تفسير هذه الآية

السورة 18 : الآية 34

السورة 18 : الآية 34

وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَـٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


وقوله: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ}. اختَلَفَتِ القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ الحجازِ والعراقِ: (وكانَ لَهُ ثُمُرٌ). بضمِّ الثاءِ والميمِ ¬وهى قراءة نافع، وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي. السبعة ص 390.¥.
واختلَف قارِئو ذلك كذلك؛ فقال بعضُهم: كان له ذهبٌ وفِضَّةٌ. وقالوا: ذلك هو الثمُرُ؛ لأنّها أموال مثمَّرةٌ، يعني: مكثَّرَةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: (وكان لَهُ ثُمُرٌ). قال: ذهبٌ وفِضةٌ. وفى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: (بثُمُرِهِ). قال: هي أيضًا ذهبٌ وفِضةٌ ¬تفسير مجاهد ص 447. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 222 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: (ثُمُرٌ). قال: ذهبٌ وفضةٌ. قال: وقوله (وأُحيطَ بثُمُرِه): هي هي أيضًا.
وقال آخرون: بل عَنَى به المالَ الكثيرَ من صُنوفِ الأموالِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثني حجاجٌ، عن هارونَ، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، قال: قرَأها ابن عباسٍ: (وكان لَهُ ثُمُرٌ)، بالضمِّ، وقال: يعنى أنواعَ المالِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 222 إلى المصنف وأبى عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: (وكان لَهُ ثُمُرٌ) يقولُ: مالٌ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 222 إلى ابن أبي حاتم.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: (وكان لَهُ ثُمُرٌ). يقولُ: من كلِّ المالِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: (وأُحِيطَ بثُمُرِه). قال: الثُّمُرُ مِن المالِ كلِّه، يعنى الثَّمَرَ وغيرَه من المالِ كلِّه ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 404.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: الثُّمُرُ المالُ كلُّه. قال: وكلُّ مالٍ إذا اجتَمَع فهو ثُمُرٌ، إذا كان مِن لونِ الثمرةِ وغيرِها من المالِ كلِّه.
وقال آخرون: بل عنَى به الأصلَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (وكان لَهُ ثُمُرٌ): الثُّمُرُ الأصلُ. قال: (وأُحِيطَ بثُمُرِه). قال: بأصلِه ¬ينظر البحر المحيط 6/ 125.¥.
وكأنَّ الذين وجَّهُوا معناها إلى أنها أنواعٌ من المالِ أرادوا أنها جمعُ "ثمارٍ" جُمِع "ثُمُرًا"، كما يُجْمَعُ الكتاب "كُتُبًا"، والحمارُ "حُمُرًا".
وقد قرَأ بعضُ مَن وافَق هؤلاء في هذه القراءةِ: (ثُمْرٌ) بضمِّ الثاءِ وسكونِ الميمِ ¬قرأ بها أبو عمرو البصرى في الموضعين. السبعة لابن مجاهد ص 390.¥، وهو يُرِيدُ الضمَّ فيها، غيرَ أنه سكَّنها طلب التخفيفِ. وقد يَحتمِلُ أن يكونَ أراد بها جمعَ "ثَمَرِةٍ"، كما تُجمَعُ الخَشَبَةُ "حُشْبًا". وقرأ ذلك بعضُ المدنيّين: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ}. بفتحِ الثاءِ والميمِ ¬هو أبو جعفر، وبه أيضًا قرأ عاصم وروح. النشر 2/ 233.¥، بمعنى جمعِ "الثَّمَرِةِ"، كما تُجمَعُ الخَشَبَةُ "خَشَبًا"، والقَصَبَةُ "قَصَبًا".
وأولى القراءاتِ في ذلك عندى بالصوابِ ¬القراءات الثلاثة متواترة.¥ قراءةُ مَن قرَأ: (وكان لَهُ ثُمُرٌ). بضمِّ الثاءِ والميمِ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه، وأن ذلك ¬في ص، م، ف: "كانت".¥ جمعُ "ثمارٍ"، كما الكُتُبُ جمعُ "كتابٍ".
ومعنى الكلامِ: وفجَّرنا خلالَهما نهَرًا، وكان له منهما ثُمُرٌ - بمعنى من جنَّتيه ¬في ت 2: "جنتيهما".¥ - أنواعٌ من الثمارِ. وقد بَيَّن ذلك لَمَن وُفِّق لفَهمِه - قولُه: {جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا}. ثم قال: وكان له من هذه الكُرُومِ والنخل والزرع ثُمُرٌ.
وقولُه: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ}. يقولُ عزَّ وجلَّ: فقال هذا الذي جعَلنا له جنَّتين من أعنابٍ، لصاحبِه الذي لا مالَ له وهو يخاطِبُه: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا}. يقولُ: وأعزُّ عشيرةً ورَهْطًا. كما قال عُيينةُ والأقرعُ لرسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: نحن ساداتُ العربِ وأربابُ الأموالِ، فنَحِّ عنا سلمانَ وخَبَّابًا وصُهيبًا. احتقارًا لهم، وتكبُّرًا عليهم ¬تقدم في 9/ 258 - 263 ص 239 - 241 من هذا الجزء.¥.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا}: وتلك واللَّهِ أمنيةُ ¬في ص، ف: "أمنة".¥ الفاجرِ؛ كثرةُ المالِ، وعزَّةُ النفرِ ¬ينظر تفسير ابن كثير 5/ 153.¥.

تفاسير بلغات أخرى · 6