تفسير هذه الآية

السورة 10 : الآية 28

السورة 10 : الآية 28

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ ۚ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (28)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: ويوم نجمعُ الخلق لموقف الحساب جميعًا، ثم نقولُ حينئذٍ للذين أشْرَكوا بالله الآلهة والأندادَ: {مَكَانَكُمْ}، أي: امْكُثُوا مكانَكم، وقِفُوا في موضعِكم {أَنتُمْ} أيُّها المشركون {وَشُرَكَاؤُكُمْ} الذين كنتُم تَعْبُدونَهم مِن دونِ الله من الآلهة والأوثان. {فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ}، يقولُ: فَفَرَّقْنا بين المشركين بالله وما أشركوه به. [وهو من قولهم: زلتُ الشيءَ أزيله. إذا فرَّقت بينه] ¬ما بين المعقوفين زيادة لابد منها لاستقامة العبارة، وينظر اللسان (ز ى ل)، ومعانى القرآن للفراء 1/ 462.¥ وبين غيرِه وأبنْتَه منه. وقال: فزَيَّلْنا إرادة تكثير الفعل وتكريره ¬في ت 1: "تنكيره"، وفى س: "تكثيره".¥، ولم يقل: فزِلْنا بينهم.
وقد ذُكِرَ عن بعضهم أنه كان يَقْرؤُه: (فزايلْنا بينَهم). كما قيل: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ} [لقمان: 18]: (ولا تُصاعِرْ خدَّك) ¬هذه قراءة نافع وأبي عمرو وحمزة والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 513. وستأتي في تفسير الآية 18 من سورة لقمان.¥. والعربُ تفعلُ ذلك كثيرًا في "فَعَلْت"، يُلْحِقون فيها أحيانًا "ألِفًا" مكانَ التشديدِ، فيقولون: "فاعَلْت". إذا كان الفعلُ لواحدٍ. وأما إذا كان لاثنين، [فلا تكاد] ¬في ص، ت 1، ت 2، س ف: "فلابد أن".¥ تقولُ إلا: "فاعَلْت".
{وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ}، وذلك حين تَبَرَّأَ الذين اتُّبِعوا مِن الذين اتَّبَعُوا ورَأَوا العذابَ، وتَقَطَّعَتْ بهم الأسباب؛ لمَّا قيل للمشركين: اتَّبعوا ما كنتُم تَعْبُدون من دونِ اللهِ. ونُصِبَت لهم آلهتهم، قالوا: كُنَّا نعبد هؤلاء. فقالت الآلهة لهم: ما كنتم إيَّانا تَعْبُدون.
كما حُدِّثتُ عن مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ، قال: يكونُ يومَ القيامة ساعةٌ فيها شدةٌ، تُنصَبُ لهم الآلهة التى كانوا يَعْبُدون، فيقالُ: هؤلاء الذين كنتم تعبدون مِن دونِ اللَّهِ. فتقولُ الآلهة: والله ما كُنَّا نَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا نَعْقِلُ، ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا. فيقولون: والله لإياكم كُنَّا نعبدُ. فتقول لهم الآلهة: {فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1948، 1949 من طريق مسلم بن خالد به مطولًا، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 307 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ. في قوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنهم}. قال: فَرَّقْنا بينهم. {وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} قالوا: بلى، قد كُنَّا نعبدُكم. فقالوا: {كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} ما كُنَّا نسمع ولا نبصِرُ ولا نتكلَّمُ. فقال اللهُ: {هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ} الآية ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1948 من طريق آخر عن ابن زيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 307 إلى أبى الشيخ مختصرًا.¥.
ورُوِى عن مجاهدٍ أنه كان يتأوَّلُ الحشرَ في هذا الموضعِ الموتَ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، قال: سمعتُهم يَذْكُرون عن مجاهد في قوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا}. قال: الحشرُ الموتُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1947 من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 307 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
والذي قلنا في ذلك أولى بتأويله؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه أخبر أنه يقولُ يومئذٍ للذين أشْرَكوا ما ذكر أنه يقولُ لهم، ومعلومٌ أن ذلك غيرُ كائنٍ في القبرِ، وأنَّه إنما هو خبرٌ عما يقالُ لهم ويقولون في الموقفِ بعدَ البعثِ.

تفاسير بلغات أخرى · 6