تفسير هذه الآية

السورة 18 : الآية 26

السورة 18 : الآية 26

قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا۟ ۖ لَهُۥ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ أَبْصِرْ بِهِۦ وَأَسْمِعْ ۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِىٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِۦٓ أَحَدًا

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


فإن ظنَّ ظانٌّ أن قوله: {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا}. دليلٌ على أنَّ قولَه: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ}. خبرٌ منه عن قوم قالوه، فإنَّ ذلك كان يجبُ أن يكونَ كذلك لو كان لا يَحْتَمِلُ مِن التأويل غيره، فأمَّا وهو محتملٌ ما قلنا من أن يكونَ معناه: قل الله أعلمُ بما لبثوا إلى يوم أنزَلْنا هذه السورة. وما أشبه ذلك من المعانى، فغيرُ واجبٍ أن يكونَ ذلك دليلًا على أن قوله: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ}. خبرٌ من الله عن قومٍ قالوه، وإذا لم يكن دليلًا على ذلك، ولم يأتِ خبرٌ بأنَّ قوله: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ}. خبرٌ من الله عن قوم قالوه، ولا قامت بصحة ذلك حجةٌ يجبُ التسليم لها - صحَّ ما قلنا، وفسد ما خالفه.
واختلفتِ القرَأَةُ في قراءة قوله: {ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ}؛ فقرأت ذلك عامةُ قرَأةِ المدينة والبصرة وبعضُ الكوفيين: {ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ}. بتنوينِ {ثَلَاثَ مِائَةٍ}. بمعنى: ولبثوا في كهفهم سنين ثلاثمائةٍ ¬وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وعاصم وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص 389.¥.
وقرأته عامةُ قرأة أهل الكوفة: (ثَلاثَمائِةِ سِنِينَ). بإضافة (ثلاثمائة) إلى "السنين"، [غير منوَّنٍ] ¬سقط من: ت 2، وفى ت 1: "بغير تنوين". وهى قراءة حمزة والكسائى. المصدر السابق ص 390.¥.
وأولى القراءتين في ذلك عندى بالصواب ¬القراءتان كلتاهما صواب، وليست إحداهما أولى من الأخرى.¥ قراءةُ مَن قرأه: {ثَلَاثَ مِائَةٍ}. بالتنوين، {سِنِينَ}. وذلك أن العرب إنما تُضيف المائة إلى ما يفسِّرها إذا جاء تفسيرُها بلفظ الواحد، وذلك كقولهم: عندى ¬سقط من: م، ت 2.¥ ثلاثُمائة درهمٍ، وعندي مائةُ دينارٍ. لأن المائة والألف عددٌ كثيرٌ، والعربُ لا تفسِّر ذلك إلَّا بما كان بمعناه في كثرة العددِ، والواحدُ يُؤدِّى عن الجنسِ، وليس ذلك للقليل ¬في ص، ت 1، ف: "القليل".¥ من العددِ، وإن كانت العربُ ربَّما وضعت الجمع القليل موضعَ الكثير، وليس ذلك بالكثير، وأما إذا جاء تفسيرها بلفظ الجميع ¬في م، ت 2، ف: "الجمع".¥، فإنَّها تنوِّنُ، فتقولُ: عندى ألفٌ دراهم، وعندى مائةٌ دنانير. على ما قد وصفتُ.
وقوله: {لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. يقولُ تعالى ذكره: للَّهِ علمُ غيبِ السماوات والأرض [وملكه] ¬سقط من: م، ت 2.¥، لا يعزُبُ عنه علمُ شيءٍ منه، ولا يَخْفَى عليه شئٌ. يقولُ: فسلموا له علم مبلغ ما لبثت الفتيةُ في الكهف إلى يومكم هذا، فإنَّ ذلك لا يعلمُه سوى الذي يعلَمُ غيب السماواتِ والأرضِ، وليس ذلك إلا الله الواحدُ القهارُ.
وقوله: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ}. يقول: أبصر بالله وأسْمِعْ. وذلك بمعنى المبالغة في المدحِ، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه.
وتأويل الكلام: ما أبصر الله لكلِّ موجودٍ، وأسمعه لكلِّ مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيءٌ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ}: فلا أحد أبصرُ من الله، ولا أسمعُ، تبارك وتعالى ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 218 إلى ابن أبي حاتم.¥.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ}. قال: يرى أعمالهم، ويسمعُ ذلك منهم، سميعًا بصيرًا ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 147.¥.
وقوله: {مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ}. يقولُ جلّ ثناؤه: ما لخلقه دونَ ربَّهم الذي خلقهم وليٌّ يلى أمرهم وتدبيرهم، وصرفهم فيما هم فيه مصرَّفون، {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا}. يقولُ: ولا يَجْعَلُ اللَّهُ في قضائه وحكمه في خلقه أحدًا سواه، شريكًا، بل هو المنفرد ¬في ت 2: "المتفرد".¥ بالحكم والقضاء فىهم، وبتدبيرهم وتصريفهم فيما شاء وأحبَّ.

تفاسير بلغات أخرى · 5