تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)}.
يقولُ تعالى ذكرُه لفرعونَ: فاليوم نجعَلُك على نَجوةٍ مِن الأَرضِ ببدنِك، ينظُرُ إليك هالكًا من كذَّب بهلاكِك؛ {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً}. يقولُ: لتكون ¬سقط من: ص، م، ص، م، ت 1، ت 2، س، ف¥ لمَن بعدَك مِن الناسِ عبرةً يعتَبِرون بك، فيَنَزجِرون عن معصيةِ اللهِ والكفرِ به، والسَّعي في أرضِه بالفسادِ.
والنَّجوةُ، الموضعُ ¬سقط من: الأصل.¥ المرتفعُ على ما حولَه مِن الأرضِ، ومنه قولُ أوسِ بنِ حجر ¬البيت في ديوانه ص 16 وفيه بعض الفروق عن ما هنا.¥:
فَمَن بِعَقوتِه ¬العقوة: الساحة وما حول الدار والمحلة. اللسان (ع ق و).¥ كَمَن بِنجوتِه ... والمُستَكِنُّ كَمَن يَمشى بِقِرواحِ ¬القرواح: الأرض البارزة للشمس. اللسان (ق رح).¥
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مِن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنَ سليمانَ، عن أبيه، عن أبي السَّليلِ، عن قيسِ بنِ عُبادٍ ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "عبادة"، وينظر تهذيب الكمال 24/ 64.¥ أو ¬فى م: "و".¥ غيرِه، قال: قالت ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.¥ بنو إسرائيلَ لموسى: إنه لم يَمت. تعنى ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س، ف.¥ فرعونَ. قال: فأخرَجه اللهُ إليهم ينَظُرون إليه مثلَ الثورِ الأحمرِ ¬أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 1/ 298 من طريق أبي السليل به.¥.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن سعيد الجُرَيريِّ، عن أبي السَّليلِ، عن قيسِ بنِ عُبادٍ ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "معاذ".¥ - قال: وكان مِن أكثرِ ¬في ت 1، ت،2، س: "أكبر".¥ الناسِ، أو: أحدثِ الناسِ- عن بني إسرائيلَ. قال: فحدَّثنا أن أولَ جنودِ فرعونَ لمَّا انتهَى إلى البحرِ، هابَت الخيلُ اللِّهبَ ¬في ص، ت 2 س:"اللهث"، وفى ت 1: "اللث". واللهب؛ بالكسر: الفرجة والهواء بين، الجبلين. اللسان (ل هـ ب).¥. قال: ومَثَل لحصانٍ منها فرسٌ وَديقٌ، فَوَجَد ريحَها. قال أبو جعفرٍ: أحسَبُه أنا قال: فانسلَّ فاتَّبعَته الخيلُ ¬سقط من: م، ف.¥
- قال: فلمَّا تتامَّ آخرُ جنودِ فرعونَ في البحرِ، وخرَج آخرُ بنى إسرائيلَ، أُمِر البحرُ فانصفَق ¬فى م، ت 2: " فانطبق". وانصفق: رجع. اللسان (ص ف ق).¥ عليهم، فقالت بنو إسرائيلَ: ما مات فرعونُ، وما كان ليموتَ أبدًا. فَسَمِعَ الله تكذيبَهم نبيَّه عليه السلامُ. قال: فرَمَى به على الساحلِ، كأنه ثورٌ أحمرُ يَتراءاه بنو إسرائيلَ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال ثنا موسى بنُ عبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ شدادٍ: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ}. قال: بدنُه جسدُه، رمَى به البحرُ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ}. قال: بجسدِك.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه ¬تفسير مجاهد ص 383 ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 6/ 1983، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 316 إلى ابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف وأبى الشيخ¥
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، عن القاسمِ بنِ أبي أيوبَ، قال: ثنى سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا جاوَز موسى البحرَ بجميعِ مَن معه، التقى البحرُ عليهم -يعنى على فرعونَ وقومِه- فأغرَقَهم، فقال أصحابُ موسى: إنا نخافُ أن لا يكونَ فرعونُ، غَرِقَ، ولا نؤمِنُ بهلاكِه. فَدَعا ربَّه فأخرَجه، فنبَذَه البحر حتى استيقَنوا بهلا كه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 107 (510) من طريق يزيد به، وأخرجه أيضًا في 8/ 2775.¥
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ¬في الأصل: "زيد".¥، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً}. يقولُ: أنكرَ ذلك طوائفُ مِن بني إسرائيلَ، فقذَفه اللهُ على ساحلِ البحرِ يَنظُرون إليه.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً}. قال: لما غرَّق ¬في ت 1، ت 2، ف: "أغرق".¥ اللهُ فرعونَ، لم تصدِّقْ طائفةٌ مِن الناسِ بذلك، فأخرَجه اللهُ آيةً وعِظَةً ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1984 من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 316 إلى عبد الرزاق وابن المنذر.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ التيميِّ، عن أبيه، عن أبي السَّليلِ، عن قيسِ بنِ عُبادٍ أو غيرِه، بنحوِ حديثِ ابنِ عبدِ الأعلى، عن معتمرٍ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، س، ف: "معمر". وينظر ما تقدم في ص 280.¥.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ، عن ابنِ جريجٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ.، عن مجاهدٍ: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ}، قال: بجسدِك.
[ثنا ابنُ وكيعِ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س، ف¥ قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ ¬فى م، ت 1، ف: "بكير". وينظر تهذيب الكمال 24/ 530.¥، عن ابنِ جريجٍ، قال: بَلَغنى عن مجاهدٍ: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ}. قال: بجسدِك.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: كَذَّبَ بعضُ بني إسرائيلَ بموتِ فرعونَ، فرَمَى به على ساحلِ البحِر ليَراه بنو إسرائيلَ. قال: أحمرُ كأنه ثورٌ.
وقال آخرون: [معنى ذلك] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س، ف.¥ تَنْجو بجسدِك مِن البحرِ، فتخرجُ منه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً}. يقولُ: أنجَى اللهُ فرعونَ لبنى إسرائيلَ مِن البحرِ، فنَظَروا إليه بعدَ ما غَرِقَ ¬عزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 316 إلى المصنف.¥.
فإن قال قائلٌ: وما وجهُ قولِه: {بِبَدَنِكَ}؟ وهل كان ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س، ف¥ يجوز أن يُنَجِّيه بغيرِ بدنِه، فيحتاجُ الكلامُ إلى أن يقالَ فيه: {بِبَدَنِكَ}؟
قيل: كان جائزًا أن يُنَجِّيَه بهيئتِه حيًّا كما دَخَل البحرَ، فلما كان جائزًا ذلك، قيل: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ}، ليُعْلَمَ أنه ينجِّيه بالبدنِ بغيرِ روحٍ، ولكن ميتًا.
وقولُه: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ}. يقولُ تعالى ذكرُه: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا}، يعني: عن حُجَجنا وأدلتِنا على أن العبادةَ والألوهة لنا خالصةٌ، {لَغَافِلُونَ}. يقولُ: لساهون، لا يَتَفكَّرون فيها، ولا يَعْتَبِرون بها.