تفسير هذه الآية

السورة 11 : الآية 111

السورة 11 : الآية 111

وَإِنَّ كُلًّا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَـٰلَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه عزّ وجلّ: {وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111)}.
اختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه جماعةٌ مِن قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: {وَإِنَّ} مُشدَّدةً، {كُلًّا لَمَّا} مُشدَّدةً ¬هي قراءة حمزة وابن عامر وحفص. السبعة لابن مجاهد ص 339، 340، والنشر 2/ 218، 219، والكشف 2/ 536، 537، وحجة القراءات ص 350.¥.
واختلَف أهلُ العربيةِ فى معنى ذلك [إذا قُرِئَ كذلك] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س، ف.¥؛ فقال بعضُ نحويِّى الكُوفيين: معناه -إذا قُرِئَ كذلك-: وإِنَّ كلًّا لَمِمَّا ليوفِيَنَّهم رَبُّك أعمالَهم، ولكن لما اجتَمَعت الميماتُ حُذِفت واحدةٌ، فبَقِيت ثِنتانِ، فأُدْغِمَت واحدةٌ فى الأخرَى، كما قال الشاعرُ ¬البيت فى معانى القرآن للفراء 2/ 29 غير منسوب.¥:
وإني لَمِمَّا ¬فى م: "لما".¥ أُصْدِرُ الأَمْرَ وَجْهَهُ ... إذَا هُوَ أعيا بالسَّبيلِ ¬فى م: "بالنبيل".¥ مَصَادِرُه
ثم تُخفَّفُ. كما قرَأ بعضُ القرأةِ: {وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ} [النحل: 90]. بحذفِ ¬في م: "يخفف".¥ الياءِ مع الياءِ ¬ينظر معانى القرآن 2/ 29، وهي قراءة شاذة.¥، وذكَر أن الكسائيَّ أنشَده ¬¥:
وأشْمَتَّ العُدَاةَ ¬في ص، ت 2، س: "الأعداء".¥ بِنا فَأَضْحَوْا ¬في س، ف: "فأصبحوا".¥ ... لَدَيَّ تَبَاشَرُونَ ¬في م: "يتباشرون".¥ بِمَا لَقِينا
وقال: يريدُ: لَدَيَّ يتَباشرون بما لَقِينا، فحذَف ياءً؛ لحركَتهِن واجتماعِهن. قال: ومثلُه ¬البيت في معانى القرآن للفراء 2/ 29، واللسان (ق د م) بغير نسبة.¥:
كأنَّ مِنْ آخِرِها إلْقادِمِ ... مَخْرِمَ ¬المخرم: منقطع أنف الجبل، وقيل: الطرق في الجبال وأفواه الفجاج. اللسان (خ ر م).¥ نَجْدٍ فارغَ ¬فى م، ص، ت 1، ت 2، س، ف: "فارع".¥ المَخارِمِ
وقال: أراد إلى القادمِ، فحذَف اللامَ عندَ اللامِ.
وقال آخرون: معنَى ذلك، إذا قُرِئَ كذلك: {وَإِنَّ كُلًّا}: شديدًا وحقًّا، {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ}. قالوا ¬في ص، م، ت 1، ت 2، س، ف: "قال".¥: وإنما يُرادُ إذا قُرِئَ ذلك كذلك: (وَإِنَّ كُلًّا لمًّا) بالتَّشديدِ والتنوينِ ¬هي قراءة الزهري، وينظر معانى القرآن 2/ 30، ومختصر الشواذ ص 66.¥، ولكن قارِئُ ذلك كذلك حذَف منه التنوينَ، فأخرَجه على لفظِ "فَعْلَى": "لَمَّا"، كما فعَل ذلك في قولِه: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} [المؤمنون: 44] فقرَأ بعضُهم: (تترًى) بالتنوينِ -كما قرَأ من قرَأ: (لَمًّا) بالتنوينِ ¬سيأتى تخريج هذه القراءة فى سورة المؤمنون 17/ 49، 50.¥ - وقرأها آخرون بغيرِ تنوينٍ، كما قرَأ: (لَمَّا) مَن قرأه بغيرِ تنوينٍ ¬قراءة (لمّا) بالتشديد هى قراءة عاصم وابن عامر وحمزة، وقراءة التخفيف هي قراءة الباقين وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي. التيسير ص 103.¥. وقالوا: أصلُه مِن اللَّمَمِ مِن قولِ اللهِ تعالى: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا} [الفجر: 19]. يعنى: أكلًا شديدًا.
وقال آخرون: معنَى ذلك، إذا قُرِئَ كذلك: وإنَّ كُلَّا "إِلَّا" لَيُوفيَنَّهم؛ كما يقولُ القائلُ: [باللَّهِ لَمّا] ¬فى ص، م، ت 1، ت 2، س، ف: "لقد".¥ قُمْتَ عنَّا، وباللهِ إِلَّا قُمْتَ عنَّا. ووجَدْتُ عامةَ أهلِ العلمِ بالعربيةِ يُنْكِرون هذا القولَ، ويأبَون أن يكونَ جائزًا توجِيهُ "لَمَّا" إلى معنى "إلَّا" إلا ¬سقط من: م، ت 1، س، ف.¥ في اليمينِ خاصةً؛ وقالوا: لو جاز أن يكونَ ذلك بمعنى "إلا"، لجاز أن يُقالَ: قامَ القومُ لمَّا ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "إلا".¥ أخاكَ. بمعنى: إلَّا أخاك، ودُخولُها في كلِّ مَوضِعٍ صلُح دخولُ "إِلَّا" فيه.
وأنا أرَى ¬في س: "أدرى".¥ أن ذلك فاسدٌ من وجهٍ هو أبْيَنُ مما قالَه الذين حكَيْنا قولَهم مِن أهلِ العربيةِ [في فساده] ¬فى م: "إن في فساده".¥، وهو أنّ "إنَّ" ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س، ف.¥ إثباتٌ للشيءِ وتحقيقٌ له، وإلَّا أيضًا تحقيقٌ وإيجابٌ ¬فى ص، م، ت 2، س، ف: "أيضًا"، وفي ت 1: "له".¥، وإنما تدخُلُ نقضًا لجحدٍ قد تقدَّمها، فإذا كان ذلك معناها، فواجِبٌ أن تكونَ عندَ متأوِّلِها التأويلَ الذي ذكَرنا عنه، أن تكون "إنَّ" ¬سقط من: م.¥ بمعنى الجحْدِ عندَه، حتى تكونَ "إلَّا" نقضًا لها، وذلك، إن قاله قائلٌ، قولٌ لا يخفَى جَهْلُ قائلِه، اللهمَّ إلا أن يُخفِّفَ قارئُ "إنَّ" فيجعَلها بمعنى: "إنْ" التي تكونُ بمعنى الجحْدِ، وإن فعَل ذلك فسَدت قراءتُه ذلك كذلك أيضًا من وجهٍ آخرَ، وهو أنه يصيرُ حينئذٍ ناصبًا الكُلَّ ¬في م: "لكل".¥ بقولِه: {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ}. وليس فى العربيةِ أن يَنْصِبَ ما بعدَ "إِلَّا" من الفعلِ الاسمَ الذى قبلَها؛ لا تقولُ العربُ: ما زيدًا ¬فى ت 1، ت 2، س، ف: "زيد".¥ إِلَّا ضرَبْتُ، فيَفْسُدُ ذلك إذا قُرِئَ كذلك مِن هذا الوجهِ، إلا أن يَرْفَعَ رافعٌ الكلَّ، فيُخالِفَ بقراءتِه ذلك كذلك قراءةَ القرأةِ و
خطَّ مصاحفِ المسلمين، ولا يَخْرُجَ بذلك مِن العيبِ لخروجِه ¬في ص، م، ت 1، ف: "بخروجه".¥ مِن معروفِ كلامِ العربِ.
وقد قرَأ ذلك بعضُ قرأةِ الكوفيين: (وإنْ كلًّا) بتخفيفِ "إِنَّ"، ونصبِ: {كُلًّا لَمَّا} مشددةً ¬هو عاصم في رواية أبي بكر، ينظر السبعة لابن مجاهد ص 339، 340، والتيسير في القراءات السبع ص 103، والكشف عن وجوه القراءات السبع 1/ 536، 537، وحجة القراءات ص 350.¥.
وزعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن قارئَ ذلك كذلك أراد "إنَّ" الثقيلةَ فخفَّفها. وزُعِم ¬فى ص، م، ت 1، ت 2، س، ف: "ذكر".¥ عن أبي زيدٍ البصريِّ أنه سمِع: كأَنْ ثَدْيَيْه حُقَّانِ، فنصَب بكأنْ، والنونُ مخففةٌ من كأنَّ، ومنه قولُ الشاعرِ ¬البيت فى الخزانة 10/ 398، وسيبويه 2/ 135.¥:
ووجهٍ مشرقِ النَّحْرِ ... كأَنْ تَدْيَيْه حُقَّانِ
وقرَأ ذلك بعضُ المدنيين: بتخفيفِ "إنَّ" ونصبِ "كُلًّا" وتخفيفِ "لَمّا" ¬هى قراءة نافع وابن كثير. السبعة ص 339، والتيسير ص 103.¥.
وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ قارئُ ذلك كذلك قصَد المعنى الذى حكَيْناه عن قارئ الكوفةِ، مِن تخفيفِه نونِ "إنَّ"، وهو يُريدُ تشديدَها، ويُرِيدُ بـ "ما" التي في "لَمَا" "ما " ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س، ف.¥ التي تَدْخُلُ في الكلامِ صلةً، وأن يَكونَ قصَد إلى تحميلِ الكلامِ معنَى: وإنْ كلًّا لَيُوَفِّيَنَّهم.
وقد يجوزُ أن يكونَ معناه، كان في قراءتِه ذلك كذلك: وإِن كُلًّا لَيُوَفِّيَنَّهم؛ أى: ليُوَفِّيَنَّ كُلًّا، فتكونَ نيَّتُه فى نصبِ كلٍّ كانت بقولِه: {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ}. فإن كان ذلك أراد، ففيه مِن القُبحِ ما ذكَرْتُ مِن خلافِه كلامَ العربِ، وذلك أنها لا تَنْصِبُ بفعلٍ بعدَ لامِ اليمينِ اسمًا قبلَها.
وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ الحجازِ والبصرةِ: (وإنَّ) مشددةً، (كُلًّا لَمَا) مخففةً، {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ} ¬هي قراءة أبي عمرو والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص 339.¥. ولهذه القراءةِ وجهان من المعنى؛ أحدُهما: أن يكونَ قارِئُها أراد: وإنَّ كلًّا لَمَن ليُوَفِّيَنَّهم ربُّك أعمالَهم، فيُوجِّهَ "ما" التي في "لَمَا" إلى معنى "مَن"، كما قال جلَّ ثناؤُه: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3]. وإن كان أكثرُ استعمالِ العربِ لها فى غيرِ بنى آدمَ، ويَنْوِى باللامِ التي في "لَمَا" اللامَ التى تُتَلَقَّى بها "إنْ" جوابًا لها، وباللامِ التى فى قولِه: {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ} لامَ اليمينِ، دَخَلَت فيما بينَ "ما" وصلتِها، كما قال جلَّ ثناؤُه: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ} [النساء: 72]. وكما يقالُ: هذا ما لَغَيرُه أَفْضَلُ منه.
والوجهُ الآخرُ: أن يَجْعَلَ "ما" التى فى "لَمَا" بمعنى "ما" التي تَدْخُلُ صلةً في الكلامِ، واللامُ التي فيها هى اللامُ التي يُجابُ بها، واللامُ التي في {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ} هي أيضًا اللامُ التى يُجابُ بها "إنَّ"، كُرِّرَت وأُعِيدَت، إذ كان ذلك موضعَها، وكانت الأُولى مما تُدْخِلُها العربُ في غيرِ موضعِها، ثم تُعِيدُها بعدُ في موضعِها، كما قال الشاعرُ ¬البيت في معاني القرآن للفراء 2/ 30.¥:
فلو أنَّ قَوْمِي لم يَكُونوا أَعِزَّةً ... لَبَعْدُ لَقَدْ لاقَيْتُ لا بُدَّ مَصْرَعِى ¬في م، ومصدر التخريج: "مصرعا".¥
وقرَأ ذلك الزهريُّ فيما ذُكِر عنه: (وإنَّ كُلًّا لَمًّا). بتشديدِ: إِنَّ" و "لَمًّا" وتنوينِها، بمعنى: شديدًا وحقًّا وجميعًا ¬ينظر شواذ القرآن لابن خالويه ص 66، وحجة القراءات ص 351، والتبيان 6/ 75.¥.
وأصحُّ هذه القراءاتِ مَخْرَجًا على كلامِ العربِ المُسْتَفِيض فيهم، قراءةُ مَن قرأه: {وَإِنَّ} بتشديدِ نونِها، (كُلًّا لَمَا) بتخفيفِ ما، {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ}. بمعنى: وإِنَّ كلَّ هؤلاء الذين قصَصْنا عليك يا محمدُ قَصَصَهم في هذه السورةِ، لَمَن لَيُوَفِّيَنَّهم ربُّك أعمالَهم؛ بالصالحِ منها الجزيلَ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، س، ف: "بالجزيل".¥ مِن الثوابِ، وبالطالحِ منها الشديدَ ¬في م: "بالشديد".¥ مِن العقابِ، فتكونُ "ما" بمعنى "مَن"، واللامُ التي فيها جوابًا لـ "إِنَّ"، واللامُ التي ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س، ف.¥ في قولِه: {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ} لامُ قسمٍ.
وقولُه: {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ ربَّك بما يَعْمَلُ هؤلاء المشركون باللهِ، مِن قومِك يا محمدُ، {خَبِيرٌ} لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن عملِهم، بل يَخْبُرُ ذلك كلَّه، ويَعْلَمُه ويُحِيطُ به، حتى يُجازِيَهم على جميعِ ذلك جزاءَهم.

تفاسير بلغات أخرى · 5