تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
للمنافقين الذين يُصلُّون لا يريدون الله عزَّ وجلَّ بصلاتهم، وهم في صلاتهم ساهون إذا صلوها.
واختلف أهل التأويل في معنى قوله: {عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك أنهم يؤخرونها عن وقتها، فلا يُصلّونها إلا بعد خروجِ وقتها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا سكنُ بن نافع الباهليُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن خلفِ بن حوشبٍ، عن طلحةَ بن مُصرِّفٍ، عن مُصعب بن سعد، قال: قلتُ لأبي: أرأيتَ قولَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}. أهى ترْكُها؟ قال: لا، ولكن تأخيرُها عن وقتها ¬أخرجه البيهقي 2/ 214 من طريق خلف بن حوشب به، وعبد الرزاق في تفسيره 2/ 400 من طريق طلحة بن مصرف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 400 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه.¥.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن هشام الدَّسْتُوائيِّ، قال: ثنا عاصمُ بنُ بهدلةَ، عن مصعب بن سعد، قال: قلتُ لسعدٍ: {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}. أهو ما يحدِّثُ به أحدنا نفسَه في صلاته؟ قال: لا، ولكنَّ السهوَ أنْ يُؤخِّرَها عن وقتها ¬أخرجه أبو يعلى (704)، والعقيلي في الضعفاء 3/ 377، وابن أبي حاتم في العلل 2/ 82، 83 والبيهقى 2/ 214 من طريق عاصم بن بهدلة به.¥.
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن عاصم، عن مصعب بن سعد: {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}. قال: السهو التركُ عن الوقت.
حدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عمران بن تمام البُناني، قال: ثنا أبو جمرة ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "حمزة". وينظر الإكمال 2/ 506، وتهذيب الكمال 29/ 362.¥ الضُّبَعِيُّ نصر بن عمران، عن ابن عباسٍ في قوله: {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}. قال: الذين يؤخرونها عن وقتها ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 400 إلى المصنف.¥.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن ابن أَبْزَى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}. قال: الذين يؤخِّرون الصلاةَ المكتوبةَ، حتى تخرج من الوقتِ أو عن وقتها.
حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق: {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}. قال: التركُ لوقتها.
حدثني أبو السائبِ، قال: ثنى أبو معاويةَ، عن الأعمش، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ في قوله: {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}. قال: تضييعُ مِيقاتِها ¬أخرجه إسماعيل القاضي - كما في التمهيد لابن عبد البر 23/ 294 - من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 400 إلى ابن أبي حاتم.¥.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مِهْران، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى: {عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}. قال: تركُ المكتوبة لوقتها ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 514.¥.
حدثنا ابن البرقيِّ، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا يحيى بن أيوب، قال: أخبرني ابنُ زَحْرٍ، عن الأعمش، عن مسلم بن صُبيحٍ: {عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}: الذين يُضيِّعونها عن وقتِها.
وقال آخرون: بل عُنى بذلك أنهم يتركونها فلا يُصلُّونها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلَّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}: فهم المنافقون كانوا يُراءُون الناسَ بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا غابوا، ويمنعونهم العارِيَّةَ بُغْضًا لهم، وهو الماعونُ ¬أخرجه البيهقي في الشعب (6853) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 399 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.¥.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه: عن ابن عباسٍ: {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}. قال: هم المنافقون يَتْرُكون الصلاة في السرِّ، ويصلُّون في العلانية ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 399، 400 إلى المصنف وابن مردويه.¥.
حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: {عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}. قال: التركُ لها ¬تفسير مجاهد ص 754 من طريق آدم ابن أبي إياس عن شيبان عن جابر عن مجاهد، وينظر البحر المحيط 8/ 517.¥.
وقال آخرون: بل عُنى بذلك أنهم يتهاونون بها، ويتغافلون عنها ويَلْهُون.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد قوله: {عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}. قال: لاهُونَ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 400 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ}: غافلون ¬ذكره الطوسي في التبيان 10/ 415.¥.
حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: {عَن صلَاتِهِمْ سَاهُونَ}. قال: ساهٍ عنها، لا يُبالِى صلَّى أم لم يُصَلِّ ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 399 عن معمر به.¥.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}: يصلُّون، وليست الصلاة من شأنِهم ¬تقدم نحوه في 7/ 613.¥.
حدثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن فضيل، عن ليثٍ، عن مجاهد في قوله: {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}. قال: يَتهاونون ¬ذكره البغوي في تفسيره 8/ 552.¥.
وأولى الأقوال في ذلك عندى بالصوابِ بقوله: {سَاهُونَ}: لاهُون يتغافلون عنها، وفي اللَّهْوِ عنها والتشاغل بغيرها، تضييعها أحيانًا، وتضييع وقتها أخرى. وإذا كان ذلك كذلك صحَّ بذلك قولُ مَن قال: عُنى بذلك تركُ وقتها. وقولُ مَن قال: عُنِي به تركها. لما ذكرْتُ قبلُ مِن أنَّ في السهو عنها المعاني التي ذكرت.
وقد روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك خبرانِ يؤيِّدان صحة ما قلنا في ذلك:
أحدهما: ما حدَّثني به زكريا ابنُ أبانٍ المصريُّ، قال: ثنا عمرو بن طارق، قال: ثنا عكرمة بن إبراهيم، قال: ثنا عبد الملك بن عُميرٍ، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص، قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن: {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}. قال: "هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها" ¬أخرجه العقيلي في الضعفاء 3/ 377 من طريق عمرو بن طارق به، وأخرجه أبو يعلى (822)، والبزار (1145)، وابن أبي حاتم في العلل 1/ 187، 188، والطبرانى في الأوسط (2276)، والبيهقي في سننه 2/ 214، 215، البغوي في تفسيره 8/ 552، وفي شرح السنة (397) من طريق عكرمة بن إبراهيم به، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 516 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 400 إلى ابن المنذر وابن مردويه، وقال: قال الحاكم والبيهقي: الموقوف أصح.¥.
والآخر منهما: ما حدثني به أبو كريبٍ، قال: ثنا معاوية بن هشام، عن شيبانَ النحويِّ، عن جابر الجعفي، قال: ثنى رجلٌ، عن أبي بَرْزَةَ الأسلميِّ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما نزلت هذه الآية: {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}: "اللَّهُ أكبرُ، هذه خيرٌ لكم من أن لو أُعْطى كل رجل منكم مثل جميع الدنيا، هو الذي إن صلَّى لم يَرْجُ خير صلاته، وإن تركها لم يخف ربَّه" ¬تفسير مجاهد ص 754، وذكره ابن كثير في تفسيره عن المصنف، وقال: فيه جابر الجعفي، وهو ضعيف، وشيخه مبهم لم يسم، والله أعلم. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 400 إلى المصنف وابن مردويه، وضعف إسناده.¥.
حدثني أبو عبد الرحيم البرقيُّ، قال: ثني عمرو بن أبي سلمة، قال: سمعتُ عمر بن سليمان يحدِّثُ عن عطاء بن دينار ¬في ت 1: "يسار" وهو موافق لما في الدر المنثور. والمثبت موافق لما تقدم في 4/ 526.¥ أنه قال: الحمدُ للهِ الذي قال: {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 400 إلى المصنف والفريابي وابن المنذر.¥.
وكلا المعنيين اللَّذَين ذكرتُ في الخبرين اللَّذَين روينا عن رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يحتمله ¬في م: "محتمل عن".¥ معنى السهو عن الصلاةِ.