تفسير هذه الآية

السورة 17 : الآية 29

السورة 17 : الآية 29

وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29)}.
وهذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ تعالى للمُمتنعِ من الإنفاقِ في الحقوقِ التي أوجَبها اللهُ في أموالِ ذوى الأموالِ، فجعَله [كالمَشدودةِ يدُه] ¬في ص، ت 1، ت 2، ف: "كالمشدود".¥ إلى عنقِه، الذي لا يَقْدِرُ على الأخذِ بها والإعطاءِ.
وإنما معنى الكلامِ: ولا تُمْسِك يا محمدُ يدَك بُخْلًا عن النفقةِ في حقوقِ اللَّهِ، فلا تُنْفِقُ فيها شيئًا إمساكَ المغلولةِ يدُه إلى عنقِه الذي لا يَستطِيعُ بسطَها، {وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}. يقولُ: ولا تَبْسُطْها بالعطيةِ كلَّ البسطِ، فتَبقَى لا شيءَ عندَك، ولا تَجِدُ، إذا سُئلت، شيئًا تُعْطِيه سائلَك، {فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}. يقولُ: فتَقْعُدَ يلومُك ¬في ص، ت 1، ت 2، ف: "ملومًا".¥ سائلوك إذا لم تُعْطِهم حينَ سأَلوك، وتلومُك نفسُك على الإسراعِ في مالكِ وذَهابِه، {مَحْسُورًا}. يقولُ: مُعْيًى ¬في ص، ت 1، ت 2: "معينا"، وفى، م، ف: "معيبا"، وأثبتنا ما يستقيم مع السياق بعده.¥، قد انقُطِع بك، لا شيءَ عندَك لنفقةٍ.
وأصلُه - يُرى ¬سقط من: م.¥ - من قولهم للدابةِ التي قد سِير عليها حتى انقَطَع سيرُها وكلَّتْ ورَزَحتْ من السيرِ -: دابةٌ ¬في م: "بأنه".¥ حَسيرٌ. يقالُ منه: حسَرْتُ الدابةَ، فأنا أَحْسِرُها [وأَحْسُرُها] ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.¥ حَسْرًا. وذلك إذا أَنْضَيْتَه ¬في ص، ت 1: "أنصبته".¥ بالسيرِ. وحَسَرْتُه بالمسألةِ؛ إذا سألتَه فألحفتَ. وحَسَرَ البصرُ فهو يَحْسِرُ، وذلك إذا بلَغ أقصى المَنظرِ فكَلَّ. ومنه [قولُه عزّ وجلَّ] (1): {يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} [الملك: 4]. وكذلك ذلك في كلِّ شيءٍ كَلَّ وأَزْحَف ¬أزحف: أعيا. ينظر اللسان (ز ح ف).¥ حتى يُنْقَى ¬في م: "يضنى"، وفي ت 2: "بيعا"، وغير منقوطة في ت 1، ومنه حديث الأضحية: "الكسير التي لا تنقى". أي التي لا مخ لها، لضعفها وهزالها. النهاية 5/ 111.¥
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ}. قال: لا تجعَلْها مغلولةً عن النفقةِ، {وَلَا تَبْسُطْهَا}: تُبَذِّرُ، تُسْرِفْ ¬في م: "بسرف".¥.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يوسفُ بنُ بَهْزٍ، قال: ثنا حَوشبٌ، قال: كان الحسنُ إذا تلا هذه الآيةُ: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}. يقولُ: لا تُطَفِّف ¬في ت 1: "تضيف"، وفي ت 2، ف: "نظيف"، وكذا في ص ولكن من غير نقط.¥ برزقي عن غيرِ رِضاى، ولا تضعْه في سُخْطى فأسلُبَك ما في يديك، فتكونَ حسيرًا ليس في يديك منه شيءٌ.
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}. يقولُ: هذا في النفقةِ، يقولُ: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ}. يقولُ: لا تبسُطْها بخيرٍ ¬في م: "بالخير".¥، {وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}: يعنى التبذيرَ، {فَتَقْعُدَ مَلُومًا}. يقولُ: يلومُ نفسَه على ما فات من مالِه، {مَحْسُورًا}. يعني: ذهَب مالُه كلُّه فهو محسورٌ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 178 إلى المصنف وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ}: يعنى بذلك البخلَ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 178 إلى المصنف وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ}. أي: لا تُمْسِكْها عن طاعةِ اللهِ، ولا عن حقِّه، {وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}. يقولُ: لا تُنْفِقْها في معصيةِ اللهِ، و ¬بعده في م: "لا".¥ فيما لا ¬سقط من: م.¥ يَصْلُحُ ¬بعده في م، ف: "لك".¥، ولا يَنْبَغِى لك، وهو الإسرافُ. قولَه: {فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}. قال: ملومًا ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.¥ في عبادِ اللهِ، محسورًا على ما سلَف من دهرِه وفرَط.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ}. قال: في النفقةِ. يقولُ: لا تُمْسِكْ عن النفقةِ ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، ف: "قال".¥، {وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}. يقولُ: لا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، {فَتَقْعُدَ مَلُومًا} في عبادِ اللهِ {مَحْسُورًا}. يقولُ: نادِمًا على ما فرَط منك ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 377 عن معمر به.¥.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: لا تُمْسِكْ عن النفقةِ فيما أمرتُك به من الحقِّ، {وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} فيما نهيتُك، {فَتَقْعُدَ مَلُومًا}. قال: مُذنِبًا ¬في ت 1 ف: "مدينا"، وغير منقوطة في ص، ت 2.¥، {مَحْسُورًا}. قال: مُنْقَطَعًا بك.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ}. قال: مغلولةً لا تَبْسُطُها بخيرٍ ولا بعطيةٍ ¬في ت 1، ت 2، ف: "تعطيه".¥، {وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}: في الحقِّ والباطلِ، فينفَدَ ما ¬بعده في م: "ما معك و".¥ في يديك، فيأتيك مَن يُرِيدُ أن تُعْطِيَه كما أعْطَيْتَ هؤلاء، فلا تجد ما تُعْطيه، فيَحْسِرُك ¬في م: "فيحسر بك".¥، فيلومُك حينَ أعطيتَ هؤلاء ولم تُعْطِهم.
تفاسير بلغات أخرى · 6