تفسير هذه الآية

السورة 19 : الآية 54

السورة 19 : الآية 54

وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِسْمَـٰعِيلَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا

تفسير ابن كثير

هذا ثناء من الله تعالى على إسماعيل بن إبراهيم الخليل - عليهما السلام -، وهو والد عرب الحجاز كلهم بأنه كان صادق الوعد.

قال ابن جريج: لم يعد ربه عدة إلا أنجزها؛ يعني ما التزم عبادة قط بنذر إلا قام بها ووفاها حقها.

وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن سهل بن عقيل حدثه أن إسماعيل النبي - عليه السلام - وعد رجلًا مكانًا أن يأتيه فيه، فجاء ونسي الرجل، فظل به إسماعيل وبات حتى جاء الرجل من الغد، فقال: ما برحت من ههنا؟ قال: لا. قال: إني نسيت قال: لم أكن أبرح حتى تأتيني، فلذلك {كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ} ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرساله.¥.

وقال سفيان الثوري: بلغني أنه أقام في ذلك المكان ينتظره حولًا حتى جاءه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم وسنده ضعيف لأن الثوري رواه بلاغًا.¥.

وقال [ابن شوذب] ¬كذا في (ح) و (حم)، وفي الأصل صُحف إلى: "سودب".¥: بلغني أنه اتخذ ذلك الموضع مسكنًا ¬وسنده ضعيف كسابقه.¥.

وقد روى أبو داود في سننه، وأبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي في كتابه مكارم الأخلاق، من طريق إبراهيم بن طهمان، عن بُديل بن ميسرة، عن عبد الكريم - يعني: ابن عبد الله بن شقيق -، عن أبيه، عن عبد الله بن أبي الحمساء، قال: بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يبعث، فبقيت له علي بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك، قال: فنسيت يومي والغد، فأتيته في اليوم الثالث وهو في مكانه ذلك، فقال لي: "يا فتى لقد شققت عليّ، أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك". لفظ الخرائطي ¬سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في العِدة (ح 4996)، ومكارم الأخلاق (ح 32)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح 1062).¥، وساق آثارًا حسنة في ذلك، ورواه ابن منده أبو عبد الله في كتاب معرفة الصحابة بإسناده عن إبراهيم بن طهمان، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الكريم، به ¬سنده كسابقه.¥.

وقال بعضهم: إنما قيل له: {صَادِقَ الْوَعْدِ} لأنه قال لأبيه: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 102] فصدَّق في ذلك، فصدق الوعد من الصفات الحميدة كما أن خُلْفه من الصفات الذميمة، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)} [الصف].

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" ¬أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - (صحيح البخاري، الإيمان، باب علامة المنافق ح 33)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان خصال المنافق (ح 107).¥.

ولما كانت هذه صفات المنافقين، كان التلبس بضدها من صفات المؤمنين، ولهذا أثنى الله على عبده ورسوله إسماعيل بصدق الوعد، وكذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صادق الوعد أيضًا لا يعد أحدًا شيئًا إلا وفّى له به، وقد أثنى على أبي العاص بن الربيع زوج ابنته زينب، فقال: "حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي" ولما توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - قال الخليفة أبو بكر الصديق: من كان له عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عدة أو دين فليأتني أنجز له، فجاء جابر بن عبد الله فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا" يعني: ملء كفيه، فلما جاء مال البحرين أمر الصديق جابرًا فغرف بيديه من المال، ثم أمره بعده فإذا هو خمسمائة درهم فأعطاه مثليها معها ¬أخرجه الشيخان من حديث المسور بن مخرمة - رضي الله عنه - (صحيح البخاري، فضائل الصحابة، باب أصهار النبي - صلى الله عليه وسلم - ح 3729) وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة - رضي الله عنها - (ح 2449).¥.

وقوله: {وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} في هذا دلالة على شرف إسماعيل على أخيه إسحاق؛ لأنه إنما وصف بالنبوة فقط، وإسماعيل وصف بالنبوة والرسالة. وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل" ¬صحيح مسلم، الفضائل، باب نسب النبي - صلى الله عليه وسلم - (ح 2276).¥. وذكر تمام الحديث، فدل على صحة ما قلناه.

تفاسير بلغات أخرى · 6