تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولهِ: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: ومن أهلِ المدينةِ مُنافقون مَرَدُوا على النفاقِ، ومنهم آخرون {اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ}، يقولُ: أقَرُّوا بذنوبِهم، {خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا}. يعنى جلّ ثناؤه بالعملِ الصالحِ الذي خَلَطوه بالعملِ السَّيِّئِ: اعتِرَافهم بذنوبِهم، وتوبتَهم منها، والآخرُ السَّيِّئُ هو تَخَلُّفُهم عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حينَ خَرَج محارِبًا ¬في ص، م، ت 1، ت 2، س، ف: "غازيا".¥، وتَركُهم الجهادَ مع المسلمين.
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: {خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا}. وإنما الكلامُ: خَلَطُوا عملًا صالحًا بآخرَ سَيِّئٍ؟ قيل: قد اختَلَف أهلُ العربيةِ في ذلك؛ فكان بعضُ نَحوييِّ البصرةِ يقولُ: قيل ذلك كذلك، وجائزٌ في العربيةِ أن يكونَ بآخرَ ¬لعل هنا سقطا.¥، كما تقولُ: استَوى الماءُ والخشبةُ. أي: بالخشبةِ، وخَلَطتُ الماءَ واللبنِ. [أي: باللبنِ. وقال بعضُ نحوييِّ الكوفةِ: ذلك نظيرُ قولِ القائلِ: خلَطتُ الماءَ واللبنَ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س، ف.¥. وأنكَر أن يكون نظيرَ قولِهم: استوَى الماءُ والخشبةَ. واعتلَّ في ذلك أن الفعلَ في الخلطِ عاملٌ في الأولِ والثانى، وجائزٌ تقديمُ كلِّ واحدٍ منهما على صاحبِه، وأن تقديمَ الخشبةِ على الماءِ غيرُ جائزٍ في قولِهم: استوى الماءُ والخشبةُ. وكان ذلك عندَه ¬في م: "عندهم".¥ دليلًا على مُخالفةِ ذلك الخلطَ.
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القولِ في ذلك عندى، أنه بمعنى قولِهم: خَلَطتُ الماء واللبنَ. بمعنى: خلطتُه باللبنِ.
{عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}. يقولُ: لعلَّ الله أن يتوبَ عليهم. و (عسى) من اللهِ واجبٌ، وإنما معناه: سيتوبُ اللهُ عليهم. ولكنه في كلامِ العربِ على ما وصفتُ، {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. يقولُ: إن الله ذو صَفحٍ وعَفوٍ لمن تابَ من ¬في ص، م، ت 1، ت 2، س، ف: "عن".¥ ذنوبِه، وساترٌ له عليها، {رَحِيمٌ} به أن يُعذِّبَه بها.
وقد اختلف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بهذه الآيةِ، والسببِ الذي من أجلِه أُنزِلت فيه؛ فقال بعضُهم: نَزَلت في عشْرةِ أنفسٍ كانوا تخلَّفوا عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في غزوةِ تبوكَ، منهم أبو لُبابةَ، فرَبَطَ سبعةٌ منهم أنفسَهم بالسَّوارى ¬في ص، م، ف: "إلى السوارى".¥ عندَ مَقدَمِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ توبةً منهم من ذنبِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا}. قال: كانوا عشَرَةَ رَهْطٍ تَخَلَّفوا عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في غزوةِ تبوكَ، فلما حَضَر رجوعُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أوثَقَ سبعةٌ منهم أنفسَهم بسَوارى المسجدِ، فكان ممَرُّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إذا رَجَع في المسجدِ عليهم، فلما رآهم قال: "من هؤلاء المُوثِقُون أنفسَهم بالسَّواري؟ ". قالوا: هذا أبو لُبابةَ وأصحابٌ له تَخلَّفوا عنك يا رسولَ اللهِ؛ حتى تُطلِقَهم وتَعذِرَهم. فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "وأنا أُقسِمُ باللهِ لا أطلِقُهم ولا أَعذِرُهم حتى يكونَ اللهُ هو الذي يُطلِقُهم؛ رَغِبوا عنِّي وتَخَلَّفوا عن الغزوِ مع المسلمين". فلما بَلَغهم ذلك قالوا: ونحن واللهِ لا نطلقُ أنفسَنا حتى يكونَ اللهُ الذي يُطلِقُنا. فأنزل اللهُ عزّ وجل: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}. و"عسى" من اللهِ واجبٌ، فلما نَزَلت، أرسلَ إليهم النبيُّ -
صلى الله عليه وسلم - فأطلقهم وعَذَرَهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1872، 1874 مفرقا، وابن مردويه - كما في تخريج أحاديث الكشاف 2/ 98 - و البيهقي في الدلائل 5/ 271 من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي مطولًا في الدر المنثور 3/ 272 إلى ابن المنذر. وستأتى تتمته في ص 659، 662، 667، 669.¥.
وقال آخرون: بل كانوا ستةً، أحدُهم أبو لُبابةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، وذلك أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - غَزا غزوةَ تبوكَ، فتَخلَّف أبو لُبابةَ وخمسةٌ معه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ثم إنّ أبا لُبابةَ ورَجلَين معه تَفَكَّروا ونَدِموا وأيقَنوا بالهلَكةِ، وقالوا: نكونُ في الكِنِّ والطمأنينةِ مع النساءِ، ورسولُ اللهِ والمؤمنون معه في الجهادِ، واللهِ لنُوثِقَنَّ أنفسَنا بالسَّوارى، فلا نطلقُها حتى يكونَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - هو يُطلِقُنا ويَعْذِرُنا. فانطلَقَ أبو لُبابةَ فأوثَقَ نفسَه ورجلان معه بسَوارى المسجدِ، وبَقِىَ ثلاثةُ نفرٍ لم يُوثِقوا أنفسَهم، فرَجَع رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - من غزوتِه، وكان طريقُه في المسجدِ، فمرَّ عليهم فقال: "من هؤلاء المُوثِقو أنفسِهم بالسَّوارِى؟ ". فقالوا: هذا أبو لُبابةَ وأصحابٌ له؛ تخلَّفوا عن رسولِ اللهِ، - صلى الله عليه وسلم - فعاهدوا الله ألّا يُطلِقوا أنفسَهم حتى تكو
ن أنت الذي تُطلِقُهم وترضَى عنهم، وقد اعترَفوا بذنوبِهم. فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "والله لا أُطلِقُهم حتى أُومَرَ بإطلاقِهم، ولا أَعْذِرُهم حتى يكون اللهُ هو يَعْذِرُهم، وقد تَخَلَّفوا عنى ورَغِبُوا بأنفسِهم عن غزوِ المسلمين وجهادِهم". فأنزل الله عزّ وجلّ برحمتِه: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} و"عسى" من اللهِ واجبٌ، فلما نَزَلت الآيةُ أطلقَهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وعَذَرَهم، وتجاوزَ عنهم ¬في الأصل: "عن ذنوبهم". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1872 عن محمد بن سعد به.
وعزاه السيوطي مطولًا في الدر المنثور 3/ 273 إلى ابن مردويه. وستأتى تتمته في ص 660، 669.¥.
وقال آخرون: الذين رَبَطوا أنفسَهم بالسَّوارى كانوا ثمانيةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن زيدِ بن أسلمَ {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102)} قال: هم الثمانيةُ الذين رَبَطوا أنفسَهم بالسَّوارِى؛ منهم: كَرْدَمٌ ومِرْداسٌ، وأبو لُبابةَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1872 من طريق يعقوب به. وستأتى تتمته في ص 660.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: الذين رَبَطوا أنفسَهم بالسَّوارِى؛ هلالٌ، وأبو لُبابةَ، وكَرْدَمٌ، ومِرْداسٌ، وأبو قيسٍ ¬ينظر تفسير البغوي 4/ 90.¥.
وقال آخرون: بل كانوا سبعةً.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}. ذُكِر لنا أنهم كانوا سبعةَ رَهْطٍ تَخَلَّفوا عن غزوةِ تبوكَ، فأمَّا أربعةٌ فَخَلَطوا عملًا صالحًا وآخَرَ سيئًا؛ جَدُّ بن قيسٍ، وأبو لُبابةَ، وجذامٌ ¬في ص، ت 1، س: "حدام" غير منقوطة، وفى م، ت 2، ف، والدر المنثور: "حرام"، وفي تفسير ابن أبي حاتم: "خذام"، وفي الإصابة: "خدام".¥، وأوسٌ، وكلُّهم مِن الأنصارِ، وهم الذين قيل فيهم: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} الآية ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1873 من طريق يزيد به، وأخرجه عبد بن حميد - كما في الإصابة 1/ 146 - من طريق سعيد به بدون ذكر "جذام". وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 273 إلى أبى الشيخ.¥ [التوبة: 103].
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عَن قتادةَ: {خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا}. قال: هم نَفَرٌ ممن تَخلَّفَ عن تبوكَ ¬بعده في الأصل: "مع رسول - صلى الله عليه وسلم -".¥؛ منهم أبو لُبابةَ، ومنهم جَدُّ ¬في الأصل: "جابر" وانظر مصدر التخريج.¥ بنُ قَيْسٍ، تِيبَ عليهم. قال قتادةُ: وليسوا بالثلاثةِ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، س، ف: "بثلاثة"، يشير إلى قوله تعالى: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1873 من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 286 عن معمر به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ}. قال: هم سبعةٌ؛ منهم أبو لُبابةَ، كانوا تَخَلَّفوا عن غزوةِ تبوكَ، وليسوا بالثلاثةِ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ، قال: حدَّثنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا}، نَزَلَت في أبى لُبابةَ وأصحابِه، تَخَلَّفوا عن نبيِّ
اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في غزوةِ تبوكَ، فلمَّا قَفَلَ ¬في ت 1، ت 2، س: "ثقل".¥ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - من غزوتِه، و ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.¥ كان قريبًا مِن المدينةِ، نَدِموا على تَخَلُّفِهم عن رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وقالوا: نكونُ في الظِّلالِ والأطعمةِ والنساءِ، ونبيُّ اللهِ في الجهادِ واللَّأْواءِ! واللَّهِ لنُوثِقَنَّ أنفسَنا بالسَّوارِى، ثم لا نطلقُها حتى يكونَ نبيُّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُطْلِقُنا ¬في ت 1، ت 2، س: "يطلقها".¥ ويَعْذُرُنا. وأوثَقوا أنفسَهم، وبَقِيَ ثلاثةٌ لم يُوثِقوا أنفسَهم بالسواري ¬ليست في: م.¥، فَقَدِمَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِن غزوتِه، فمرَّ في المسجدِ، وكان طريقَه، فأبصَرهم، فسأل عنهم، فقيل له: أبو لُبابة وأصحابُه تَخَلَّفوا عنك يا نبيَّ اللَّهِ، فصَنَعوا بأنفسِهم ما تَرَى، وعاهَدوا الله ¬بعده في م: "أن" والمثبت من سائر النسخ وله وجه في اللغة.¥ لا يُطْلِقُوا ¬بعده في الأصل: "عن".¥ أنفسَهم حتى تكون أنتَ الذي تُطْلِقُهم. فقال نبيُّ اللِه - صلى الله عليه وسلم -: "لا أُطْلِقُهم حتى أُومَرَ بإطلاقِهم، ولا أعْذُرُهم حتى يَعْذُرَهم الله
ُ. و ¬سقط من: م.¥ قد رَغَبُوا بأنفسِهم عن غزوةِ المسلمين". فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} إلى: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} و (عسى) مِن اللهِ واجبٌ، فأطْلَقَهم نبيُّ اللهِ وعَذَرَهم ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 272 إلى أبى الشيخ. وسيأتي تتمته في ص 661، 671.¥.
وقال آخرون: بل عُنِى بهذه الآيةِ أبو لُبابةَ خاصةً، وذنبُه الذي اعتَرَف به، فتِيبَ عليه منه، ما كان مِن أمرِه في بني قُريظةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن ورقاء، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ}. قال: نَزَلَت في أبي لُبابةَ، قال لقُريظةَ ما قال ¬تفسير مجاهد ص 374، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1873 والبيهقي في الدلائل 5/ 271. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 272 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ}. قال: أبو لُبابةَ، إذ قال لقُريظةَ ما قال، أشارَ إلى حلقِه: إن محمدًا ذابحُكم إن نَزَلتم على حُكْمِ اللَّهِ.
حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ}. فَذَكَر نحوَه، إلا أنه قال: إن نَزَلْتم على حكمِه.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ: رَبَطَ أبو لُبابةَ نفسَه إلى ساريةٍ، فقال: لا أحُلُّ نفسى حتى يَحُلَّنى اللهُ ورسولُه. قال: فحَلَّه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وفيه أُنزِلَت هذه الآيةُ: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا} الآية.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحارِبيُّ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ}. قال: نَزَلَت في أبي لُبابةَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1873 من طريق المحاربي به.¥.
وقال آخرون: بل نَزَلَت في أبي لُبابةَ بسببِ تَخلُّفِه عن تبوكَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، قال: قال الزهريُّ: كان أبو لُبابةَ ممن تخلَّفَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في غزوةِ تبوكَ، فرَبَطَ نفسَه بساريةٍ، فقال: واللهِ لا أَحُلُّ نفسى منها، ولا أذوقُ طعامًا ولا شرابًا حتى أموتَ، أو يتوبَ اللهُ عليَّ. فمكَتَ سبعةَ أيامٍ لا يذوقُ فيها ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س، ف.¥ طعامًا ولا شرابًا، حتى خَرَّ مَغْشِيًّا عليه. قال: ثم تابَ اللهُ عليه، ثم قيل له: قد تِيبَ عليك يا أبا لُبابةَ. فقال: واللهِ لا أَحلُّ نفسى ¬من هنا خرم في مخطوط جامعة القرويين المشار إليه بالأصل، ينتهي في ص 679.¥ حتى يكونَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - هو يَحُلُّنى. قال: فجاءَ النبيُّ - - صلى الله عليه وسلم - فَحَلَّه بيدِه، ثم قال أبو لُبابةَ: يا رسولَ اللهِ، إن مِن تَوْبتى أن أهجُرَ دارَ قومى التي أصبتُ فيها الذنبَ، وأن أنخلِعَ مِن مالى كلِّه صدقةً إلى اللهِ وإلى رسولِه. قال: "يُجْزِئُك يا أبا لُبابةَ الثُّلثُ ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 286، وأخرج آخره في (16397) عن ابن جريج ومعمر به، وعن معمر وحده في (9745).¥.
وقال بعضُهم: عُنِى بهذه الآيةِ الأعرابُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا}. قال: فقال: إنهم مِن الأعرابِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1873 عن محمد بن سعد به.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن حَجَّاجِ بن أَبي زينبَ ¬في النسخ: "ذئب". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال 5/ 437.¥، قال: سمعتُ أبا عثمانَ يقولُ: ما في القرآنِ آيةٌ أَرْجَى عندى لهذه الأمةِ مِن قولِه: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} إلى: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ¬أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 13/ 548، وابن أبي الدنيا في التوبة - كما في الدر المنثور 3/ 273 - ومن طريقه البيهقى في الشعب (7165) من طريق يزيد بن هارون، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 273 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
قال أبو جعفرٍ: وأَوْلى هذه الأقوالِ بالصوابِ في ذلك، قولُ مَن قال: نَزَلَت هذه الآيةُ في المُعْترِفِين بخطإِ فعلِهم في تَخَلُّفِهم عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وتَرْكِهم الجهادَ معه، والخروجَ لغزوِ الرومِ حينَ شَخَصَ إلى تبوكَ، وإن الذين نَزَل ذلك فيهم جماعةٌ أحدُهم أبو لُبابةَ.
وإنما قُلنا: ذلك أولَى بالصوابِ في ذلك؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه قال: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ}. فأخبَر عن اعترافِ جماعةٍ بذنوبِهم، ولم يكنِ المُعترِفُ بذنبِه المُوثِقُ نفسَه بالساريةِ في حصارِ قُريظةَ غيرَ أبي لُبابةَ وحدَه، فإذ كان ذلك، وكان اللهُ تبارك وتعالى قد وَصَفَ في قولِه: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ}. بالاعترافِ بذنوبِهم جماعةً، عُلِمَ أن الجماعة الذين وَصَفَهم بذلك ليست ¬في م: "السبب غير".¥ الواحدَ، فقد تَبَيَّن بذلك أن هذه الصفةَ إذ ¬في م: "إذا".¥ لم تكنْ إلا لجماعةٍ، وكان لا جماعةَ فَعَلَت ذلك - فيما نَقَلَه أهلُ السيرِ والأخبارِ، وأجمَع عليه أهلُ التأويلِ - إلا جماعةٌ من المُتخلفِين عن غزوةِ تبوكَ، صَحَّ ما قُلنا في ذلك. وقُلنا: كان منهم أبو لُبابةَ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن أهلِ التأويلِ على ذلك.