تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
ثم بين لنا جلَّ ثناؤه ما تلك التجارةُ التي تُنجِينا من العذابِ الأليمِ، فقال: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ}. وقد قيل لهم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}. فوَصَفهم ¬في ص، م: "بوصفهم".¥ بالإيمانِ؟ فإن الجوابَ في ذلك نظيرُ جوابِنا في قولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ} [النساء: 136]. وقد مضَى البيانُ عن ذلك في موضِعِه بما أغنَى عن إعادتِه ¬ينظر ما تقدم في 7/ 594، 595.¥.
وقولُه: {وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ}. يقولُ تعالى ذكرُه: وتجاهدون في دينِ اللَّهِ وطريقِه الذي شَرَعه لكم، بأموالِكم وأنفسِكم، {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ}. يقولُ: إيمانُكم باللَّهِ ورسولِه وجهادُكم في سبيلِ اللَّهِ بأموالِكم وأنفسِكم، خيرٌ لكم من تضييعِ ذلك والتفريطِ، {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} مضارَّ الأشياءِ ومنافعَها.
وذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (آمِنُوا بِاللهِ) على وجْهِ الأمرِ ¬معاني القرآن للفراء 3/ 154، والبحر المحيط 8/ 263.¥.
وبُيِّنتِ التجارةُ من قولِه: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ}. وفُسِّرت بقولِه: {تُؤْمِنُونَ}. ولم يقلْ: أن تُؤْمِنوا. لأن العربَ إذا فَسَّرت الاسمَ بفعلٍ، تُثبِتُ في تفسيرِه "أنْ" أحيانًا، وتَطْرَحُها أحيانًا؛ فتقولُ للرجلِ: هل لك في خيرٍ، تَقُومُ بنا إلى فلانٍ فنعودَه؟ هل لك في خيرٍ، أن تقومَ إلى فلانٍ فنعودَه؟ بـ "أن" وبطرحِها. ومما جاء في الوجهين على الوجهين جميعًا قولُه: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا}، و (إنَّا) [عبس: 24، 25]. فالفتحُ في "أنّا" لغةُ مَن أدخَل في "تَقُومَ": "أن"، مِن قولِهم: هل لك في خيرٍ أن تقومَ؟ والكسرُ فيها لغةُ من يُلْقِي "أن" مِن "تَقُومَ". ومنه قولُه: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ}، و (إنّا دَمَّرْناهم) [النمل: 51]. على ما بيَّنا ¬ينظر ما تقدم في 18/ 94، 59.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ} الآية: فلولا أن اللَّهَ بيَّنها، ودلَّ عليها المؤمنين، لتَلهَّفَ عليها رجالٌ أن يكونوا يَعْلَمونها، حتى [يَضِنُّوا بها] ¬في الدر المنثور: "يطلبوها".¥، وقد دلَّكمُ اللَّهُ عليها، وأعْلَمَكم إيَّاها فقال: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 214 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تلا قتادةُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}. قال: الحمدُ للَّهِ الذي بَيَّنَها ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 290 عن معمر به.¥.