تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27)}.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: {وَلَوْ تَرَى} يا محمدُ هؤلاء العادِلين بربِّهم الأصنامَ والأوثانَ، الجاحَدِين نبوّتَك، الذين وصَفْتُ لك صفتَهم {إِذْ وُقِفُوا}. يقولُ: إذ حُبسوا {عَلَى النَّارِ}: يعنى: في النار. فوُضِعَت "على" موضعَ "في"، كما قال: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} [البقرة: 102].
بمعنى: في ملكِ سليمانَ.
وقيل: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا}. ومعناه: إذا وُقِفوا؛ لمَا وصَفْنا قبلُ فيما مضَى أن العربَ قد تَضَعُ "إذ" مكانَ "إذا"، و "إذا" مكانَ "إذ"، وإن كان حظُّ "إذ" أن تُصاحِبَ مِن الأخبارِ ما قد وُجد فقضَى، وحظ "إِذا" أن تُصاحِبَ مِن الأخبارِ ما لم يُوجَدْ ¬ينظر ما تقدم في ص 134، 135.¥، ولكنَّ ذلك كما قال الراجزُ، وهو أبو النجمِ ¬تقدم تخريج الأبيات في ص 134.¥:
مَدَّ لنا في عُمْرِه رَبُّ طَهَا ¬قال في اللسان (ط و ا): فإنما أراد: رب طه السورة فحذف الألف.¥ ... ثم جَزاه الله عنا إِذ جَزَى
جناتِ عَدْنٍ في العَلَاليِّ العُلَا
فقال: ثم جَزاه اللهُ عنا إذ جزَى. فوضَع "إذ" مكان "إذا".
وقيل: {وُقِفُوا}. ولم يُقَلْ: أُوقِفوا. لأن ذلك هو الفصيحُ مِن كلامِ العربِ، يقالُ: وقَفْتُ الدابةَ وغيرَها - بغيرِ ألفٍ - إذا حبَسْتَها. وكذلك: وقَفْتُ الأرضَ. إذا جعَلْتَها صدقةً حَبيسًا. بغيرِ ألفٍ.
وقد حدَّثني الحارثُ، عن ¬في م: "بن"، وهو خطأ.¥ أبي عُبيدٍ، قال: أخْبرَني اليَزيديُّ والأصْمَعيُّ، كلاهما عن أبي عمرٍو، قال: ما سَمِعْتُ أحدًا مِن العرب يقولُ: أوْقَفْتُ الشيءَ. بالألفِ. قال: إلا أنى لو رأَيْتُ رجلًا بمكانٍ فقلتُ: ما أوْقَفك ههنا؟ بالألفِ، لرأَيْتُه حسنًا ¬تهذيب اللغة 9/ 333، الصحاح "وقف" بنحو.¥
{فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ} يقولُ: فقال هؤلاء المشركون بربِّهم إذ حُبِسوا في النارِ: يا ليتَنا نُرَدُّ إلى الدنيا حتى نَتوبَ ونُراجِعَ طاعةَ اللَّهِ، {وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا}. يقولُ: ولا نُكَذِّبَ بِحُجَجِ ربنا ولا نَجْحَدَها، {وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}. يقولُ: ونَكونَ مِن المُصَدِّقين باللهِ وحُجَجه ورسلِه، مُتَّبعى أمرِه ونهيِه.
واخْتَلَفَت القَرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ الحجازِ والمدينةِ والعراقَيْن ¬في النسخ: "العراقيين". والعراقان هما البصرة والكوفة. وينظر ما سيأتي في ص 219.¥: (يا ليتنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبُ بآياتِ ربِّنا ونكونُ مِن المؤمِنين) ¬وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر. السبعة لابن مجاهد ص 255.¥. بمعنى: يا ليتنا نُرَدُّ، ولسنا نُكَذِّبُ بآياتِ ربِّنا، ولكُنَّا ¬في م: "لكن".¥ نكونُ مِن المؤمنين.
وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ الكوفةِ: {يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}. بمعنى: يا ليتَنا نُرَدُّ، وأن لا نُكَذِّب بآياتِ ربِّنا، ونكونَ مِن المؤمنين ¬وهى قراءة حمزة وعاصم في رواية حفص، ورواية ابن ذكوان عن ابن عامر. المصدر السابق.¥.
وتأوَّلوا في ذلك شيئًا حدَّثَنِيه أحمدُ بنُ يُوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: في حرفِ ابن مسعودٍ: (يا ليتنا نُرَدُّ فلا نُكَذِّبَ). بالفاءِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 9 إلى المصنف وأبي عبيد، والقراءة شاذة.¥.
وذُكِر عن بعضِ قرأةِ أهلِ الشامِ أنه قرَأ ذلك: (يا ليتنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبُ) بالرفعِ (ونكونَ) ¬وهى رواية هشام بن عمار عن ابن عامر. ينظر السبعة ص 255.¥ بالنصبِ. كأنه وجَّه تأويلَه إلى أنهم تمَنَّوُا الردَّ، وأن يكونوا مِن المؤمنين، وأخْبَرُوا أنهم لا يُكَذِّبون بآياتِ ربِّهم إن رُدُّوا إلى الدنيا.
واختَلَف أهلُ العربية في معنى ذلك منصوبًا ومرفوعًا؛ فقال بعضُ نحويي البصرةِ: {وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} نصبٌ لأنه جوابٌ للتمنى، وما بعدَ الواوِ كما بعدَ الفاءِ. قال: وإن شئتَ رفعتَ، وجعلتَه على غيرِ التمني، كأنهم قالوا: ولا نُكَذِّبُ واللهِ بآياتِ ربِّنا، ونَكونُ واللهِ مِن المؤمنين. هذا إذا كان على ذا الوجه كان مُنْقَطِعًا مِن الأولِ. قال: والرفعُ وجهُ الكلامِ؛ لأنه إذا نصَب جعَلها واوَ عطفٍ، فإذا جعَلها واوَ عطفٍ، فكأنهم قد تمنوا أن لا يُكَذِّبوا، وأَن يَكُونوا مؤمنين. قال: وهذا - واللهُ أعلمُ - لا يَكونُ؛ لأنهم لم يَتَمَنَّوْا هذا، إنما تمَنَّوا الردَّ، وأَخْبَرُوا أنهم لا يُكَذِّبون ويَكُونون مِن المؤمنين.
وكان بعضُ نحويى الكوفة يقولُ: لو نُصِب {نُكَذِّبَ} و {وَنَكُونَ} على الجوابِ بالواوِ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "قالوا"¥ لكان صوابًا. قال: والعربُ تُجيب بالواوِ و "ثم" كما تُجِيبُ بالفاءِ، يقولون: ليت لى مالًا وأُعْطِيَك، وليت لى مالًا فأُعْطِيَك، و: ثم أُعْطِيَك. قال: وقد تَكونُ نصبًا على الصَّرفِ ¬ينظر كلام المصنف على الصرف في 1/ 607، 608، 6/ 92.¥، كقولِك: لا يَسَعُنى شيءٌ ويعجِزَ عنك.
وقال آخرُ منهم: لا أُحِبُّ النصب في هذا؛ لأنه ليس بتَمَنٍّ منهم، إنما هو خبرٌ أخْبَروا به عن أنفسهم، ألا تَرَى أن الله تعالى قد كذَّبهم فقال: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ}. وإنما يَكونُ التكذيبُ للخبرِ لا للتمنِّى.
وكان بعضُهم يُنْكِرُ أن يَكونَ الجواب بالواو، وبحرف غير الفاء، وكان: يقولُ: إنما الواوُ موضعُ حالٍ: لا يَسَعُنى شيءٌ ويَضِيقَ عنك. أي: وهو يَضِيقُ عنك. قال: وكذلك الصَّرفُ في جميعِ العربيةِ. قال: وأما الفاءُ فجوابُ جزاءٍ: ما قمتَ فنَأْتِيَك ¬في م: "فآتيك" وفى س: "فأتيتك".¥. أي: لو قمتَ لأَتَيْناك. قال: فهكذا حكمُ الصرفِ والفاءِ.
قال: وأما قولُه: {وَلَا نُكَذِّبَ} {وَنَكُونَ}. فإنما جاز لأنهم قالوا: يا ليتنا نُرَدُّ في غيرِ الحاِل التي وُقِفْنا فيها على النارِ. فكان وَقْفَهم في تلك، فتمَنَّوْا أن لا يَكونوا وُقِفوا في تلك الحالِ.
وكأن مَعْنيَّ صاحبِ هذه المقالةِ في قولِه هذا: ولو تَرَى إذ وُقِفوا على النارِ فقالوا: قد وُقِفْنا عليها مُكَذِّبين بآياتِ ربِّنا كفارًا، فيا ليتَنا نُرَدُّ إليها فنُوقَفَ عليها غيرَ مُكَذِّبِين بآياتِ ربِّنا، ولا كفارًا.
وهذا تأويلٌ يَدْفَعُه ظاهرُ التنزيل، وذلك قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}. فَأَخْبَرَ اللَّهُ تعالى ذكرُه أنهم في قِيلِهم ذلك كَذَبةٌ، والتكذيبُ لا يَقَعُ في التمنى، ولكنَّ صاحبَ هذه المَقالِة أَظُنُّ به أنه لم يَتَدَبَّرِ التأويل، ولزم سَنَنَ العربيةِ.
والقراءةُ التي لا أخْتارُ غيرَها في ذلك: (يا ليتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبُ بآياتِ ربِّنا وتكونُ مِن المؤمنين). بالرفع في كليهما، بمعنى: يا ليتَنا نُرَدُّ، ولسنا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ ربِّنا إن رُدِدْنا، ولكُنَّا نكونُ مِن المؤمنين. على وجهِ الخبرِ منهم عما يَفْعَلُون إن هم رُدُّوا إلى الدنيا، لا على التمنِّى منهم ألا يُكَذِّبوا بآياتِ ربِّهم، ويَكُونوا مِن المؤمنين؛ لأن الله تعالى ذكرُه قد أخْبرَ عنهم أنهم لو رُدُّوا لَعادوا لما نُهُوا عنه، وأنهم كَذَبَةٌ في قيلِهم ذلك. ولو كان قيلُهم ذلك على وجهِ التمنِّى لَاسْتَحال تكذيبهم فيه؛ لأن التمنِّىَ لا يُكَذَّبُ، وإنما يَكونُ التصديقُ والتكذيبُ في الأخبارِ.
وأما النصبُ في ذلك، فإنى أَظُنُّ بقارئِه أنه برجاءِ ¬كذا في م، ت 2، س، وغير منقوطة في ص، ت 1، وأثبتها الشيخ شاكر: "توخَّى".¥ تأويلِ قراءةِ عبدِ اللهِ التي ذكَرْناها عنه، وذلك قراءتُه ذلك: (يا ليتَنا نُرَدُّ فلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ ربِّنا ونكونَ مِن المؤمنين). على وجهِ جوابِ التمنى بالفاءِ، وهو إذا قُرِئ بالفاءِ كذلك، [ولا] ¬في م: "لا".¥ شك في صحةِ إعرابهِ ومعناه في ذلك؛ أن تأويلَه إذا قُرِئ كذلك: لو أنا رُدِدْنا إلى الدنيا ما كذَّبْنا بآياتِ ربِّنا، ولكُنَّا مِن المؤمنين. فإن يَكُنِ الذي ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "ذكر".¥ حَكَى مِن حَكَى عن العربِ مِن السَّماعِ منهم الجوابَ بالواوِ و "ثم"، كهيئةِ الجوابِ بالفاءِ صحيحًا،" فلا شكّ في صحةِ قراءِة مِن قرَأ ذلك: {يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ}. نصبًا على جوابِ التمنى بالواوِ، على تأويلِ قراءةِ عبدِ اللهِ ذلك بالفاءِ، وإلا فإن القراءةَ بذلك بعيدة المعنى مِن تأويلِ التنزيل، ولستُ أَعْلَمُ سَماع ذلك مِن العربِ صحيحًا، بل المعروفُ مِن كلامِها الجوابُ بالفاءِ، والصرفُ بالواوِ.