تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا}.
يقولُ تعالى ذكرُه: ومن هؤلاء العادلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ مِن قومِك يا محمدُ {مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ}. يقولُ: مَن يَسْتَمِعُ القرآنَ منك، ويَسْتَمِعُ مَا تَدْعُوه إليه مِن توحيدِ ربِّك وأمرِه ونهيِه، ولا يَفْقَهُ ما تقولُ، ولا يُوعِيه قلبَه، ولا يَتَدَبَّرُه، ولا يُصْغِي له سمعَه ليَتَفَقَّهَه فيَفْهَمَ حججَ اللهِ عليه في تنزيلِه الذي أَنزَله عليك، إنما يَسْمَعُ صوتَك وقراءتَك وكلامَك، ولا يَعْقِلُ عنك ما تقولُ؛ لأن الله قد جعَل على قلبِه أكِنّةً.
وهي جمعُ كِنانٍ، وهو الغطاءُ، مثلُ سنانٍ وأسنةٍ، يُقال منه: أَكنَنْتُ الشيءَ في نفسي - بالألفِ - وكَنَنْتُ الشيءَ، إذا غطَّيتَه. ومن ذلك {بَيْضٌ مَكْنُونٌ} [الصافات: 49]، وهو الغطاءُ. ومنه قولُ الشاعرِ ¬البيت لعمر بن أبي ربيعة كما في مجاز القرآن 1/ 46، 188 واللسان (ك ن ن). وليس في ديوانه.¥:
تحتَ عينٍ ¬العين: السحاب. اللسان (ع ى ن).¥ كِنانُنا ... ظلُّ بُرْدٍ مُرَحَلُ ¬المرحل: ضَرْب من بُرود، اليمن، سمى مرحلا لأن عليه تصاوير رحل. اللسان (ر ح ل).¥
يعنى غطاءهم الذي يُكِنُّهم.
{وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا}. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَل في آذانِهِم ثِقَلًا وصَمَمًا عن فَهم ما تَتْلو عليهم، والإصغاءِ لما تَدْعوهم إليه.
والعربُ تَفتَحُ الواوَ من الوَقْرِ في الأُذُنِ، وهو الثِّقَلُ فيها، وتَكْسِرُها في الحِمْلِ، فتقولُ: هو وِقْرُ الدابةِ. ويقالُ مِن الحِمْلِ: أَوْقَرْتُ الدابةَ. فهي موقورةٌ ¬في م: "موقرة".¥، ومن السمعِ: وَقَرْتُ سمعَه. فهو موقَّرٌ ¬في م: "موقور".¥. ومنه قولُ الشاعرِ ¬التبيان 4/ 103.¥:
* ولى هامة قد وقَّر الضربُ سمْعَها *
وقد ذُكِر سماعًا منهم: وَقِرَت أُذُنُه إِذا ثَقُلت، فهي مَوْقُورةٌ، وأَوْقَرَتِ النخلةُ فهي مُوقِرٌ. كما قيل: امرأةٌ طامثٌ وحائضٌ. لأنه لا حظَّ فيه للمذكرِ، فإذا أُرِيد أن الله أَوْقَرها، قيل: مُوقرَةٌ.
وقال تعالى ذكرُه: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ}. بمعنى: أَلَّا يفْقَهوه. كما قال: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النساء: 176]. بمعنى: أَلَّا تَضِلُّوا؛ لأن الكِنَّ إنما جُعِل على القلبِ لئلا يَفْقَهَه، لا لِيَفْقَهَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا}. قال: يَسْمَعونه بآذانِهم، ولا يَعُون منه شيئًا، كمثَلِ البهيمةِ التي تَسْمَعُ النداءَ، ولا تَدْرِى ما يُقالُ لها ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 209. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1276 (7192) عن الحسن بن يحيى به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن عن السدِّيِّ: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا}: أما {أَكِنَّةً}: فالغِطاءُ أَكَنّ قلوبَهم، لا يَفْقَهُونَ الحَقَّ، {وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا}. قال: صَمَمٌ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1275، 1276 (7190، 7191، 7193) من طريق أحمد بن المفضل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 8 إلى أبى الشيخ.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ}. قال: قريشٌ ¬تفسير مجاهد ص 320 ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1275 (7188).¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإن يَرَ هؤلاء العادِلون بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ، الذين جَعَلْتُ على قلوبِهم أَكِنَّةً أن يَفْقَهوا عنك ما يَسْمَعون منك، {كُلَّ آيَةٍ}. يقولُ: كلُّ حُجةٍ وعلامةٍ تَدلُّ أهلَ الحِجَا والفهمِ على توحيدِ اللهِ، وصدقِ قولِك، وحقيقة نبوَّتِك، {لَا يُؤْمِنُوا بِهَا}. يقولُ: لا يُصَدِّقون بها، ولا يُقِرُّون بأنها دالةٌ على ما هي عليه دالةٌ، {حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ}. يقولُ: حتى إذا صاروا إليك بعدَ مُعاينتِهم الآياتِ الدالةَ على حقيقةِ ما جئتَهم به، {يُجَادِلُونَكَ}. يقولُ: يُخاصِمونك، {يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا}. يعنى بذلك: الذين جحَدوا آياتِ اللهِ وأنْكروا حقيقتَها، يقولون لنبيِّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا سمِعوا حُجَجَ اللهِ التي احتجَّ بها عليهم، وبيانَه الذي بيَّنه لهم: {إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}. أي: ما هذا إلا أساطيرُ الأولين.
والأساطيرُ جمعُ إسْطارةٍ وأُسْطُورةٍ، مثلَ أُفُكُوهَةٍ وأُضْحُوكةٍ. وجائزٌ أن يَكونَ الواحدُ أسْطارًا، مثلَ أبياتٍ وأَبابِيتَ، وأقوالٍ وأَقاوِيلَ، مِن قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: {وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} [الطور: 2]. مِن: سطَرَ يَسْطُرُ سَطْرًا.
فإن كان هذا، فإن تأويلَه: ما هذا إلا ما كتَبه الأوَّلون.
وقد ذُكِر عن ابن عباسٍ وغيرِه أنهم كانوا يتأوَّلُونه بهذا التأويلِ، ويقولون: معناه: إن هذا إلا أحاديثُ الأوَّلِين.
حدَّثني بذلك المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 8 إلى المصنف.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}: فَأَساجِيعُ الأَوَّلِينَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1276 (7197) من طريق أحمد بن مفضل به. وهو من تمام الأثر المتقدم في ص 198.¥.
وكان بعضُ أهلِ العلمِ - وهو أبو عُبَيدةَ مَعْمَرُ بنُ المثنَّى - بكلامِ العربِ يقولُ ¬مجاز القرآن 1/ 189.¥: الإسطارةُ لغةٌ، [ومجازُها] ¬في م: "الخرافات"، وفى مجاز القرآن: "ومجازها مجاز الترهات".¥ التُّرَّهاتُ.
وكان الأخفشُ يقولُ: قال بعضُهم: واحدُه أُسْطورةٌ. وقال بعضُهم: إسْطارةٌ. قال: ولا أُراه إلا مِن الجميعِ ¬في م: "الجمع".¥ الذي ليس له واحدٌ، نحوَ العَباديدِ ¬في م: "العبابيد" والعباديد والعبابيد: الخيل المتفرقة في ذهابها ومجيئها. اللسان (ع ب د) ¥ والمَذَاكير والأبابيلِ. قال: وقال بعضُهم: واحدُ الأبابيلِ إبِّيلٌ. وقال بعضُهم: إِبَّوْلٌ. مثلَ عِجَّوْلٍ ¬العجول والعجل: ولد البقرة. اللسان (ع ج ل).¥، ولم أَجِدِ العربَ تَعْرِفُ له واحدًا، وإنما هو مثلُ عَبادِيدَ لا واحدَ لها. وأما الشَّماطِيطُ ¬الشماطيط: القطع المتفرقة. اللسان (ش م ط).¥، فإنهم يَزْعُمون أن واحدَه شِمْطاطٌ. قال: وكلُّ هذه لها واحدٌ، إلا أنه لم يُسْتَعْمَلْ ولم يُتَكَلَّم به؛ لأن هذا المثالَ لا يَكونُ إلا جميعًا ¬في م: "جمعا".¥. قال: وسمِعْتُ العرب الفُصَحاءَ تقولُ: أَرْسَل خَيلَه أبابيلَ. تُرِيدُ جَماعاتٍ، فلا تَتَكَلَّمُ بها بواحدةٍ ¬في م: "موحده".¥.
وكانت مُجادلتُهم رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - التي ذكَرها اللهُ في هذه الآيةِ فيما ذُكِر، ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: {حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ} الآية. قال: هم المشركون، يُجادِلون المسلمين في الذِّبيحةِ، يقولون: أما ما ذبَحْتُم وقَتَلْتُم فتَأْكُلون، وأما ما قتَل اللهُ فلا تَأْكلُون، وأنتم تَتِّبِعون أمرَ اللهِ تعالى! ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1276 (7194، 7196) عن محمد بن سعد به.¥