تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ وجلَّ: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: واذْكُرْ يا محمدُ {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا}: يعنى الحرمَ، بلدًا آمنًا أهلُه وسكانُه، {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}. يقالُ منه: جنَبْتُه الشرَّ، فأنا أَجْنُبُه جَنْبًا، وجنَّبْتُه الشرَّ، فأنا أُجَنِّبُه تَجْنيبًا، وأجْنَبتُه ذلك، فأنا أُجْنِبُه إجنابًا، ومِن "جنَبْتُ" قولُ الشاعرِ ¬البيت في مجاز القرآن 1/ 342 بدون نسبة.¥:
وتنفضُ مهدَه شفَقًا عليه ... وتَجْنُبُه قلائصَنا الصِّعابَا
ومعنى ذلك: أبْعِدْنى وبَنيَّ من عبادةِ الأصنامِ. والأصنامُ جمعُ صنمٍ، والصنمُ هو التمثالُ المصوَّرُ، كما قال رُؤْبةُ بنُ العَجَّاجِ في صفةِ امرأةٍ ¬ديوانه ص 150.¥:
وَهْنانةٌ كالزُّونِ ¬في ص، ت 1، ت 2، ف: "كالزور". والزُّون: الصنم، وكل ما يعبد من دون الله، وهو موضع تجمع فيه الأنصاب. ينظر اللسان (ز و ن).¥ يُجْلَى صَنَمُهْ ... تَضْحَكُ عن أَشْنَبَ عَذْبٍ مَلْثَمُهْ
وكذلك كان مجاهدٌ يقولُ.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}. قال: فاسْتَجاب اللهُ لإبراهيمَ دعوتَه في ولدِه، قال: فلم يَعْبُدْ أحدٌ مِن ولدِه صنمًا بعدَ دعوتِه - والصنمُ: التمثالُ المُصَوَّرُ، ما لم يَكُنْ صنمًا ¬كذا في النسخ، ولعل الصواب: "مصوَّرا"، فقد جاء في لسان العرب (ص ن م): الصنم ما كان له جسم أو صورة، فإن لم يكن له جسم أو صورة فهو وثن.¥ فهو وَثَنٌ - قال: واسْتجاب اللهُ له، وجعَل هذا البلدَ آمنًا، ورزَق أهلَه مِن الثمراتِ، وجعَله إمامًا، وجعَل من ذريتِه مَن يُقِيمُ الصلاةَ، وتقبَّل دعاءَه، فأراه مناسِكَه، وتاب عليه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 86 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، قال: كان إبراهيمُ التيميُّ يَقُصُّ، ويقولُ في قَصصِه: مَن يَأْمَنُ ¬بعده في م: "من".¥ البلاءَ بعدَ خليلِ اللهِ إبراهيمَ حين يقولُ: رَبّ
اجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنامَ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 86 إلى المصنف وابن أبي حاتم.¥.