تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
قال موسى له: {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا}. يقولُ: بعد هذه المرَّةِ، {فَلَا تُصَاحِبْنِي}. يقولُ: ففارِقْني، ولا تكنْ لى مُصاحِبًا، {قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا}. يقولُ: قد بلَغتَ العذرَ في شأني.
واختلَفتِ القرَأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: (مِنْ لَدُنِي عُذرًا). بفتحِ اللامِ وضمِّ الدالِ وتخفيفِ النّونِ ¬وهي قراءة نافع. السبعة لابن مجاهد ص 396.¥.
وقرَأه عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ بفتحِ اللامِ وضمِّ الدالِ وتشديدِ النونِ ¬وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم. المصدر السابق.¥.
وقرأه بعضُ قرَأةِ الكوفةِ بإشْمامِ [الدالِ الضَّمَّ وتسكينها] ¬فى ص، م، ت 1، ت 2، ف: "اللام الضم وتسكين الدال".¥ وتخفيفِ النونِ ¬وهي رواية عن أبي بكر عن عاصم، وفى رواية عن أبي بكر عن عاصم بسكون الدال مع فتح اللام. المصدر السابق.¥.
وكأنَّ الذين شدَّدوا النونَ طلبوا للنونِ التى فى "لَدُنْ" السلامةَ من الحركةِ، إذ كانت في الأصلِ ساكنةً، ولو لم تشدَّدْ لَتَحَرَّكت، فشَدَّدوها كراهةً منهم تحريكَها، كما فعَلوا ذلك ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.¥ فى "من" و "عن" إذا أضافوهما إلى مكنىِّ المخبِرِ عن نفسِه، فشدَّدوها ¬في م: "فشددوهما".¥، فقالوا: منِّى، وعنِّى. وأما الذين خفَّفوها، فإنَّهم وجَدوا مكنىَّ المُخبِرِ عن نفسِه فى حالِ الخفضِ ياءً وحدَها لا نونَ معها، فأجْرَوا ذلك مع ¬فى ص، م، ت 1، ت 2، ف: "من".¥
"لَدُنْ" على حسَبِ ما جرَى به كلامُهم فى ذلك مع سائرِ الأشياءِ غيرِها.
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أنَّهما لُغَتان فَصِيحتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرَأةُ للقرآنِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أن أَعْجَبَ القراءتين إلىَّ فى ذلك قراءةُ مَن فتَحَ اللامَ وضمِّ الدالَ وشدَّد النونَ؛ لعِلَّتين؛ إحداهما أنَّها أشهرُ اللُّغتَينِ، والأُخْرَى أن محمدَ بنَ نافعٍ البصرىِّ حدَّثنا، قال: ثنا أميةُ بن خالدٍ، قال: ثنا أبو الجاريةِ العبديُّ، [عن شعبةَ] ¬سقط من النسخ، والمثبت من مصادر التخريج.¥، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أبيٍّ، أن النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قرَأ: {قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا} مُثَقَّلةً ¬أخرجه الترمذى (2933)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان 3/ 111، من طريق أبي بكر محمد ابن نافع البصرى به، وأخرجه أبو داود (3985)، وعبد الله في زوائد المسند 5/ 121 - ومن طريقه المزي في تهذيبه 24/ 180 - والطبراني (543) من طريق أمية بن خالد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 237 إلى البزار وابن المنذر وابن مردويه. وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأمية بن خالد ثقة، وأبو الجارية العبدى شيخ مجهول،
لا أدرى من هو، ولا يعرف اسمه.¥.
حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن حمزةَ الزياتِ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أُبيِّ بنُ كعبٍ، عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مثله.
وذُكِر أن رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تلا هذه الآيةَ، فقال: [اسْتَحْيا نبيُّ] ¬في ص، ت 2: "استحياني"، وفى م، ت 1، ف: "استحيا في".¥ اللهِ موسى".
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا بدَلُ بنُ المَحَبَّرِ، قال: ثنا عبّادُ بنُ رَاشدٍ، قال: ثنا داودُ في قولِ اللهِ: {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا}. قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: [اسْتَحْيا نبيُّ] ¬فى ص، ت 2: "استحياني"، وفى م، ت 1، ف: "استحيا".¥ الله موسى عندَها".
حدَّثني عبد الله بن أبى زيادٍ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن حمزةَ الزياتِ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أُبيِّ بنُ كعبٍ، قال: كان النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إذا ذكَر أحدًا فدعا له، بدأ بنفسه، فقال ذاتَ يومٍ: "رَحمَةُ اللهِ علينا وعلى موسى، لو لَبِث مع صاحبِه لأبْصَرَ العَجَبَ، ولكنَّه قال: {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا}. مُثَقَّلَةً ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 180 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة 10/ 219، وأبو داود (3984)، والترمذى (3385) مقتصرا على أوله، وابن قانع في معجم الصحابة 1/ 4، وابن حبان (988)، والخطيب 6/ 400، وفي الفقيه والمتفقه (1029)، والحاكم 2/ 574 من طريق حمزة الزيات به.¥.