تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
يقولُ تعالى ذكرُه: ثم سار طُرُقًا ومنازل، وسلك سُبُلًا، {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ}.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ الكُوفيين: (حتى إذا بلغَ السَّدينِ) بضمِّ السينِ، وكذلك جميعَ ما في القرآنِ من ذلك بضمِّ السينِ ¬قرأ بالضم جميع ما في القرآن: نافع، وعاصم في رواية أبى بكر، وابن عامر. ينظر السبعة في القراءات ص 399. والكشف عن وجوه القراءات ص 75، 76.¥. وكان بعضُ قرأةِ المَكِّيِّين يقرَؤُه بفتحِ ذلك كلِّه ¬قرأ بالفتح في ذلك كله حفص عن عاصم، وهما كوفيان. المصدران السابقان.¥.
وكان أبو عمرِو بنُ العلاءِ يفتَحُ السينَ في هذه السورةِ، ويضُمُّ السينَ في "يس" ¬وهو قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا} [يس: 9].¥، ويقولُ: السَّدُّ بالفتح هو الحاجزُ بينَك وبينَ الشيءِ، والسُّدُّ بالضمِّ ما كان مِن غِشاوةٍ في العينِ. وأمَّا الكوفيون فإن قراءةَ عامَّتِهم في جميعِ القرآنِ بفتحِ السينِ، غيرَ قوله: (حتى إذا بلغَ بين السُّدينِ) فإنهم ضَمُّوا السينَ في ذلك خاصَّةً ¬هي قراءة حمزة والكسائي. ينظر المصدران السابقان.¥.
ورُوِى عن عكرمةَ في ذلك ما حدَّثنا به أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، قال: ما كان مِن صَنعَةِ بني آدمَ فهو السَّدُّ - يعنى بالفتحِ - وما كان من صُنعِ الله فهو السُّدُّ ¬ذكره الطوسى في التبيان 7/ 79، والبغوى في تفسيره 5/ 201، والقرطبي في تفسيره 11/ 59، وأبو حيان في تفسيره 6/ 163.¥.
وكان الكسائيُّ يقولُ: هما لغتان بمعنًى واحدٍ.
والصوابُ من القول في ذلك عندى أن يقال: إنهما قراءَتان مُستَفِيضَتان في قرأةِ الأمصارِ، ولغتان مُتَّفِقَتا المعنى غيرُ مُختلِفَتِه ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ف: "مختلفة".¥، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، ولا معنَى للفَرقِ الذي ذُكِر عن أبي عمرِو بن العلاءِ وعكرمة بينَ السَّدِّ والسُّدِّ، لأنا لم نجِدْ لذلك شاهدًا يُبينُ عن فُرقانِ ما بينَ ذلك، على ما حُكِى عنهما. ومما يُبَيِّنُ [عن أن] ¬سقط من: م. وفى ص، ت 1، ت 2، ف: "عن".¥ ذلك كذلك ¬ليست في ص، م، ت 1، ت 2، ف.¥ أن جميعَ أهلُ التأويلِ [الذين رُوِى لنا عنهم] ¬في ص، ت 1، ت 2، ف: "الذي روى لنا عنه"، وفى م: "الذي روى لنا عنهم".¥ في ذلك قولٌ، لم يُحْكَ لنا عن أحدٍ منهم تفصيلٌ بين فتحِ ذلك وضمِّه، ولو كانا مُختَلِفَي المعنَى لنُقِل الفصلُ مع التأويلِ، إن شاء اللهُ، ولكنْ معنَى ذلك كان عندَهم غيرَ مُفتَرِقٍ، ففَسَّروا ¬في م: "فيفسر".¥ الحرفَ بغيرِ تفصيلٍ منهم بينَ ذلك. وأما ما ذُكِر عن عكرمةَ في ذلك، فإن الذي نقَل ذلك عن أيوبَ هارونُ، وفى نقلِه نظرٌ، ولا نعرِفُ ذلك عن أيوبَ من روايةِ ثقاتِ أصحابِه.
والسَّدُّ والسُّدُّ جميعًا: الحاجزُ بينَ الشيئين. وهما ههنا - فيما ذُكِر - جَبَلان سُدَّ ما بينَهما، فردَم ذو القَرنَين حاجزًا بينَ يأجوجَ ومأجوجَ ومَنْ وَراءَه ¬في م: "وراءهم".¥؛ ليَقْطَعَ مادَّةَ ¬في م: "ماد".¥ غوائِلهم وعَيْثهم عنهم ¬في الأصل: "عنه".¥.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ}. قال: الجَبَلين، الرَّدْمِ الذي بينَ يأجوجِ ومأجوجَ، أُمَّتَين مِن وراءِ رَدمِ ذى القرنين. قال: الجَبَلَين ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ف: "الجبلان". والمثبت من الأصل موافق لما في مصدرى التخريج الآتيين.¥، أَرمِينِيَّةَ وأَذربِيجَانَ ¬ذكره القرطبي في تفسيره 11/ 55 بشطره الأخير، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 249 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ}، وهما جبلان ¬ذكره الطوسي في التبيان 7/ 79.¥.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيد، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قوله: {بَيْنَ السَّدَّيْنِ}. يعني: بينَ جبلين ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 412، 413.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {بَيْنَ السَّدَّيْنِ}. قال: هما جبلان ¬وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم وابن عامر. ينظر السبعة في القراءات 399، والكشف عن وجوه القراءات ص 76.¥.
وقولُه: {وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا}. يقولُ عزَّ ذكرُه: وجَد مِن دونِ السَّدَّين قوما لا يكادون يفقَهُون قول قائلٍ سوى كلامِهم.
وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: {يَفْقَهُونَ}؛ فقرَأته عامةُ قرأة أهلِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: {يَفْقَهُونَ} بفتحِ القافِ والياءِ ¬هي قراءة حمزة والكسائى. ينظر المصدران السابقان.¥، مِن: فَقِهَ الرجلُ يَفْقَهُ فِقْهًا. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: (يُفْقِهُونَ قَوْلًا) بضمِّ الياءِ وكسرِ القافِ ¬في م: "فهمته".¥، مِن: أَفقَهتُ فلانًا كذا أُفقِهُهُ إفقاهًا. إذا أَفهَمتَه ¬¥ ذلك.
والصوابُ عندى مِن القولِ في ذلك، أنهما قراءتان مُستَفِيضَتان في قرأةِ الأمصارِ، غيرُ دافعةٍ إحداهما الأخرى؛ وذلك أن القومَ الذين أخبرَ اللهُ عنهم هذا الخبرَ، جائزٌ أن يكونوا كانوا لا يكادون يفقهون قولًا لغيرِهم عنهم، فيكونَ صوابًا القراءةُ بذلك؛ وجائزٌ أن يكونوا - مع كونِهم كذلك - كانوا لا يكادون [يُفقِهون غيرَهم عنهم] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ف: "أن يفقهوا غيرهم".¥ لعِللٍ، إما بألسنتِهم، وإما بمنَطِقِهم، فتكونَ القراءةُ بذلك أيضًا صوابًا.