تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
وقد أبان قولُه: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ}. على أن الذي ذُكِرَ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "ذكرنا".¥ من الكلامِ بمعنى التكذيبِ لليهودِ والنصارَى في دَعْواهم ما ذكَر اللهُ عنهم.
وأما تأويلُ قولِه: {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} فإنه: أَحْضِرُوا وأْتُوا به.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ}.
يعنى بقولِه جل ثناؤُه: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ}: ليس الأمرُ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ كما قال الزاعمون: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى}. ولكن مَن أَسلمَ وجهَه للهِ وهو مُحسِنٌ، فهو الذي يَدخُلُها ويُنَعَّمُ فيها.
كما حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: أَخْبَرَهم ¬بعده في م: "أن".¥ مَن يدْخُلُ الجنةَ [فقال: {بَلَى] ¬في م. "هو".¥ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} الآية.
وقد بَيَّنَّا معنى "بَلى" فيما مضَى قبلُ ¬ينظر ما تقدم في ص 179.¥.
وأما قولُه: {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ}. فإنه يَعنى بإسلامِ الوجهِ التذلُّلَ لطاعتِه والإذعانَ لأمرِه. وأصْلُ الإسلامِ الاستسلامُ، لأنه مِن: اسْتَسْلَمتُ له ¬في م: "لأمره".¥. وهو الخُضوعُ لأمرِه. وإنما سُمِّىَ المسلمُ مسلمًا؛ لخضوعِ جوارحِه لطاعةِ ربِّه.
كما حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ}. يقولُ: أَخْلَصَ للهِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 208 عقب الأثر (1099) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
وكما قال زيدُ بنُ عمرِو بنِ نُفَيلٍ ¬سيرة ابن هشام 1/ 231، والأغاني 3/ 128.¥:
[وأَسْلَمْتُ] ¬في الأصل، ت 2، والأغاني: "أسلمت".¥ وَجْهِى لمن أسْلَمَتْ ... له المُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلالا
يَعْني بذلك: اسْتَسْلَمْتُ لطاعةِ من اسْتَسْلَم لطاعتِه المُزْنُ وانقَدْتُ ¬في م ت 1، ت، 2، ت 3: "انقادت".¥ له.
وخصَّ اللهُ جل ثناؤُه بالخبرِ عمن أخبرَ عنه بقولِه: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} بإسلامِ وجهِه له دون سائرِ جوارحِه؛ لأن أكرمَ أعضاءِ ابنِ آدمَ وجوارحِه وجهُه، وهو أعظمُها عليه حرمةً وحقًّا، فإذا خضَع لشيءٍ وجهُه الذي هو أكرمُ أجزاءِ جسدِه عليه، فغيرُه من أجزأءِ جسدِه أَحْرَى أن يكونَ [قد خَضَعَ] ¬في م: "أخضع".¥ له. ولذلك تَذْكرُ العربُ في مَنْطقِها الخبرَ عن الشيءِ فتُضِيفُه إلى وجهِه، وهي تعني بذلك نَفْسَ الشيءِ وعَيْنَه، كقولِ الأعْشَى ¬ديوانه ص 143.¥:
أُؤَوِّلُ ¬في النسخ: "وأوّل". والمثبت من الديوان.¥ الحُكْمَ على وجْهِهِ ... لَيْسَ قَضَائِي بالهَوَى الجائِرِ
يعنى بقولِه: على وجهِه: على ما هو به مِن صحتِه وصوابِه. وكما قال ذو الرُّمَّةِ ¬ديوانه 2/ 938.¥:
فَطاوَعْتُ هَمِّى وَانْجَلَى وَجْهُ بازِلٍ ¬في النسخ، ونسخة من الديوان: "نازل"، والمثبت من بقية نسخ الديوان، وأمر بازل: مستحكم، وخطب بازل: شديد. التاج (ب ز ل).¥ ... مِن الأمْرِ لم يَتْرُكْ خِلاجًا ¬الخلاج: الشك. اللسان (خ ل ج).¥ بُزُولُها ¬في الأصل، م، ت: "نزولها"، وفي ت 2: "يرولها". والمثبت من الديوان.¥
يريدُ: وانجلَى البازلُ ¬في النسخ: "النازل". والباء غير منقوطة في الأصل.¥ من الأمرِ فتَبيَّن. وما أشْبَهَ ذلك، إذ كان حُسْنُ كلِّ شيءٍ وقبحُه في وجهِه، فكان ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "وكان في".¥ وصْفُها مِن الشيءِ وجهَه بما تَصِفُه به، إبانةً عن عينِ الشيءِ ونفسِه. فكذلك معنى قولِه جل ثناؤُه: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ}. إنما يعني: بلى مَن أسلَم للهِ بدنَه، فخضَع له بالطاعةِ جَسدُه، وهو مُحسِنٌ في إسلامِه له جسدَه، فله أجرُه عندَ ربِّه. فاكْتَفَى بذكرِ الوجهِ مِن ذكرِ جسدِه، لدلالةِ الكلامِ على المعنى الذي أُرِيدَ به بذكرِ الوجهِ.
وأما قولُه: {وَهُوَ مُحْسِنٌ} فإنه يعني به: في حالِ إحسانِه. وتأويلُ الكلامِ: بلى مَن أخلَص طاعتَه [وعبادتَه للهِ] ¬في م، ت 1، ت 2: "لله وعبادته له".¥ محسنًا في فعلِه ذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)}.
يعنى بقولِه جل ثناؤُه: {فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ}: فللمُسْلمِ وجْهَه للهِ محسنًا، جزاؤه وثوابُه على إسلامِه وطاعتِه ربَّه، عندَ اللهِ في معادِه.
ويعنى بقولِه: {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}: [ولا خوفٌ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ على المسلمين وجوهَهم للهِ وهم محسِنون، المخُلِصين للهِ الدينَ، في الآخرةِ مِن عقابِه وعذابِ جحيمِه، ومما قَدِموا عليه مِن أعمالِهم.
ويعنى بقولِه: {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}: ولا هم يَحْزنون على ما خَلَّفوا وراءَهم في الدنيا، ولا أن يُمْنَعوا ما قَدِموا عليه مِن نعيمِ ما أعدَّ اللهُ لأهلِ طاعتِه.
وإنما قال جل ثناؤُه: {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. وقد قال قبلُ: {فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّه}. لأن {مَنْ} التي في قولِه: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} في لفظِ واحدٍ ومعنَى جمعٍ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "جميع".¥، فالتوحيدُ في قولِه: {فَلَهُ أَجْرُهُ} للَّفظِ، والجميعُ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "الجمع".¥ في قولِه: {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}. للمعنى.