تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: فانطلَق موسى والعالمُ يَسِيران يطلُبان سَفِينَةً يَرْكَبانِها، حتى إذا أصاباها رَكِبا في السَّفينة، فلمَّا رَكِباها خرَق العالمُ السَّفينةَ، قال له موسى: أَخَرَقْتَها بعدما قد لَجَّجْنا فى البَحرِ؛ لتُغْرِقَ أهلها؟ {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا}. يقولُ: لقد جئتَ [بشيءٍ عظيمٍ] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ف: "شيئًا عظيمًا".¥، وفعَلتَ فِعْلًا مُنكَرًا.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولَه: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا}. أى: عَجَبًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في الفتح 8/ 419 - من طريق خالد بن قيس، عن قتادة، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 4/ 236 إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد.¥؛ أن قومًا لَجَّجُوا سفينتَهم [في البحرِ فخُرِقَتْ] ¬في ص: "فخرقت"، وفى م، ف: "فخرقتها".¥ كأَحْوجِ ما يكونون ¬فى ص، م، ت 1، ف: "نكون"، وفى ت 2: "يكون".¥ إليها! ولكنْ عَلِم مِن ذلك ما لم يعلَمْ نبىُّ اللهِ موسى ¬بعده في ص، م، ت 2، ف: "ذلك"¥ من علمِ اللهِ الذي أتاه، وقد ¬في ص، ت 1، ت 2، ف: "قال".¥ قال لنبىِّ اللهِ موسى عليه السلامُ: {فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا}.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا}. يقولُ: نُكْرًا.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا}. قال: مُنكَرًا ¬تفسير مجاهد ص 450، وعزاه الحافظ فى الفتح 8/ 419 إلى عبد بن حميد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 236 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه ¬ذكره الحافظ في الفتح 8/ 419، وقال: هو من رواية ابن جريج عن مجاهد، وقيل: لم يسمع منه.¥.
والإمْرُ في كلامِ العربِ الداهيةُ، ومنه قولُ الراجزِ ¬البيتان في مجاز القرآن، 1/ 409، والتبيان 7/ 65، 134، وفيه فى الموضع الثاني: "الأعداء" بدل "الأقران"، واللسان (أ م ر).¥:
قد لَقِيَ الأقرانُ مِنْكَ ¬فى م، والمصادر: "منى".¥ نُكْرَا
داهِيةً دَهياءَ إِدًّا إِمْرَا
وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ يقولُ: أَصْلُه كلُّ شيءٍ شديدٍ كثيرٍ. ويقولُ: منه قيل للقومِ: قد أَمِروا. إذا كثُروا واشتدَّ أمْرُهم. قال: والمصدرُ منه: الأمَرُ، والاسمُ: الإمْرُ.
واختلَفتِ القرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: {لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا}. فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضِ الكوفيِّين: {لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا}. بالتاءِ في {لِتُغْرِقَ}، ونصْبِ "الأهلِ" ¬وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ونافع وابن عامر وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص 395.¥، بمعنى: لتُغرِقَ أنتَ أيُّها الرجلُ أهلَ السَّفينة بالخَرْقِ الذي خرَقْتَ فيها.
وقرَأه عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (لِيَغْرَقَ) بالياء (أهلُها) بالرفعِ ¬وهى قراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.¥، على أن "الأهلَ" هم الذين يَغْرَقون.
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أن يُقالَ: إِنَّهما قراءتان معروفَتان مُسْتفيضَتان في قرَأةِ الأمصارِ، متَّفِقَتا المعنى وإنِ اختَلَفت ألفاظُهما، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وإنما قُلنا: هما متَّفِقتا المعنى؛ لأنه معلومٌ أن إنكارَ موسى على العالِم خَرْقَ السَّفينةِ إنما كان؛ لأنَّه كان عندَه أن ذلك سببٌ لغَرَقِ أَهْلِها إِذا أُحْدِث ¬بعده في ص، م، ت 1، ت 2: "مثل ذلك الحدث".¥ فيها، فلا خفاءَ على أحدٍ معنى ذلك، قُرِئ بالتاءِ ونَصْبِ "الأهلِ"، أو بالياءِ ورَفْعِ "الأهلِ".