تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا}.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا}: واذْكُروا إذ قال إبراهيمُ: ربِّ اجْعَل هذا البلدَ بلدًا آمنًا. يعنى بقولِه: {آمِنًا}: آمنًا مِن الجبابرةِ وغيرِهم، أن يُسَلَّطوا عليه، ومِن عقوبةِ اللهِ أن تنالَه، كما تنالُ سائرَ البلدانِ، مِن خَسْفِ وائتفاكٍ ¬¥ وغرقٍ، وغيرِ ذلك مِن سخطِ اللهِ ومَثُلاتِه التي تُصيبُ سائرَ البلادِ غيرَه.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِرَ لنا أن الحرَمَ حُرِّمَ [بحيالِه إلى العرشِ] ¬في حاشية الأصل: "في الأم: بحياله العرش".¥. وذُكِر لنا أن البيتَ هبَط مع آدمَ حينَ هبَط، قال اللهُ له: أُهْبِطُ معك بيتي يُطافُ حولَه كما يُطافُ حولَ عَرْشِي. فطافَ حولَه آدمُ ومَن كان بعدَه مِن المؤمنين، حتى إذا كان زمنُ الطُّوفانِ -حين أغْرَق اللهُ قومَ نوحٍ- رفَعه وطَهَّره فلم تُصِبْه عُقوبةُ أهلِ الأرضِ، فتَتبَّع منه إبراهيمُ أثرًا، فبَناه على أساسٍ قديمٍ كان قبلَه ¬أخرجه الأزرقي في أخبار مكة 1/ 355 من طريق يزيد به إلى قوله: "العرش".¥.
فإن قال لنا قائلٌ: أو ما كان الحرمُ آمنًا إلا بعدَ ما سأَل إبراهيمُ ربَّه له الأمانَ؟
قيل: قد اخْتُلِفَ في ذلك؛ فقال بعضُهم: لم يَزَلِ الحرمُ آمنًا مِن عقوبةِ اللهِ وعقوبةِ جبابرةِ خلقِه، منذُ خُلِقَتِ السماواتُ والأرضُ.
واعْتَلُّوا في ذلك بما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ أبي سعيدٍ المَقْبُريُّ، قال: سمِعت أبا شُريحٍ الخُزاعيَّ يقولُ: إن رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما افْتَتح مكةَ قَتَلت خُزَاعةُ رجلًا مِن هُذَيلٍ، فقام رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خطيبًا فقال: "يا أيُّها الناسُ، إن اللهَ حرَّم مكةَ يومَ خلَق السماواتِ والأرضَ، فهى حرامٌ بحرامِ ¬في م، ت 2: "بحرمة".¥ اللهِ إلى يومِ القيامةِ، لا يَحِلُّ لامرئٍ يُؤْمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ أن يَسْفِكَ فيها ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "بها".¥ دمًا، أو يَعْضِدَ بها شجرًا ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "ألا".¥، وإنها لا تَحِلُّ لأحدٍ بعدِي، لا ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "لم".¥ تَحِلُّ لي إلا هذه الساعةَ غضبًا ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "عصى".¥ على أهلِها، ألا فهي قد رجَعت على حالِها بالأمسِ، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشاهدُ الغائِبَ، فمَن قال: إن رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قد قتَل بها، فقولوا: إنَّ اللهَ قد أحلَّها لرسولِه ولم يُحِلَّها لك" ¬أخرجه البيهقي في الدلائل 5/ 83 من طريق يونس بن بكير
به، وأخرجه أحمد 4/ 300 (16377)، والطحاوي 2/ 260، والطبراني في الكبير 22/ 185 (485) من طرق عن ابن إسحاق به بنحوه، كما أخرجه البخاريّ (104، 1832، 4295)، ومسلم (1654) من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري به بنحوه.¥.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ بنُ سليمانَ، وحدَّثنا ابنُ حميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، جميعًا عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لمكةَ حين افتتَحها: "هذه حَرَمٌ حرَّمها اللهُ يومَ خلَق السماواتِ والأرضَ وخلَق الشمسَ [والقمرَ] ¬سقط من: الأصل، ت 1، ت 2، ت 3.¥ ووضَع هذين الأخْشَبَيْنِ، لم تَحِلَّ لأحدٍ قبلِي، ولا تَحِلُّ لأحدٍ بعدي، أُحِلَّت لي ساعةً من نهارٍ" ¬أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 496، 497، والدارقطني 4/ 235 من طريق يزيد به.¥.
قالوا: فمكةُ لم تَزَلْ منذ خُلِقت حرَمًا آمنًا مِن عقوبةِ اللهِ وعقوبةِ الجبابرةِ.
قالوا: وقد أَخبَرَت عن صحةِ ما قلنا مِن ذلك الروايةُ الثابتةُ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "الثانية".¥ عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- التي ذكرناها.
قالوا: ولم يسألْ إبراهيمُ ربَّه أن يؤمِّنَه من عقوبتِه وعقوبةِ الجبابرةِ، ولكنه سأله أن يؤمِّنَ أهلَه من الجدوبِ والقحوطِ، وأن يرزُقَ ساكنيه ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "ساكنه".¥ من الثمراتِ، كما أخبر ربُّه عنه أنه سأله بقولِه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}.
قالوا: وإنما سأل ربَّه ذلك؛ لأنه أَسْكَن فيه ذرِّيَّتَه، وهو غيرُ ذي زَرْعٍ ولا ضَرْعٍ، فاستعاذ بربِّه من أن يُهلكَهم بها جوعًا وعطشًا، فسأله أن يؤمِّنَهم مما حذِر عليهم منه.
قالوا: وكيف يجوزُ أن يكونَ إبراهيمُ صلواتُ اللهِ عليه سأل ربَّه تحريمَ الحرمِ، وأن يؤمِّنَه من عقوبتِه وعقوبةِ جبابرةِ خلقِه، وهو القائلُ حينَ حلَّه ونزَله بأهلِه وولدِه: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} [إبراهيم: 37].
قالوا: فلو كان إبراهيمُ هو الذي حرَّم الحرمَ أو سأل ربَّه تحريمَه لَمَا قال: {عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} [إبراهيم: 37]، عندَ نزولِه به، ولكنه حُرِّم قبلَه وحُرِّم بعدَه.
وقال آخرون: كان الحرَمُ حلالًا قبلَ دعوةِ إبراهيمَ كسائرِ البلادِ غيرِه، وإنما صار حرامًا ¬في الأصل: "حرما".¥ بتحريمِ إبراهيمَ إياه، كما كانت مدينةُ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حلالًا قبل تحريمِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إياها، [فصارت حرامًا بتحريمِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إياها] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥.
قالوا: والدليلُ على صحةِ ما قلنا في ذلك ما حدَّثنا به ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إن إبراهيمَ حرَّم بيتَ اللهِ وأمَّنه، وإني حرَّمت المدينةَ ما بينَ لابَتَيْها ¬اللابتان: تثنية لابة، وهي الحرَّة، وهي الأرض ذات الحجارة السود التي قد ألبستها لكثرتها. النهاية 4/ 274.¥، فلا يصادُ صَيْدُها، ولا تُقْطَعُ عِضاهُها ¬العضاه: أعظم الشجر، وقيل: ما عظم من شجر الشوك. اللسان (ع ض هـ).¥ " ¬أخرجه النسائي في الكبرى (4284) عن ابن بشار به، وأخرجه مسلم (1362) من طريق سفيان به.¥.
حدثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: [حدثنا ابنُ إدريسَ، وحدثنا أبو كريبٍ، قال] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ ثنا عبدُ الرحيمِ الرازىُّ، [قالا جميعًا: سمِعنا] ¬في م: "سمعت"، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "قالا سمعنا".¥ أشعثَ، عن نافعٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إنَّ إبراهيمَ كانَ عبدَ اللهِ وخَلِيلَهُ، وإنى عبدُ اللهِ ورسولُه، وإنَّ إبراهيمَ حرَّم مكَّةَ وإنى حرَّمتُ المَدِينَةَ ما بينَ لابَتَيْها؛ عِضَاهَها وَصَيْدَها، ولا يُحْمَلُ فيها سلاحٌ لقتالٍ، ولا يُقْطَعُ منها شَجَرةٌ إلا لعَلَفِ بَعِيرٍ" ¬عزاه المتقى الهندى في كنز العمال (38156) إلى المصنف عن نافع به، وأخرجه مسلم (1373)، والترمذي (3454) من طريق سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرة بنحوه.¥.
وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بكرُ بنُ مُضَرَ، عن ابنِ الهادِ، عن أبي بكرِ بنِ محمدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ عثمانَ، عن رافعِ بنِ خَديجٍ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إنَّ إبراهيمَ حرَّم مكةَ، وإنى أُحَرِّمُ ¬بعده في م: "المدينة".¥ ما بينَ لابَتَيْها" ¬أخرجه أحمد 28/ 509 (17273)، ومسلم (1361) والبيهقي 5/ 197، 198 من طريق قتيبة به، وأخرجه الطبراني في الكبير (4326) من طريقين عن بكر به، وأخرجه أحمد 28/ 507، 508 (17271)، والطحاوي 4/ 193، والطبراني (4325، 4327، 4328) من طرق عن يزيد به.¥.
وما أشبَه ذلك مِن الأخبارِ التي يطولُ باستيعابِ ذكرِها الكتابُ.
قالوا: وقد أخبَر اللهُ تعالى ذكرُه في كتابِه أنَّ إبراهيمَ قال: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} ولم يخبرْ عنه أنَّه سأَله أن يجعَلَه آمنًا مِن بعضِ الأشياءِ دونَ بعضٍ، فليس لأحدٍ أن يَدَّعِىَ أن الذي سأَله مِن ذلك الأمانُ له مِن بعضِ الأشياءِ دونَ بعضٍ إلا بحُجَّةٍ يَجِبُ التسليمُ لها.
قالوا: وأما خبرُ أبي شُرَيحٍ وابنِ عباسٍ فخبران لا تَثْبُتُ بمثلِهما في الدينِ حجةٌ لما في أسانيدِهما مِن الأسبابِ التي [يَجِبُ التثبتُ] ¬في م: "لا يجب التسليم".¥ فيها مِن أجلِها.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن اللهَ جلَّ ثناؤُه جعَل مكةَ حَرَمًا حينَ خلَقها وأنشأَها، كما أخبَر النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه حرَّمها يومَ خلَق السماواتِ والأرضَ بغيرِ تحريمٍ منه لها على لسانِ أحدٍ مِن أنبيائِه ورسلِه، ولكنْ بمنعِه جلَّ ثناؤُه مَن أرادها بسوءٍ، وبدفعِه عنها مِن الآفاتِ والعقوباتِ وعن ساكنيها، ما أحلّ بغيرِها وغيرِ ساكنيها مِن النِّقْماتِ، فلم يَزَلْ ذلك أمرَها حتى بَوَّأَها اللهُ إبراهيمَ خليلَه، وأسكَن بها أهلَه هاجرَ وولدَه إسماعيلَ، فسأَل حينَئذٍ إبراهيمُ ربَّه إيجابَ ¬في م، ت 3: "إيجاد".¥ فرضِ تحريمِها على عبادِه على لسانِه؛ ليكونَ ذلك سنةً لمن بعدَه مِن خلقِه يَسْتَنُّون به ¬في م: "بها".¥ فيها، إذ كان جلَّ ثناؤُه قد اتَّخَذَه خليلًا، وأخبَرَه أنَّه جاعلُه للناسِ إمامًا يُقْتَدى به، فأجابَه ربُّه إلى ما سأَله، وألزَم عبادَه حينَئذٍ فرضَ تحريمِه على لسانِه.
فصارت مكةُ بعدَ أن كانت ممنوعةً بمنعِ اللهِ إياها بغيرِ إيجابِ اللهِ فرضَ الامتناعِ منها على عبادِه، ومحرّمةً بدفعِ اللهِ عنها بغيرِ تحريمِه إياها على لسانِ أحدٍ مِن رسلِه -فرضًا تحريمُها على خلقِه على لسانِ خليلِه إبراهيمَ عليه السلامُ، وواجبًا على عبادِه الامتناعُ مِن استحلالِها، واستحلالِ صيدِها وعِضاهِها، بإيجابِه الامتناعَ مِن ذلك؛ ببلاغِ إبراهيمَ رسالةَ اللهِ إليه بذلك إليهم ¬في م: "إليه".¥، فلذلك أُضيف تحريمُها إلى إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه، فقال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إنَّ إبراهيمَ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "الله".¥ حَرَّمَ مَكّةَ"؛ لأن فرضَ تحريمِها الذي ألزَم اللهُ عبادَه على وجهِ العبادةِ له بِه- دونَ التحريمِ الذي لم يَزَلِ [اللهُ منفردًا] ¬في م، ت 1: "متعبدًا لها".¥ لها به على وجهِ الكِلاءَةِ والحفظِ لها قبلَ ذلك - كان عن مسألةِ إبراهيمَ ربَّه إيجابَ فرضِ ذلك على لسانِه، لزِم العبادَ فرضُه دونَ غيرِه.
فقد تبيَّن إذن بما قلنا صحةُ معنى الخبرين؛ أعنى خبرَ أبي شريحٍ وابنِ عباسٍ، عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: "إنَّ اللهَ حرَّم مكةَ يومَ خلَق الشمسَ والقمرَ". وخبرَ جابرٍ وأبى هريرةَ ورافعِ بنِ خَدِيجٍ وغيرِهم، أنَّ النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "اللهمَّ إنَّ إبراهيمَ حرَّم مكةَ". وأنْ ليس أحدُهما دافعًا صحةَ معنى الآخرِ كما ظنَّه بعضُ الجهالِ.
وغيرُ جائزٍ في أخبارِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنْ يكونَ بعضُها دافعًا بعضًا إذا ثبَت صحتُها، وقد جاء الخبران اللذان رُوِيا في ذلك عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَجيئًا ظاهرًا مستفيضًا يَقْطَعُ عذرَ مَن بلَغه.
وأمَّا ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ قولُ إبرهيمَ صلواتُ اللهِ عليه: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} [إبراهيم 37]. فإنَّه إنْ يَكُنْ قال ذلك ¬في م، ت 1: "كلائه".¥ قبلَ إيجابِ اللهِ فرضَ تحريمِه على لسانِه على خلقِه، فإنما عنى بذلك تحريمَ اللهِ إياه الذي حرَّمه بحياطتِه إياه وكِلاءتِه ¬¥، مِن غيرِ تحريمِه إياه على خلقِه على وجهِ التعبدِ لهم بذلك، وإن يكنْ قال ذلك بعدَ تحريمِ اللهِ إياه على لسانِه على خلقِه على وجهِ التعبدِ، فلا مسألةَ لأحدٍ علينا في ذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}.
وهذه مسألةٌ مِن إبراهيمَ ربَّه أن يَرْزُقَ مؤمنى أهلِ مكةَ مِن الثمراتِ دونَ كافريهم، وخصَّ بمسألةِ ذلك للمؤمنين دونَ الكافرين، لا أعلَمه اللهُ -عند مسألتِه إياه أن يَجْعَلَ مِن ذرِّيتِه أئمةً يُقْتَدَى بهم- أنَّ منهم الكافرَ الذي لا ينالُ عهدَه، والظالمَ الذي لا يُدْرِكُ وِلايتَه، فلما ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "أن".¥ علِم أنَّ مِن ذرِّيتِه الظالمَ والكافرَ، خصَّ بمسألتِه ربَّه أن يَرْزُقَ مِن الثمراتِ مِن سكانِ مكةَ المؤمنَ منهم دونَ الكافرِ، وقال اللهُ له: قد أجَبت دعاءَك، وسأَرْزُقُ مع مؤمنى أهلِ هذا البلدِ كفَّارَهم، فأُمَتِّعُه به قليلًا.
فأمَّا "مَنْ" في قولِه: {مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} فإنه نصبٌ على الترجمةِ والبيانِ عن "الأهلِ"، كما قال جلَّ ثناؤُه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} [البقرة: 217]. بمعنى: يسألونك عن قتالٍ في الشهرِ الحرامِ. وكما قال تعالى ذكرُه: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]. بمعنى: وللهِ حِجُّ البيتِ على مَن استطاع إليه سبيلًا.
وإنما سأَل إبراهيمُ ربَّه ما سأَل مِن ذلك؛ لأنه حلَّ بوادٍ غيرِ ذي زرعٍ ولا ماءٍ ولا أهلٍ، فسأَل أن يَرْزُقَ أهلَه ثمرًا، وأن يَجْعَلَ أفئدةً من ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ الناسِ تَهْوِى إليهم. فذُكِرَ أنَّ إبراهيمَ لما سأَل ذلك ربَّه، نقَل اللهُ الطائفَ مِن ¬زيادة من مصدر التخريج.¥ فلسطينَ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، قال: ثنا هشامٌ، قال: قرَأتُ على محمدِ بنِ مسلمٍ الطائفىِّ أنَّ إبراهيمَ لما دعا للحَرَمِ: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ}: نقَل اللهُ الطائف مِن ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 230 (1222) من طريق هشام به.¥ فلسطينَ ¬¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: {قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا}.
اختلف أهلُ التأويلِ في قائلِ هذا القولِ، وفي وجهِ قراءتِه؛ فقال بعضُهم: قائلُ هذا القولِ ربُّنا تعالى ذكرُه. وتأويلُه على قولِهم: قال اللهُ: ومَن كفَر بي فأُمَتِّعُه برِزقى مِن الثمراتِ قليلًا في الدنيا إلى أن يَأْتِيَه أجلُه. وقرَأ قائلو هذه المقالةِ ذلك: {فَأُمَتِّعُهُ} بتشديدِ التاءِ ورفعِ العينِ ¬هى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبى عمرو وحمزة والكسائي، وقرأ ابن عامر: (فأُمْتِعُه). خفيفة من: أمْتَعْتُ. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 170.¥.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: حدَّثني أبو العاليةِ، عن أُبىِّ بنِ كعبٍ في قولِه: {فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ}. قال: هو قولُ الربِّ تبارك وتعالى ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 230 (1224) من طريق أبي جعفر به.¥.
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابنُ إسحاقَ: لما قال إبراهيمُ: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} وعزَل ¬في م: "عدل".¥ الدعوةَ عمن أبَى اللهُ أن يَجْعَلَ له الوِلايةَ؛ انقطاعًا إلى اللهِ ومحبتِه ¬في م، ت 1: "محبة".¥، وفِراقًا لمن خالَف أمرَه، وإن كانوا مِن ذريتِه حينَ عرَف أنه كائنٌ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "كان".¥ منهم ظالمٌ لا ينالُ عهدَه، بخبره عن ذلك حين أخبَره، فقال اللهُ: ومن كفر، فإني أَرْزُقُ البَرَّ والفاجرَ فأُمَتِّعُه قَلِيلًا ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 253 عن ابن إسحاق.¥.
وقال آخرون: بل قال ذلك إبراهيمُ خليلُ الرحمنِ على وجهِ المسألةِ منه ربَّه أن يَرْزُقَ الكافرَ أيضًا مِن الثمراتِ بالبلدِ الحرامِ، مثلَ الذي يَرْزُقُ به المؤمنَ، ويُمَتِّعُه بذلك قليلًا [في حياتِه حتى تَخْتَرِمَه مَنِيَّتُه. وقرأ قائلو ذلك: (وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ ثُمَّ اضْطَرَّه إِلَى عَذَابِ النَّارِ). بتخفيفِ التاءِ وجزمِ العينِ، وفتحِ الراءِ من (اضْطَرَّه)، ووصلِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فصل".¥ (ثم اضطَرَّه) بغيرِ قطعِ ألفِها ¬وهي قراءة ابن عباس ومجاهد. البحر المحيط 1/ 384.¥، على وجهِ الدعاءِ مِن إبراهيمَ ربَّه لهم والمسألةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: قال أبو العاليةِ: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: ذلك قولُ إبراهيمَ يَسْأَلُ ربَّه أن (مَن كفَر فأَمْتِعْه قليلًا) ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 230 (1224) من طريق أبي جعفر به.¥.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، [عن أبيه] ¬سقط من: م، ت 2.¥، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: (وَمَنْ كَفَرَ فأَمْتِعْه قَلِيلًا). يقولُ: ومَن كفَر فارْزُقْه أيضًا (ثم اضْطَرَّه إلى عذابِ النارِ) ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 253 عن مجاهد.¥.
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا والتأويلِ ما قاله أبىُّ بنُ كعبٍ [وقرَأ به] ¬في م: "وقراءته".¥، لقيامِ الحجةِ بالنقلِ المستفيضِ وراثةً ¬في م، ت 1: "دراية".¥ بتصويبِ ذلك، وشذوذِ ما خالَفه مِن القراءةِ، وغيرُ جائزٍ الاعتراضُ بمن كان جائزًا عليه في نقلِه الخطأُ والسهوُ على مَن كان ذلك غيرَ جائزٍ عليه في نقلِه.
وإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: قال اللهُ: يا إبراهيمُ، قد أجبتُ دعوتَك ورزَقتُ مؤمنى أهلِ هذا البلدِ مِن الثمراتِ وكفارَهم متاعًا لهم إلى بلوغِ آجالهِم، ثم أضطرُّ كفارَهم بعدَ ذلك إلى عذاب النارِ.
وأما قولُه: {فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا} فإنه يعنى: فأَجْعَلُ ما أَرْزُقُه مِن ذلك في حياتِه متاعًا يَتَمَتَّعُ به إلى وقتِ مماتِه.
وإنما قلنا: إنَّ ذلك كذلك؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه إنما قال ذلك لإبراهيمَ جوابًا لمسألتِه ما سأل مِن رزقِ الثمراتِ لمؤمنى أهلِ مكةَ، فكان معلومًا بذلك أن الجوابَ إنما هو فيما سألَه إبراهيمُ لا في غيرِه. وبالذي قلنا في ذلك قاله مجاهدٌ، وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك عنه.
وقال بعضُهم: تأويلُه: فأمتِّعُه بالبقاءِ في الدنيا.
وقال غيرُه: فأمتِّعُه قليلًا في كفرِه ما أقام بمكةَ، حتى أبعَثَ محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيَقْتُلَه إن أقام على كفرِه أو يُجْلِيَه عنها. وذلك وإن كان وجهًا يَحْتَمِلُه الكلامُ، فإن دليلَ ظاهرِ الكلامِ على خلافِه؛ لما وصَفنا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ}.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ}: ثم أَدْفَعُه إلى ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "عذاب".¥ النارِ وأَسُوقُه إليها، كما قال جلَّ ثناؤُه: {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} [الطور: 13]. ومعنى الاضْطرارِ الإكراهُ. يقالُ: اضْطَرَرتُ فلانًا إلى هذا الأمرِ، إذا ألجَأْتَه إليه وحمَلتَه عليه. فكذلك معنى قولِه: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ}: أَدْفَعُه إليه وأَسُوقُه سحبًا وجرًّا على وجهِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)}.
قد دلَّلنا على أنَّ "بئس" أصلُه "بئِس" مِن "البُؤْسِ"، سُكِّنَ ثانيه ونُقِلت حركةُ ثانيه إلى أولِه، كما قيل للكبِدِ: كِبْدٌ، وما أشبَه ذلك.
فمعنى الكلامِ: وساء المصيرُ عذابُ النارِ، بعدَ الذي كانوا فيه مِن متاعِ الدنيا الذي مَتَّعْتُهم فيها.
وأما "المصيرُ" فإنه "مَفْعِلٌ" مِن قولِ القائلِ: صِرْتُ مَصيرًا صِلْحًا ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "صالحا"، وكلاهما بمعنًى.¥. وهو الموضعُ الذي يَصِيرُ إليه [من جهنمَ. فتأويلُ الكلامِ: وبئس المكانُ الذي يصيرُ إليه] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ الكافرُ باللهِ ¬بعده في م: "من".¥ عذابُ النارِ.