تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
وقولُه: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}. اختلَف أهلُ التأويلِ في الخُنَّسِ الجوارِ الكُنَّسِ؛ فقال بعضُهم: هي النجومُ الدراريُّ الخمسةُ، تَخْنِسُ في مجراها فترجِعُ، وتكْنِسُ فتَسْتَتِرُ في بيوتِها، كما تكْنِسُ الظباءُ في المغارِ. والنجومُ الخمسةُ؛ بَهْرَامُ، وزُحَلُ، وعُطارِدُ، والزَّهَرَةُ، والمُشْتَرِى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن خالدِ بن عرعرةَ، أن رجلًا قام إلى عليٍّ رضى اللهُ عنه، فقال: ما {الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}؟ قال: هي الكواكبُ ¬أخرجه البيهقى في الشعب (3991) من طريق أبى الأحوص به، وأخرجه الحاكم 2/ 516 من طريق سماك به، وأخرجه سعيد بن منصور - كما في الفتح 8/ 694 - بإسناد حسن عن علي، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 320 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن راهويه والبيهقي في البعث.¥.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ بن حربٍ، قال: سمِعتُ خالدَ بنَ عرعرةَ، قال: سمِعتُ عليًّا عليه السلامُ وسُئل عن: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}. قال: هي النجومُ تخنِسُ بالنهارِ، وتكنِسُ بالليلِ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 359 نقلا عن المصنف.¥.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، [عن إسرائيلَ] ¬سقط من: م.¥، عن سماكٍ، عن خالدِ بن عرعرةَ، عن عليٍّ رضِى اللهُ عنه، قال: النجومُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 8/ 359 - من طريق سفيان الثورى به.¥.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ من مُرادٍ، عن عليٍّ أنه قال: هل تدرون ما الخُنَّسُ؟ هي النجومُ، تجرِى بالليلِ وتخنِسُ بالنهارِ ¬في ص، ت 3: "الحسين".¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى جريرُ بنُ حازمٍ أنه سمِع الحسنَ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 359.¥ يُسألُ، فقيل: يا أبا سعيدٍ، ما {الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}؟ قال: النجومُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 320 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ بن خليفةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن بكرِ بن عبدِ اللهِ في قولِه: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}. قال: هي النجومُ الدراريُّ التي تجرِى تستقبلُ المشرقَ ¬¥.
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، قال: هي النجومُ ¬¥.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاق، عن رجلٍ مِن مُرادٍ، عن عليٍّ بن أبى طالبٍ رضِى اللهُ عنه: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}. قال: يعنى النجومَ؛ تكنِسُ بالنهارِ، وتبدو بالليلِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}. قال: هي النجومُ؛ تبدو بالليلِ، وتخنِسُ بالنهارِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 320 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}. قال: هي النجومُ تخنِسُ بالنهارِ، و {الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}: سَيرُهنَّ إذا غبْن ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 352 عن معمر به.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}. قال: الحُنَّسُ والجوارى الكُنَّسُ: النجومُ الحُنَّسُ؛ إنها تخنِسُ؛ تتأخَّرُ عن مَطالِعها ¬في ص، م، ت 1: "مطلعها".¥، هي تتأخُرُ كلَّ عامٍ، لها في كلِّ عامٍ تأخُّرٌ عن تعجيلِ ذلك الطلوعِ تخنِسُ عنه، والكُنَّسُ: تكنِسُ بالنهارِ فلا تُرى. قال: والجوارى: تجرى بعدُ، فهذا الخُنَّسُ الجوارى الكُنَّسُ ¬ذكره البغوي في تفسيره 8/ 349.¥.
وقال آخرون: هي بقرُ الوحشِ التي تكنِسُ في كِناسِها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا هشيمُ بنُ بشيرٍ، عن زكريا بن أبي زائدةَ، عن أبي إسحاقَ السبيعيِّ، عن أبي ميسرةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ أنه قال لأبى ميسرةَ: ما {الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}؟ قال: فقال: بقرُ الوحشِ. قال: فقال: وأنا أُرى ذلك ¬أخرجه الحاكم 2/ 516 من طريق زكريا بن أبي زائدة به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 351، 352، وابن سعد 6/ 106 من طريق أبي إسحاق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 320 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: {الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}. قال: بقرُ الوحشِ ¬أخرجه الطبراني (9063)، وأبو نعيم في الحلية 4/ 142 من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 320 إلى سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر.¥.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن شُرَحْبيلَ، قال: قال ابنُ مسعودٍ: يا عمرُو، ما {الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}. أو: ما تراها؟ قال عمرٌو: أُراها البقَرَ. قال عبدُ الله: وأنا أُراها البقَرَ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ، قال: سألتُ عنها عبدَ الله. فذكَر نحوَه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثني جريرُ بنُ حازمٍ، قال: ثنى الحجاجُ بنُ المنذرِ، قال: سألتُ أبا الشَّعثاءِ جابرَ بنَ زيدٍ عن: {الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}. قال: هي البقَرُ إذا كنَست كوانسُها ¬أخرجه البخارى في التاريخ الكبير 2/ 374 من طريق جرير به بلفظ: البقر والظباء الوحشية، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 320 إلى عبد بن حميد.
* إلى هنا ينتهى الخرم الموجود بالنسخة "ت 2" المشار إليه في ص 145.¥. قال يونسُ: قال لى عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ: هي البقَرُ إذا فرَّت مِن الذئابِ، فذلك الذي أراد بقولهِ: كنَست كوانسُها *.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال جريرٌ: وحدَّثنى الصلتُ بنُ راشدٍ، عن مجاهدٍ مثلَ ذلك ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 320 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في قولِه: {الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}. قال: هي بقَرُ الوحشِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، قال: سُئل مجاهدٌ ونحنُ عندَ إبراهيمَ عن قولِه: {الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}. قال: لا أدْرى. فانتَهره إبراهيمُ وقال: لِمَ لا تَدْرى؟ فقال: إنهم يَرْوُون عن عليٍّ رضِى اللهُ عنه، وكنا نسمَعُ أَنَّها البقَرُ. فقال إبراهيمُ: هي البقرُ الجوارى، الكُنَّسُ: حُجْرةُ ¬في م، ت 3: "جحرة". والحجرة: حظيرة الحيوان. الوسيط (ح ج ر).¥ بقرِ الوحشِ التي تأْوِى إليها، والخُنَّسُ الجوارى: البَقرُ.
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ ومجاهدٍ أنهما تذاكرا هذه الآيةَ: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}. فقال إبراهيمُ لمجاهدٍ: قلْ فيها ما سمعتَ. قال: فقال مجاهدٌ: كنا نسمعُ فيها شيئًا، وناسٌ يقولون: إنها النجومُ ¬بعده في تفسير ابن كثير: "قال: فقال إبراهيم: قل فيها بما سمعت. قال: فقال مجاهد: كنا نسمع أنها بقر الوحش حين تكنس في حجرتها".¥. قال: فقال إبراهيمُ: إنهم يَكْذِبون على عليٍّ رضِى اللهُ عنه، هذا كما رَوَوْا عن عليٍّ رضِي اللهُ عنه، أنه ضمَّن الأسفلَ الأعلى، والأعلى الأسفلَ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 360 عن المصنف، وأخرجه سعيد بن منصور في تفسيره - كما في الفتح 8/ 694 - من طريق مغيرة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 320 إلى عبد بن حميد. وينظر مصنف ابن أبي شيبة 9/ 335.¥.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، [عن سفيانَ] ¬سقط من: ت 2، ت 3.¥، عن المغيرةِ، قال: سُئل مجاهدٌ [عندَ إبراهيمَ] ¬سقط من: م، ت 1.¥ عن الجوارى الكُنَّسِ، قال: لا أدرى، يزعمون أنَّها البقَرُ. قال: فقال إبراهيمُ: ما ¬بعده في: ص، م، ت 1، ت 2: "لا".¥ تَدْرى؟ هي البَقرُ. قال: يذكُرون عن عليٍّ رضي اللهُ عنه أنها النجومُ. قال: يَكْذِبون على عليٍّ رضِى اللهُ عنه.
وقال آخرون: هي الظباءُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}. يعنى: الظباءِ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 360 عن العوفي، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 320 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ بن إسحاقَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ}. قال: الظباءِ ¬ذكره البغوي في تفسيره 8/ 349، وابن كثير في تفسيره 8/ 360.¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: ثنا ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}. قال: كنا نقولُ؛ أظنُّه قال: الظباءِ. حتى زعمَ سعيدُ بنُ جبيرٍ أنه سأل ابنَ عباس عنها، فأعاد عليه قراءتَها ¬ينظر تفسير ابن كثير 8/ 360.¥.
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}. يعنى: الظباءِ ¬ينظر البحر المحيط 8/ 434، وتفسير ابن كثير 8/ 360.¥.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أنْ يُقالَ: إِنَّ الله تعالى ذكرُه أقسَم بأشياءَ تخنِسُ أحيانًا؛ أي تغيبُ، وتجرى أحيانًا وتكنِسُ أخرى، وكنوسُها: أن تأوِىَ في مكانسِها، والمكانسُ عندَ العربِ هي المواضعُ التي تأوِى إليها بقرُ الوحشِ والظباءُ، واحدُها مَكْنَسٌ وكِنَاسٌ، كما قال الأعشى ¬ديوانه ص 201.¥:
فلمَّا لَحِقْنا الحَيَّ أَتْلَعَ ¬تلع الظبي والثور من كناسه: أخرج رأسه وسَمَا بجيده، وأتلع رأسه: أطلعه فنظر، اللسان (ت ل ع).¥ أُنَّسٌ ... كَمَا أَتَلَعَتْ تَحْتَ المَكَانِسِ رَبْرَبُ ¬الربرب: القطيع من بقر الوحش، وقيل: من الظباء ولا واحد له. اللسان (ر ب ب).¥
فهذه جمعُ مَكْنَسٍ، وكما قال في الكِناسِ طَرَفةُ بنُ العبدِ ¬ديوانه ص 16.¥:
كأَنَّ كِنَاسَىْ ضَالَةٍ ¬الضال: السدر البرى. اللسان (ض و ل).¥ يَكْنُفَانِها ... وَأَطْرَ قِسِيٍّ تَحْتَ صُلْبٍ مُؤَيَّدِ
وأما الدَّلالةُ على أن الكِناسَ قد يكونُ للظباءِ، فقولُ أُوسِ بن حَجَرٍ ¬ديوانه ص 57.¥:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنْزَلَ مُزْنَةً ... وَعُفْرُ الظِّبَاءِ في الكِناسِ تَقَمَّعُ
فالكِناسُ في كلامِ العربِ ما وصفتُ، وغيرُ مُنكَرٍ أن يُستعارَ ذلك في المواضعِ التي تكونُ بها النجومُ مِن السماءِ، فإذْ كان ذلك كذلك، ولم يكنْ في الآيةِ دلالةٌ على أن ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "ذلك".¥ المرادَ بذلك النجومُ دونَ البقرِ، ولا البقرُ دونَ الظباءِ، فالصوابُ أنْ يُعَمَّ بذلك كلُّ ما كانت صفتُه الخُنوسَ أحيانًا، والجَرْىَ أخرى، والكُنوسَ بآناتٍ، على ما وصَف جلَّ ثناؤُه مِن صفتِها.