تفسير ابن كثير
{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)}.
هذه موعدة من الله تعالى لنوح - عليه السلام - إذا جاء أمر الله من الأمطار المتتابعة والهتَّان ¬أي الأمطار التي تنصب صبًّا.¥ الذي لا يُقلَع ولا يَفتر، بل هو كما قال تعالى: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14)} [القمر]. وأما قوله: {وَفَارَ التَّنُّورُ} فعن ابن عباس التنور: وجه الأرض ¬أخرجه سعيد بن منصور (السنن، التفسير ح 1087)، والطبري وابن أبي حاتم كلهم بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس، والضحاك لم يلق ابن عباس.¥. أي: صارت الأرض عيونًا تفور حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار صارت تفور ماء. وهذا قول جمهور السلف وعلماء الخلف. وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: التنور: فلق الصبح وتنوير الفجر ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن زياد مولى أبي جُحيفة عن أبي جُحيفة عن علي - رضي الله عنه -، وعبد الرحمن بن إسحاق: وهو ضعيف كما في التقريب، وزياد: مجهول (ميزان الاعتدال 2/ 89).¥، وهو ضياؤه وإشراقه والأول أظهر. وقال مجاهد والشعبي: كان هذا التنور بالكوفة ¬قول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ليث بن أبي سليم عنه، وقول الشعبي أخرجه الطبري بسند ضعيف جدًا من طريق السري بن إسماعيل عن الشعبي، والسري هذا متروك (التقريب ص 230).¥. وعن ابن عباس: عين بالهند ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف جدًا من طريق النضر أبي عمر، وهو الحراز، عن عكرمة عن ابن عباس، والنضر: متروك (ميزان الاعتدال 4/ 260).¥. وعن قتادة: عين بالجزيرة يقال لها: عين الوردة ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وسعيد ضعيف كما في التقريب.¥. وهذه أقوال غريبة. فحينئذٍ أمر الله نوحًا - عليه السلام - أن يحمل معه في السفينة من كل زوجين اثنين من صنوف المخلوقات ذوات الأرواح، قيل: وغيرها من النباتات اثنين ذكرًا وأنثى. فقيل: كان أول من أدخل من الطيور الدرة، وآخر من أدخل من الحيوانات الحمار، فتعلق إبليس بذنبه وجعل يريد أن ينهض فيثقله إبليس وهو متعلق بذنبه، فجعل يقول له نوح - عليه السلام -: ما لك ويحك ادخل. فينهض ولا يقدر فقال: ادخل وإن كان إبليس معك فدخلا في السفينة، وذكر بعض السلف أنهم لم يستطيعوا أن يحملوا معهم الأسد حتى ألقيت عليه الحُمَّى ¬هذه الأخبار من الإسرائيليات.¥. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني الليث، حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين قال أصحابه: وكيف تطمئن المواشي ومعها الأسد؟ فسلط الله عليه الحُمَّى، فكانت أول حُمَّى نزلت في الأرض، ثم شَكَوا الفأر فقالوا: الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا، فأوحى الله إلى الأسد فعطس، فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها" ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرساله، وهو من الإسرائيليات أيضًا.¥. وقوله: {وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} أي: واحمل فيها أهلك، وهم: أهل بيته وقرابته إلا من سبق عليه القول منهم ممن لم يؤمن بالله، فكان منهم ابنه: (يام) الذي انعزل وحده وامرأة نوح، وكانت كافرة بالله ورسوله. وقوله: {وَمَنْ آمَنَ} أي: من قومك {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} أي: نزر يسير مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عامًا. فعن ابن عباس: كانوا ثمانين نفسًا منهم نساؤهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس.¥. وعن كعب الأحبار: كانوا اثنين وسبعين نفسًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار، وهو معروف برواية الإسرائيليات.¥. وقيل: كانوا عشرة ¬أخرجه الطبري بسنده عن ابن إسحاق، وهو كسابقه.¥، وقيل: إنما كان نوح وبنوه الثلاثة: (سام وحام ويافث) وكنائنه الأربع ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن الحكم، وهو ابن عتيبة.¥ نساء هؤلاء الثلاثة وامرأة (يام)، وقيل: بل امرأة نوح كانت معهم في السفينة، وهذا فيه نظر، بل الظاهر أنها هلكت لأنها كانت على دين قومها فأصابها ما أصابهم كما أصاب امرأة لوط ما أصاب قومها، والله أعلم وأحكم.