تفسير هذه الآية

السورة 2 : الآية 116

السورة 2 : الآية 116

وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَـٰنَهُۥ ۖ بَل لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُۥ قَـٰنِتُونَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}.
يعنى بقولِه: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا}. الذين مَنَعوا مساجدَ اللهِ أن يُذْكرَ فيها اسمُه. و {قَالُوا} معطوفٌ على قولِه: {وَسَعَى فِي خَرَابِهَا}.
وتأويلُ الآيةِ: ومَن أظلمُ ممن مَنَع مساجدَ اللهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُه وسَعَى في خرابِها، وقالوا: اتخَذ اللهُ ولدًا. وهم النَّصارَى الذين زعَموا أن عيسى ابنُ اللهِ، فقال جلَّ ثناؤُه مُكَذِّبًا قِيلَهم ما قالوا مِن ذلك، ومُنْتفيًا مما نَحَلُوه، وأضافوا إليه بكَذِبِهم وفِرْيتِهم -: {سُبْحَانَهُ}. يَعْني بذلك جلَّ ثناؤُه: تنزيهًا للهِ، وتَبَرِّيًا ¬في م: "تبريئا".¥ مِن أن يكونَ له ولدٌ، وعلوًّا وارتفاعًا عن ذلك.
وقد دَلَّلْنا فيما مضى على معنى قولِ القائلِ: سُبحانَ اللهِ. بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ ¬ينظر ما تقدم في 1/ 504. 505.¥.
ثم أخْبَر جلَّ ثناؤُه أن له ما في السماواتِ والأرضِ مِلْكًا وخَلْقًا. ومعنى ذلك: وكيف يكونُ المسيحُ للهِ ولدًا، وهو لا يَخْلو مِن ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "إما".¥ أن يَكونَ في بعضِ هذه الأماكنِ؛ إما في السماواتِ، وإما في الأرضِ، وللهِ مِلكُ ما فيهما، ولو كان المسيحُ ابنًا كما زعَمتم، لم يكنْ كسائرِ ما في السماواتِ والأرضِ مِن خلقِه وعبيدِه، في ظهورِ آثارِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "آيات".¥ الصنعةِ فيه.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ تْناؤُه: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116)}.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ في قولِه: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: [كلٌّ له] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ مُطِيعون.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}: مُطِيعون ¬ينظر ما سيأتي في 4/ 379 - 383، وتفسير الآية 26 من سورة الروم، والدر المنثور 1/ 110.¥.
وحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عز وجل: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}. قال: مُطِيعون. وقال: طاعةُ الكافرِ في سجودِ ظِلِّه ¬تفسير مجاهد ص 212.¥.
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ بمثلِه، إلا أنه زاد: يَسْجُدُ ظِلُّه وهو كارهٌ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 213 (1129) عن أبيه، عن أبى حذيفة به.¥.
وحدَّثني موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السديِّ: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}. يقولُ: كلٌّ له مُطِيعون يومَ القيامةِ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 231 عن السديِّ.¥.
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عمَّن ذكَره، عن عكرمةَ: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}. قال: الطاعةُ.
وحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بِشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: {قَانِتُونَ}: مُطِيعون ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 110 إلى المصنف وابن المنذر.¥.
وقال آخرون: معنى ذلك: كلٌّ له مُقِرُّون بالعُبودةِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "بالعبودية".¥.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: حدثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ قولَه: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}. قال: كلٌّ له مُقِرٌّ بالعُبودةِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "بالعبودية". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 211 (1132) من طريق الحسين بن واقد به.¥.
وقال آخرون بما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}. يقولُ: كلٌّ له قائمٌ يومَ القيامةِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 214 (1133) من طريق ابن أبى جعفر به.¥.
وللقنوتِ في كلامِ العربِ مَعانٍ: أحَدُها، الطاعةُ. والآخرُ، القِيامُ. والثالثُ، الكفُّ عن الكلامِ والإمساكُ عنه.
وأوْلَى معانى القُنوتِ في قولِه: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}: الطاعةُ والإقرارُ للهِ بالعبودةِ، بشَهادةِ أجسامِهم بما فيها مِن آثارِ الصنعةِ، والدلالةِ على وحدانيةِ اللهِ، وأن اللهَ تعالى ذِكْرُه بارئُها وخالقُها، وذلك أن اللهَ أكْذَبَ الذين زعَموا أن للهِ ولدًا بقولِه: {بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. مِلْكًا وخلقًا. ثم أَخْبَر عن جميعِ ما في السماواتِ والأرضِ أنها مُقِرَّةٌ بدلالتِها على ربِّها وخالقِها، وأن اللهَ تعالى بارئُها وصانعُها -وإن جحَد ذلك بعضُهم بألسنتِهم ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فألسنتهم".¥ - مُذعِنةٌ له بالطاعةِ، بشَهادتِها له بآثارِ الصنعةِ التي فيها بذلك، وأن المسيحَ أحدُهم، فإني يَكونُ للهِ ولدًا وهذه صفتُه!
وقد زعَم بعضُ مَن قَصُرت معرفتُه عن توجيهِ هذا الكلامِ وجْهتَه، أن قولَه: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}. خاصةٌ لأهلِ الطاعةِ وليست بعامةٍ. وغيرُ جائزٍ ادِّعاءُ خصوصٍ في آيةٍ عامٌّ ظاهرُها، إلا بحُجةٍ يجبُ التسليمُ لها؛ لِما قد بينَّا في كتابِنا "كتابِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ".
وهذا خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عن أن المسيحَ -الذي زعَمت النصارى أنه ابنُ اللهِ- مُكَذِّبُهم هو والسماواتُ والأرضُ وما فيهما، إما باللسانِ، وإما بالدلالةِ، وذلك أنَّه جلَّ ثناؤُه أخْبَر عن جميعِهم بطاعتِهم إيَّاه، وإقرارِهم له بالعبودةِ، عَقِيبَ قولِه: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا}. فدلَّ ذلك على صحةِ ما قلنا.

تفاسير بلغات أخرى · 6