تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39)}.
يقولُ تعالى ذكره: والذين كذَّبوا بحُجَج الله وأعلامه وأدلتِه صُمٌّ عن سماعِ الحقِّ، بُكْمٌ عن القيل به {فِي الظُّلُمَاتِ}. يعني: في ظلمة الكفر حائرًا ¬في م: "حائر".¥ فيها، يقولُ: هو مُرْتَطِمٌ في ظلماتِ الكفرِ، لا يُبْصِرُ آيَاتِ اللَّهِ فَيَعْتَبِرَ بها ويَعْلَمَ أن الذي خلَقَه وأنْشَأَه، فدبَّره [أحكم تدبير] ¬في م: "وأحكم تدبيره".¥، وقدَّره أحسن تقديرٍ، وأعطاه القوةَ، وصحَّح له آلةً جسمِهِ لم يَخْلُقُه عَبثًا، ولم يتركه سُدًى، ولم يُعْطِه ما أعطاه من الآلات إلا لاستعمالها في طاعتِه وما يُرْضِيه، دونَ معصيتِه وما يُسْخِطُه، فهو لحيرتِه في ظلماتِ الكفر، وترَدُّدِه في غَمَراتِها، غافلٌ عما الله قد أثْبَت له في أمِّ الكتابِ، وما هو به فاعلٌ يومَ يُحْشَرُ إليه مع سائر الأممِ. ثم أخْبَر تعالى ذكرُه أنه المُضِلُّ مَن يَشَاءُ إضلالَه مِن خلقِه عن الإيمانِ إلى الكفرِ، والهادى إلى الصراطِ المستقيم منهم مَن أحَبَّ هدايتَه، فمُوَفِّقُه بفضلِه وطَوْلِه للإيمانِ به، وترك الكفر به وبرسلِه، وما جاءت به أنبياؤُه، وأنه لا يَهْتَدِى مِن خلقه أحدٌ إلا من سبَق له في أمِّ الكتابِ السعادةُ، ولا يَضِلُّ منهم أحدٌ إلا مَن سبَق له ف
يها الشَّقاءُ، وأَنَّ بيده الخيرَ كلَّه، وإليه الفضل كلَّه، له الخلق والأمرُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال قتادةُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: {صُمٌّ وَبُكْمٌ}: هذا مَثَلُ الكافِرِ أَصَمُّ أبْكَمُ، لا يُبْصِرُ هدًى، ولا يَنْتَفِعُ به، صمَّ عن الحقِّ، في الظلماتِ لا يَسْتَطِيعُ منها خروجًا ¬بعده في م: "له".¥، مُتَسكِّعٌ ¬متسكع: متحير. القاموس المحيط (س ك ع).¥ فيها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1286، 1287 (7263، 7264) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 11 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.