7087) من طريق يعقوب القمى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 4 إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.¥.
وقال آخرون: بل عُنى بها المشركون مِن عَبَدة الأوثان.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ:
{ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} قال: هؤلاء أهلُ صُراحِيَةٍ ¬في م: "صراحة". والصراحية والصراحة: الخالصة. اللسان (ص ر ح). والمراد أنهم أهل شرك وكفر صريح.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}. قال: هم المشركون ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1260 عقب الأثر (7088) من طريق أسباط.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}. قال: الآلهةُ التي عبَدوها عدَلوها بالله. قال: وليس للهِ عِدْلٌ ولا نِدٌّ، وليس معه آلهةٌ، ولا اتَّخذ صاحبةً ولا ولدًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1260 (7089) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.¥.
وأولى الأقوال في ذلك بالصوابِ عندى أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخْبَر أن الذين كفَروا بربِّهم يَعْدِلون. فعمَّ بذلك جميعَ الكفار، ولم يَخْصُصْ منهم بعضًا دونَ بعضٍ، فجميعُهم داخِلون في ذلك؛ يهودُهم، ونَصاراهم، ومَجوسُهم، وعَبَدةُ الأوثانِ منهم ومِن غيرِهم من سائرِ أصنافِ الكفرِ.