تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا}.
قد دَلَّلْنا فيما مضَى قبلُ على أن تأويلَ الظُلمِ وَضْعُ الشيء في غيرِ موضعِه ¬ينظر ما تقدم في 1/ 559، 560.¥.
فتأويلُ قولِه: {وَمَنْ أَظْلَمُ}: وأي امرِئ أشدُّ تَعدِّيًا وجُرأَةً على اللهِ وخلافًا لأمرِه، مِن امرئ منَع مساجدَ اللهِ أن يُعبدَ اللهُ فيها؟
والمساجدُ جمعُ مسجدٍ، وهو كلُّ مَوضِعٍ عُبِدَ اللهُ فيه. وقد بيَّنا معنى السجودِ فيما مضَى ¬ينظر ما تقدم في 1/ 715.¥. فمعنى المسجدِ: المَوضعُ الذي يُسْجَدُ للهِ فيه. كما يقالُ للموضعِ الذي يُجْلَسُ فيه: المَجلِسُ. وللمَوضعِ الذي يُنزَلُ فيه: المنَزِلُ. ثم يُجمعُ مَنازلَ ومجالسَ، نَظيرَ [جمعِ مَسجدٍ؛ مَساجدَ] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "مسجد ومساجد".¥. وقد حُكِىَ سماعًا مِن بعضِ العربِ: مَسْجَدٌ ¬في م: "مساجد".¥. في واحدِ المساجدِ، وذلك كالخطأِ مِن قائلِه.
وأما قولُه: {أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}. فإن فيه وَجْهين مِن التأويلِ: أحدُهما، أن يكونَ معناه: ومَن أظلمُ ممن منَع مساجدَ اللهِ مِن أن يُذكرَ فيها اسمُه. فتكونَ {أَنْ} حينئذٍ نصبًا في ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "من".¥ قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ بفَقْدِ الخافضِ، وتَعلُّقِ الفعلِ بها. [وفى قولِ بعضِهم خَفْضُها بمعنَى "مِن" وإن لم تكُنْ "مِن" ظاهرةً، إذْ كان في الكلامِ عليها دلالةٌ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥.
والوجهُ الآخرُ، أن يكونَ معناه: ومَن أظلمُ ممن منَع أن يُذْكرَ اسمُ اللهِ في مساجدِه. فتكونَ {أَنْ} حينئذٍ في موضعِ نصبٍ تكريرًا على موضعِ "المساجدِ" وردًّا عليه.
وأما قولُه: {وَسَعَى فِي خَرَابِهَا}. فإن معناه: ومَن أظلمُ ممن منَع مساجدَ اللهِ أن يُذْكرَ فيها اسمُه، وممن سعَى في خرابِ مساجدِ اللهِ. فـ {وَسَعَى} إذن عطفٌ على {مَنَعَ}.
فإن قال لنا قائلٌ: ومَن الذين عَنَى اللهُ بقولِه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا}؟ وأيُّ المساجدِ هى؟
قيل: إن أهلَ التأويلِ في ذلك مُختلِفون؛ فقال بعضُهم: الذين مَنَعوا مساجدَ اللهِ أن يُذْكرَ فيها اسمُه هم النصارى، والمسجدُ بيتُ المقدسِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبى، قال: حدَّثني عمِّى، قال: حدَّثني أَبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}: فإنَّهم النصارى ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 210 (1111) عن محمد بن سعد به.¥.
وحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا}: النصارى، كانوا يَطْرَحون في بيتِ المقدسِ الأذَى، ويَمْنعون الناسَ أن يُصلُّوا فيه ¬تفسير مجاهد ص 212، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 210 (1112). وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 108 إلى عبد بن حميد.¥.
وحدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهد مثلَه.
وقال آخرون: بل هو بُخْتُنَصَّرَ وجندُه، ومَن أعانَهم مِن النصارى، والمسجدُ مسجدُ بيتِ المقدسِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} الآية: أولئك أعداءُ اللهِ النصارى، حملَهم بُغْضُ اليهودِ على أن أعانوا بُخْتَنَصَّرَ البابليَّ المجوسىَّ على تخريبِ بيتِ المقدسِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 108 إلى عبد بن حميد، وينظر تفسير ابن كثير 1/ 224.¥.
وحدَّثنا الحصنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} قال: هو بُخْتُنَصَّرَ وأصحابُه، خرَّب بيتَ المقدسِ، وأعانَه على ذلك النصارى ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 56، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 210 (1113) عن الحسن بن يحيى به.¥.
وحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا}: فإن ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "قال".¥ الرُّومَ كانوا ظاهروا بُخْتَنَصَّرَ على خرابِ بيتِ المقدسِ حتى خرَّبه، وأمَر به أن تُطْرَحَ فيه الجِيفُ، وإنما أعانَه الرومُ على خرابِه مِن أجلِ أن بني إسرائيل قتَلوا يحيى بنَ زَكَريا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 211 (1116) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به.¥.
وقال آخرون: بل عَنَى اللهُ عز وجل بهذه الاَيةِ مُشْرِكى قريشٍ، إذ مَنَعوا رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِن المسجدِ الحرامِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا}. قال: هؤلاء المشركون حين حالُوا بينَ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يومَ الحُدَيبيةِ وبينَ أن يَدْخُلَ مكةَ، حتى نحَر هديَه بذي طُوًى وهادَنَهم، وقال لهم: "ما كان أحدٌ يُرَدُّ عن هذا البيتِ، وقد كان الرجلُ يَلْقَى قاتلَ أبيه أو أخيه فيه فما يصدُّه! " فقالوا: لا يَدْخلُ علينا مَن قتَل آباءَنا يومَ بدرٍ وفينا باقٍ. وفي قولِه: {وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} قال ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "قالوا".¥: إذا قطَعوا مَن يَعمُرُها بذِكْرِه، ويَأْتِيها للحجِّ والعمرةِ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 224 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 108 إلى المصنف.¥.
وأوْلَى التأويلاتِ التي ذَكَرناها بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: عَنَى اللهُ عز وجل بقولِه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} النصارى، وذلك أنهم هم الذين سعَوا في خرابِ بيتِ المقدسِ، وأعانوا بُخْتَنَصَّرَ على ذلك، ومنَعوا مُؤْمنى بني إسرائيل مِن الصلاةِ فيه بعدَ مُنْصرَفِ بختِنصَّرَ عنهم إلى بلادِه.
والدليلُ على صحةِ ما قلنا في ذلك، قيامُ الحُجةِ بأن لا قولَ في معنى هذه الآيةِ إلا أحدُ الأقوالِ الثلاثةِ التي ذكرناها، وأن لا مسجدَ عَنَى اللهُ عزّ وجل بقولِه: {فِي خَرَابِهَا} إلا أحَدُ المَسجدَيْن، إما مَسْجدُ بيتِ المقدسِ، وإما المسجدُ الحرامُ. وإذ كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أن مُشرِكى قريشٍ لم يَسْعَوا قَطُّ في تخريبِ المسجدِ الحرامِ، وإن كانوا قد منَعوا في بعضِ الأوقاتِ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأصحابَه مِن الصلاةِ فيه، صحَّ وثبَت أن الذين وصفَهم اللهُ عزّ وجل بالسعىِ في خرابِ مساجدِه، غيرُ الذين وصفَهم اللهُ بعمارتِها، إذ كان مُشْرِكو ¬في م: "مشرك".¥ قريشٍ هم ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ بنَوا المسجدَ الحرامَ في الجاهليةِ، وبعِمارتِه كان افْتِخارُهم، وإن كان بعضُ أفعالِهم فيه كان منهم على غيرِ الوجهِ الذي يَرْضاه اللهُ منهم. وأُخرى أن الآيةَ التي قبلَ قولِه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}. مضَت بالخبرِ عن اليهودِ والنصارَى وذمِّ أفعالِهم، والتي بعدَها عقَّبَت ¬في م: "نبهت".¥ بدمِّ النصارَى والخبرِ عن افترائِهم على ربِّهم، ولم يَجْرِ لقر
يشٍ ولا لمُشركى العربِ ذِكْرٌ، ولا للمسجدِ الحرامِ قبلَها، فيُوجَّهَ الخبرُ بقولِ اللهِ عز وجل: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}. إليهم وإلى المسجدِ الحرامِ. وإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أوْلَى بالآيةِ أن يُوجَّهَ تأويلُها إليه، هو ما كان نَظيرَ قصةِ الآيةِ قبلَها والآيةِ بعدَها، إذ كان خبرُها لخبرِهما نظيرًا وشكلًا، إلا أن تقومَ حُجةٌ يجِبُ التسليمُ لها بخلافِ ذلك، وإن اتفَقت قصصُها فاشْتَبهت.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن ما قلنا في ذلك ليس كذلك -إذ كان المسلمون لم يَلْزمْهم قَطُّ فرضُ الصلاةِ في [مسجدِ بَيْتِ] ¬في م: "المسجد".¥ المقدسِ فَمُنِعوا مِن الصلاةِ فيه، فيجوزَ ¬في م: "فيلجئون".¥ توجيهُ قولِه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}. إلى أنه مَعْنىٌّ به مسجدُ بيتِ المقدسِ- فقد أخطَأ فيما ظَنَّ مِن ذلك. وذلك أن اللهَ تعالى ذِكْرُه إنما ظلَّمَ ¬في م: "ذكر ظلم".¥ مَن منَع مَن كان فرضَه الصلاةُ في مسجدِ بيتِ المقدسِ مِن مؤمنى بني إسرائيل، وإياهم قصَد بالخبرِ عنهم بالظلمِ، والسَّعْىِ في خرابِ المسجدِ، وإن كان قد دلَّ بعمومِ قولِه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} أن كلَّ مانعٍ مصليًا في مسجدٍ للهِ، فرضًا كانت صلاتُه فيه أو تطوعًا، وكلَّ ساعٍ في خرابِه ¬في م: "إخرابه".¥، فهو مِن المُعْتدين الظالمين.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ}.
وهذا خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عمَّن مَنَع مساجدَ اللهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُه، أنه قد حَرَّم عليهم دخولَ المساجدِ التي سَعَوا في تخريبِها، ومَنَعوا عبادَ اللهِ المؤمنين مِن ذكرِ اللهِ عز وجل فيها ما داموا على مُناصَبةِ الحربِ، إلا على خوفٍ ووَجَلٍ مِن العقوبةِ على دُخولِهموها.
كالذي حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ}: وهم اليومَ كذلك، لا يُوجَدُ نَصرانىٌّ في بيتِ المقدسِ إلا نُهِك ضربًا، وأُبْلِغ إليه في العقوبةِ.
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ: قال اللهُ عز وجل: {مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ}. وهم النَّصارَى، فلا يَدْخُلون المسجدَ ¬بعده في الأصل: "الحرام".¥ إلا مُسارَقةً، إن قُدِرَ عليهم عُوقِبوا ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 56، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 211 (1117) عن الحسن بن يحيى به.¥.
وحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ}: فليس في الأرضِ رومىٌّ يَدْخُلُه اليومَ إلا وهو خائفٌ أن تُضْرَبَ عُنقُه، أو قد أُخِيفَ بأداءِ الجِزْيةِ فهو يُؤَدِّيها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 211 (1116) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به.¥.
وحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدِ في قولِه: {أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ}. قال: نادَى رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "ألَّا ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "لا".¥ يَحُجَّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بالبيتِ عُرْيانٌ". قال: فجعَل المُشرِكون يقولون: اللهم إنا مُنِعْنا أن نُبِرَّك ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3:"ننزل".
وقوله: "ألّا يحج بعد العام مشرك. . .". متفق عليه من حديث أبى هريرة، أن أبا بكر بعثه. . . يؤذن بمنى: ألا لا يحج. . . وينظر فتح البارى لابن رجب 2/ 401، 402، وسيأتي من طرق في أول سورة التوبة.¥.
وإنما قِيلَ: {أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ} فأُخرِج على وجهِ الخبرِ عن الجميعِ وهو خبرٌ عمّن منَع مساجدَ اللهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُه؛ لأن "مَن" في مَعْنَى الجمعِ وإن كان لفظُه واحدًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114)}.
أما قولُه: {لَهُمْ}. فإنه يَعْنى: للذين أخْبَر عنهم أنهم مَنَعوا مساجدَ اللهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُه.
وأما قولُه: {فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ}. فإنه يَعْنِى بالخزىِ الشرَّ والعارَ والذِّلةَ؛ إما القتلُ والسَّبيُ، وإما الذِّلةُ والصَّغارُ بأداءِ الجزيةِ.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ: {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ}. قال: يُعْطُون الجِزيةَ عن يدٍ وهم صاغِرون ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 56، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 211 (1119) عن الحسن بن يحيى به.¥.
وحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ}: أما خزيُهم في الدنيا، فإنهم إذا قام المَهْدىُّ وفُتِحَت القُسْطنطينيةُ قَتَلهم، فذلك الخزىُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 211 (1118) من طريق عمرو به.¥.
[وأما قولُه: {وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ}. فإن الآخرةَ صفةٌ للدارِ. وقد بيَّنَّا فيما مضَى قبلُ لِمَ قيلَ لها: آخرةٌ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3. وينظر ما تقدم في 1/ 251.¥.
وأما العذابُ العظيمُ، فإنه عذابُ جهنمَ الذي لا يُخَفَّفُ عن أهلِه، ولا يُقْضَى عليهم فيه ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فيها".¥ فيموتوا.
وتأويلُ الآيةِ: لهم في الدنيا الذلةُ والهوانُ، والقتلُ والسبيُ، على مَنْعِهم مساجدَ اللهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُه، وسَعْيِهم في خرابِها، ولهم على مَعْصِميتِهم وكفرِهم بربِّهم، وسعيِهم في الأرضِ فسادًا، عذابُ جهنمَ، وهو العذابُ العظيمُ.