تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: وكم أهلَكنا يا محمدُ قبلَ هؤلاء القائلين مِن أهلِ الكفرِ للمؤمنين، إذا تُتلَى عليهم آياتُ الرحمنِ: أيُّ الفريقين خيرٌ منازلَ ¬في ص، م، ت 1، ف: "مقاما".¥ وأحسنُ ¬بعده في: م، ت 1، ف: "نديا".¥ مجالسَ مِن قرنٍ هم كانوا أكثرَ متاعَ منازلَ مِن هؤلاءِ، وأحسنَ منهم منظرًا وأجملَ صورًا، فأهلكنا أموالَهم، وغيَّرنا صورهم. ومن ذلك قولُ علقمةَ بنَ عَبَدَةَ ¬ديوانه ص 88.¥:
كُمَيْتٍ كَلَوْنِ الأُرْجُوَانِ نَشَرْتَهُ ... لبَيعِ الرِّدَاءِ ¬في ف: "الرباء"، وفى ص، م، ت 1، ت 2، ف: "الرئى" والمثبت من الديوان.¥ فِي الصُّوَانِ المُكَعَّبِ
يعنى بالصوانِ: التختَ الذي تصانُ فيه الثيابُ
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبيانَ، عن ابن عباسٍ: {أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا}. قال: الرِّئْىُ: المنظرُ، والأثاثُ: المتاعْ ¬تفسير سفيان ص 188 وأخرجه ابن أبي حاتم كما في التغليق 4/ 248 من طريق الأعمش به، وذكره ابن كثير في تفسيره 2525، عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 283 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والمصنف وابن المنذر.¥.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن أبي ظَبيانَ، عن ابن عباسٍ، قال: الرئىُ المنظرُ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: قولَه: {أَحْسَنُ أَثَاثًا}، مالًا، وقولُه: {وَرِئْيًا}. يقولُ: منظرًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم كما في التغليق 4/ 249 من طريق معاوية وليس فيه تفسير الرئى. وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 253، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 283 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والمصنف وابن المنذر.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: {أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا}، الأثاث: المالُ، والرِّئىُ: المنظرُ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: {أَثَاثًا وَرِئْيًا}. قال: الأثاثُ: أحسنُ المتاعِ، والرِّئىُ. قال: المالُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: يقولُ اللهُ تبارَك وتعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا}. أي: أكثر متاعًا وأحسنُ [مَرآة ومنظرًا] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ف: "منزلة ومستقرا".¥، فأهلكَ اللهُ أموالَهم، وأفسَد صورَهم عليهم، تبارَك وتعالى.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا}. قال: أحسنُ صورًا، وأكثر أموالًا ¬تفسير عبد الرزاق 2/ 11.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {أَثَاثًا}. قال: المتاعُ، {وَرِئْيًا}. قال: فيما يَرَى الناسُ ¬تفسير مجاهد ص 458، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 283 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، بنحوه.
حدَّثنا ابن حميدٍ وبشرُ بنُ معاذٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: الأثاث: المالُ، والرِّئىُ: المنظرُ الحسنُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: {وَرِئْيًا}: منظرًا في اللونِ والحُسنِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا}. قال: الرئىُ: المنظرُ، والأثاثُ: المتاعُ؛ أحسنُ متاعًا، وأحسنُ منظرًا.
وحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ [أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ف.¥ في قولِه: {أَحْسَنُ أَثَاثًا}. يعنى المالَ، {وَرِئْيًا}.
يعني المنظرَ الحسنَ.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: (وَرِيًّا) ¬هي قراءة قالون عن نافع وابن ذكوان عن ابن عامر. التيسير ص 121.¥. غيرَ مهموزٍ، وذلك إذا قُرِئ كذلك يتوجِّه لوجهين؛ أحدُهما أن يكونَ قارتُه أراد الهمزةَ، فأبدَل منها ياءً، فاجتمَعَتِ الياءُ المُبدلةُ من الهمزِ والياءُ التي هي لامُ الفعلِ فأُدغِمتا فجُعِلتا ياءً واحدةً مشددةً؛ ليُلْحِقُوا ذلك - إذ كان رأسَ آيةٍ - بنظائِره من سائرِ رءوسِ الآياتِ قبلَه وبعدَه. والآخرُ أن يكونَ مِن: رَوَّيْتُ أُرَوِّي رَوِيَّةً ورِيًّا. وإذا أُريدَ به ذلك كان معنى الكلامِ: وكم أهلَكنا قبلَهم مِن قرنٍ، هم أحسنُ متاعًا، وأحسنُ نظرًا لمالِه، ومعرفةً بتدبيره ¬في ص، م، ت 1، ف: "لتدبيره".¥. وذلك أن العربَ تقولُ: ما أحسنَ رَوِيَّةَ فلانٍ في هذا الأمرِ. إذا كان حسنَ النظرِ فيه والمعرفةِ به. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ العراقِ والكوفةِ والبصرةِ: {وَرِئْيًا} ¬هي قراءة غير قالون وابن ذكوان. المصدر السابق.¥. بهمزِها، بمعنى رؤيةِ العينِ، كأنه أراد: أحسنُ متاعًا ومَرآةً. وحُكِى عن بعضِهم أنه قرَأه: (أحسنُ أثاثًا وزِيًّا) ¬هي قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير، ويزيد البربرى وأبى ب
ن كعب والأعسم المكي، وزياد، وهي قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط 6/ 211، وتفسير القرطبي 11/ 143.¥. بالزايِ، كأنه أراد: أحسنُ متاعًا وهيئةً ومنظرًا. وذلك أن الزِّيَّ هو الهيئةُ والمنظرُ، من قولِهم: زيَّيتُ الجاريةَ. بمعنى: زيَّنتُها وهيَّأتُها.
وأولى القراءاتِ في ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه: {أَثَاثًا وَرِئْيًا} ¬القراءتان (رِئيا) و (رِيًّا) كلتاهما متواترتان.¥. بالراءِ والهمزِ؛ لإجماعِ الحجةِ من أهلَ التأويلِ على أن معناه المنظرُ، وذلك هو من رؤيةِ العينِ، لا من الرَّوِيَّةِ؛ فلذلك كان الهمزُ به أولى، فإن قرَأ قارىُ ذلك بتركِ الهمزِ وهو يريدُ هذا المعنى، فغير مخطئٍ في قراءتِه. وأما قراءةُ مَن قرَأ بالزايِ فقراءةٌ خارجةٌ عن قراءةِ القرآةِ، فلا أستجيزُ القراءةَ بها؛ لخلافِها قراءَتَهم، وإن كان لها ¬في ص، م، ت 1، ف: "لهم".¥ في التأويلِ وجهٌ صحيحٌ.
واختلَف أهلُ العربيةِ في الأثاثِ، أجمعٌ هو أم واحدٌ؟ فكان الأحمر ¬هو على بن المبارك - وقيل: ابن الحسن - الأحمر النحوى شيخ العربية. توفى سنة أربع وتسعين ومائة. تنظر ترجمته في إنباه الرواة 2/ 313، وسير أعلام النبلاء 9/ 92.¥ فيما ذُكِر لى عنه يقولُ: هو جمعٌ واحدتُها أَثاثةٌ، كما الحمامُ جمعٌ واحدتُها حمامةٌ، والسحابُ جمعٌ واحدتُها سحابةٌ.
وأما الفراءُ فإنه كان يقولُ: لا واحدَ له، كما أن المتاعَ لا واحدَ له. قال: والعربُ تجمعُ المتاعَ: أمتِعَةٌ، وأماتيعُ، ومُتُعٌ. قال: ولو جمعتَ الأثاثَ لقلتَ: ثلاثةُ آثِّةٍ وأُثُتٍ ¬معاني القرآن للفراء 2/ 171.¥.
وأما الرِّئيُ فإن جمعَه: أَرآءُ.