تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
{إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}. ومعنى الكلام: إلَّا أن تقولَ معه: إن شاء الله. فترَك ذكرَ "تقولُ" اكتفاءً بما ذكَر منه، إذا كان في الكلامِ دلالةٌ عليه.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ ¬ينظر معاني القرآن للفراء 2/ 138.¥: جائزٌ أن يكونَ معنَى قولِه: {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}. استثناء من القول لا من الفعل. كأن معناه عنده: لا تقولَنَّ قولا إلَّا أن يشاء الله ذلك القول.
وهذا وجهٌ بعيدٌ من المفهوم بالظاهر من التنزيل، مع خلافه تأويل أهل التأويل.
وقوله: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}. اختلف أهل التأويل في معناه؛ فقال بعضُهم: واسْتَثن في يمينك إذا ذكَرْتَ أنك نسيت ذلك في حال اليمين.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمد بن هارون الحربيُّ، قال: ثنا نُعيم بن حمادٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في الرجل يَحْلِفُ، قال: له أن يَسْتثنى ولو إلى سنةٍ. وكان يقولُ: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} في ذلك. قيل للأعمش: سمعته من مجاهدٍ؟ فقال: حدَّثني به ليثُ بنُ أبي سُلَيمٍ ¬في ص، ت 1، ف: "سليمان".¥، تُرَى ¬في ص، م، ت 1 ف: "يرى".¥ ذَهَب كِسائى هذا ¬أخرجه الطبراني (11069)، وفى الأوسط (119)، والحاكم 4/ 303 من طريق الأعمش به، وأخرجه البغوي في الجعديات (813، 814) من طريق نعيم بن حماد، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش به بلفظ: الاستثناء ولو إلى سنتين. وبلفظ المصنف عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 217، 218 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
وقول الأعمش: ترى ذهب كسائى هذا يريد أنه لم ينقصه شئ بإسقاط ليث بن أبى سليم من الإسناد.¥؟!
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}. [يقولُ: إِذا نَسِيتَ] ¬سقط من: م.¥ الاستثناء ثم ذكرت فاستثنِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 218 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر بنحوه.¥.
حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه في قوله: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}. قال: بلغنى أن الحسن قال: إذا ذكر أنه لم يقل: إن شاء الله. فليقل: إن شاء الله ¬أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (366) من طريق معتمر بن سليمان به.¥.
وقال آخرون: بل ¬سقط من: م.¥ معناه: واذْكُرْ رَبَّكَ إِذا غَضِبْتَ ¬في ص، م، ت 1، ف: "عصيت".¥.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا حكّامُ بنُ سَلْمٍ، عن أبي سنانٍ، عن ثابت، عن عكرمة في قولِ اللَّهِ: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}. قال: اذكرْ رَبَّك إذا غضبْتَ ¬في ص، م، ت 1، ف: "عصيت"، والأثر أخرجه البيهقى في الشعب (8296) من طريق حكام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 218 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي سنانٍ، عن ثابتٍ، عن عكرمة مثله.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: واذكر ربَّك إذا ترَكْتَ ذكره؛ لأنَّ أحد معاني النسيان في كلام العرب التركُ. وقد بينّا ذلك فيما مضى قبلُ ¬تقدم في 5/ 156، 157.¥.
فإن قال قائلٌ: أفجائزٌ للرجل أن يستثنى في يمينه إذا كان معنى الكلام ما ذكرت بعدَ مدَّةٍ من حال حلفه ¬في ت:1: "يمينه".¥؟
قيل: بل الصوابُ أن يستثنى ولو بعدَ حِنْثِه في يمينه، فيقول: إن شاء الله. ليَخْرُجَ بقيله ذلك مما ألزمه الله في ذلك بهذه الآية، فيسْقُط عنه الحَرَج بتركه ما أَمَرَه بقيله من ذلك. فأمَّا الكفارةُ، فلا تَسْقُط عنه بحالٍ، إلا أن يكون استثناؤُه موصولًا بيمينه.
فإن قال: فما وجهُ قول من قال: له ثُنْياه ولو بعد سنةٍ. ومن قال: له ذلك ولو بعد شهرٍ. وقول من قال: ما دام في مجلسه؟
قيل: إنَّ معناهم في ذلك نحو معنانا في أنَّ ذلك له ولو بعد عشر سنين، وأنه باستثنائه وقيله: إن شاء الله. بعد حينٍ من حالِ حلفه، يَسْقُطُ عنه الحرج الذي لو لم يقله كان له لازمًا، فأما الكفارة فله ¬في ت:1: "فهى له".¥ لازمةٌ بالجنثِ بكلِّ حالٍ، إلا أن يكون استثناؤُه كان موصولًا بالحلف، وذلك أنّا لا نَعْلَمُ قائلًا قال ممن قال: له الثُّنْيا بعد حين. يَزْعُمُ أَنَّ ذلك يضَعُ عنه الكفارة إذا حنث، ففى ذلك أوضحُ الدليل على صحة ما قلنا في ذلك، وأنَّ معنى القوم ¬في م، ت 2: "القول".¥ فيه كان نحو معنانا فيه.
وقوله: {وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ ¬في ص، ت 2: "يهدينى". وبإثبات الياء قراءة كما تقدم في ص 223.¥ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا}. يقولُ عزّ ذكرُه لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم -: وقُلْ: لعلَّ اللَّه أن يهدِيَنى فيُسدِّدَنى لأَسَدَّ مما وعَدْتُكم وأخبَرْتُكم أنه سيكون، إن هو شاء.
وقد قيل: إنَّ ذلك مما أمر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يقوله إذا نسى الاستثناء في كلامه الذي هو عنده في أمرٍ مستقبل مع قوله: إن شاء الله. إذا ذكر.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن محمدٍ ¬بعده في ص، ف: "عن".¥ - رجلٌ مِن أهل الكوفة كان يفسِّرُ القرآنَ، وكان يَجْلِسُ إليه يحيى بنُ عَبَّادٍ - قال: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ ¬في ص، ت:2 "يهدينى". وبإثبات الياء قراءة كما تقدم في ص 223.¥ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا}. قال: فقال: وإذا نسى الإنسانُ أن يقول: إن شاء الله. قال: فتوبتُه من ذلك - أو: كفَّارة ذلك - أن يقول: {عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا} ¬أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (367) من طريق المعتمر به.¥.